الوقت – بينما تمرُّ ثلاثة أيام على الهدنة بين إيران والولايات المتحدة، وبحسب خطة طهران المكونة من عشرة بنود، كان من المفترض أن تشمل هذه الهدنة جميع الجبهات الحربية، إلا أن الکيان الصهيوني، كما في الماضي، لم يلتزم ببنود الهدنة، بل زاد من وتيرة الحرب ضد لبنان. وقد أفاد رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، بأن جبهة لبنان لا تدخل ضمن الهدنة، وأنهم سيواصلون الحرب ضد حزب الله.
في الأيام الأخيرة، وفي موجة واسعة من الهجمات الصهيونية على لبنان، سقط مئات الضحايا بين شهداء وجرحى، ودُمرت بعض المناطق السكنية في هذا البلد خلال الضربات الجوية. فعلى الرغم من أن حكومة نتنياهو المتطرفة ظنت أن الهدنة ستجعل إيران تتجه نحو المفاوضات في باكستان، وبالتالي تقلل من تركيزها على جبهة لبنان، مما يسمح لها بتنفيذ مخططاتها الخبيثة بسهولة، إلا أن التحذيرات الحادة والصريحة التي وجهتها القوات المسلحة والمسؤولون السياسيون الإيرانيون إلى الولايات المتحدة وابنها غير الشرعي، أظهرت أن الجمهورية الإسلامية لن تترك أي من حلفائها مكشوفًا أمام الأعداء.
وبالتالي، ردت إيران فورًا على جرائم الکيان الصهيوني ضد لبنان، وذلك بإغلاق ممر السفن عبر مضيق هرمز، الذي كان من المقرر إعادة فتحه وفقًا للاتفاقيات. وبفعل هذا الإجراء، عادت أسعار النفط العالمية، التي تراجعت بسبب الهدنة، إلى الارتفاع مجددًا.
كما هدّد قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري الإيراني بأنه سيتم الرد بحزم على الجرائم الوحشية التي يرتكبها الکيان الصهيوني ضد لبنان. وعلّق محمد باقر قالیباف، رئيس مجلس الشوری في إيران، قائلًا: "لبنان كان جزءًا من اتفاق الهدنة، وواشنطن قد انتهكت حتى الآن ثلاث بنود من اقتراح إيران للهدنة".
وأفادت بعض المصادر أن إيران كانت على وشك الرد على انتهاك الهدنة، لكن باكستان تدخلت ونقلت رسائل تفيد بأن تل أبيب ستُخضع لرقابة أمريكية. وفي هذا السياق، ذكرت شبكة سي إن إن أن ترامب طلب من نتنياهو تقليل الهجمات على لبنان من أجل ضمان نجاح المفاوضات مع طهران.
وقد أصدرت إيران تحذيرًا واضحًا بأنها لن تشارك في المحادثات في إسلام آباد طالما استمرت جرائم تل أبيب ضد لبنان، رغم تحذيرات ترامب. وفي الوقت الذي دخل فيه المسؤولون الأمريكيون إلى باكستان يوم الجمعة، لم يُرسل أي ممثل عن طهران إلى هذه المحادثات حتى نهاية يوم الجمعة.
يُذكر أن حزب الله قد دخل هذه الاشتباكات ردًا على حرب الولايات المتحدة والکيان الصهيوني علی إيران، وقد تمكن خلال الأربعة أشهر الماضية من إضعاف الجبهة الشمالية للأراضي المحتلة بإطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المُسيّرة، مُسجّلًا ضربات مُدمرة على الکيان الصهيوني.
وبالتالي، جاء دور إيران الآن للدفاع عن هذا المحور المقاوم خلال فترة الهدنة. وعلى الرغم من ادعاء ترامب بأن لبنان لا يشمله اتفاق الهدنة، فإن أحد الشروط العشرة لطهران كان انتهاء عدوان الاحتلال في لبنان، وإذا لم توافق واشنطن على ذلك، فإنه من الصعب جدًا أن يُبرم اتفاق دائم ومستقر بين الطرفين.
وتحاول إيران الآن استخدام إغلاق مضيق هرمز، ردًا على التطورات في لبنان، كوسيلة ضغط في مائدة المفاوضات من أجل تحقيق مكاسب سياسية. وبما أن هناك موجةً من الاعتراضات الداخلية والدولية ضد سياسة ترامب العدائية تجاه إيران، فإن قوة طهران في هذا المضيق الاستراتيجي قد تدفع العدو إلى التراجع في جميع المجالات.
من وجهة نظر وسائل الإعلام الأمريكية، فإن مشاركة نائب ترامب في المفاوضات في إسلام آباد، تُظهر بشكل واضح أن الولايات المتحدة دخلت في المفاوضات بهدف إنهاء هذه الأزمة التي صنعتها بنفسها، وذلك بسبب الهزائم التي تكبدتها واشنطن في الميدان، وعدم قدرتها على الاستمرار في الحرب.
وبحسب الخبراء، فإن ترامب وجد نفسه في وضعٍ لا مفر فيه، حيث سيضطر لمنح إيران امتيازات كبيرة من أجل إعادة فتح مضيق هرمز، لأن تشكيل نظام جديد في منطقة الشرق الأوسط، وخاصةً في مضيق هرمز، أصبح واقعًا، والقوة التي تقود هذا التغيير هي إيران.
واليوم، يرى العديد من المسؤولين والخبراء في محور المقاومة أن لبنان لا ينبغي أن يُترك وحيدًا أمام الکيان الصهيوني، وإلا فإن ذلك سيُشجع الکيان المحتل على التوسع في الهجوم على بقية الجبهات. ومن ثم، يجب أن تُدرج قضية الهدنة في لبنان ضمن أي تسوية محتملة في إسلام آباد، حتى لا تتمكن تل أبيب من مواصلة جرائمها.
حكومة لبنان تستجدي بالکيان الصهيوني
بينما يسعى الکيان الصهيوني إلى تعويض خسائره في الحرب الأخيرة عبر قتل المدنيين في لبنان، فإن حكومة لبنان تواصل اتباع مواقفها المثيرة للأسف. وقد صرّح مصدر حكومي لبناني لشبكة سي إن إن قائلاً: "سيزور نواف سلام، رئيس الوزراء اللبناني، واشنطن في الأيام القادمة، بناءً على طلب إسرائيل للمفاوضة المباشرة مع لبنان". وفي الوقت نفسه، رفض الحزب الوطني الإجتماعي السوري في لبنان أي اقتراح للمفاوضات المباشرة مع الصهاينة، واعتبر ذلك اعترافًا سياسيًا بالکيان الصهيوني.
إن الموافقة التي قدمتها حكومة لبنان على الحوار المباشر مع الاحتلال الصهيوني، في ظل استمرار هذا الکيان خلال السنوات الثلاث الماضية في شن هجمات يومية على لبنان، وقتل آلاف الأبرياء، تُظهر بوضوح رفع الراية البيضاء أمام المحتلين.
التجربة أثبتت أن المفاوضات مع الکيان الصهيوني، الذي لا يلتزم بأي اتفاق على الهدنة، لا تحل أي مشكلة بل تزيد من تعقيدات الوضع اللبناني. ففي العامين الماضيين، واصل الجيش الصهيوني شن آلاف الهجمات على المناطق الجنوبية من لبنان، حتى إن الأمر قد أثار غضب الأمم المتحدة. ومع ذلك، فإن السياسيين في بيروت لا يقفون إلى جانب حزب الله ويستخدمون قوة المقاومة لدفع العدو إلى التراجع، بل يلعبون في ملعب تل أبيب.
وخلال العام الماضي، بينما كانت قيادة تل أبيب وواشنطن تسعى إلى نزع سلاح حزب الله، لم تعزز حكومة لبنان قدراتها العسكرية لمنع العدو من التفكير في التوسع، بل فرضت ضغوطًا على قادة المقاومة لتسليم أسلحتهم إلى الدولة، دون أن تدرك أن غياب سلاح المقاومة يعني أن "إسرائيل" ستضمّ لبنان إلى أراضيها المحتلة في أسرع وقت، وهو جزء من مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي تم تكليف نتنياهو بتحقيقه.
يعتقد رئيس الوزراء اللبناني أن بإمكانه الاعتماد على دعم دونالد ترامب لإقناع الاحتلال الصهيوني بوقف العمليات العسكرية في لبنان، لكن ترامب أثبت خلال مواجهته مع إيران أنه أداة في يد نتنياهو، ويتحرك في اتجاه تلبية مصالح الصهاينة وتحطيم جبهة المقاومة، وهو ما أثار حتى غضب الأمريكيين أنفسهم.
إن تجربة أربعين عامًا من بناء المقاومة اللبنانية، أثبتت أن الکيان الصهيوني لا يفهم سوى لغة القوة، وأن حزب الله تمكن خلال هذه الفترة من تحقيق انتصارات مؤلمة للصهاينة، من خلال طرد المحتل من جنوب لبنان في عام 2000، وانتصاره في حرب 33 يوماً عام 2006، بالإضافة إلى دوره الفاعل في حروب غزة وإيران.
لذلك، إذا أراد السياسيون اللبنانيون التحرر بشكل دائم من جرائم تل أبيب، فإن الطريق الوحيد هو تعزيز القدرة العسكرية الرادعة والانضمام إلى جبهة المقاومة، لأن الولايات المتحدة، على خلاف ادعائها، لن تقدم أي دعم لتجهيز الجيش اللبناني، بل على العكس، فإنها تضعفه وتُسهل بذلك مسار الاحتلال الإسرائيلي.
