الوقت - على مدى الأسابيع الثلاثة المنقضية منذ اندلاع حرب رمضان، ظلّ غياب الاستراتيجية الواضحة والمعلنة مسبقاً تجاه مسارات الصراع وأهدافه وآليات الخروج من الحرب مع إيران، أحد أبرز الانتقادات الداخلية والدولية الموجهة لإدارة ترامب.
وفي المقابل، تسير الجمهورية الإسلامية قدماً في تنفيذ تهديداتها وإنذاراتها المعلنة مسبقاً ضد العدو، بما في ذلك إقليمية الحرب وإغلاق مضيق هرمز، على نحو تدريجي ومرحلي؛ إذ تدرك جيداً نقطة انطلاقها ووجهتها، وبفضل سيطرتها الاستراتيجية على أجواء وساحات المعركة، تظل دائماً الفاعل المؤثر والمحدد لقواعد اللعبة، لتدير دفة الحرب في الميدان الذي تتقنه وتجيد خوضه، والذي يشكل نقطة قوتها في مواجهة ضعف العدو.
وفي ظل هذه الأجواء، يعدّ أحد الأهداف الاستراتيجية لإيران من المنظور الغامض الذي رسمته لنهاية حرب رمضان، هو تبديد الرساميل العسكرية والسياسية لأمريكا في غرب آسيا، وتحديداً إنهاء الوجود العسكري الأمريكي المهدد لمستلزمات الاستقرار في المنطقة إلى الأبد.
في إطار هذا الهدف الاستراتيجي، وبالإضافة إلى الأمواج العاتية من الهجمات الصاروخية والمسيّرات التي تشنها القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية على كافة القواعد التي تتمركز فيها العناصر الإرهابية الأمريكية في المنطقة، وما يرافقها من تدمير مستمر لجميع البنى التحتية والمعدات والخدمات اللوجستية التي أُنفقت فيها أموال وأوقات طوال عقود لبنائها، فإن هناك مساعٍ حثيثة أيضاً لتمهيد الساحة لنسف دعائم الشرعية والمسوغات العسكرية والأمنية لوجود القواعد الأمريكية في المنطقة، وتُتابع هذه الجهود بقوة وتصميم.
وفي هذا السياق، وفي حين كان العراق على مدى العقدين الماضيين أحد أهم الدول المضيفة لقوات الإرهاب الأمريكي في غرب آسيا، ونظراً لحساسية موقعه الجيوسياسي العالية وما يكتسبه من أهمية بالغة في تفعيل الأنشطة العسكرية وتحقيق الأهداف الاستراتيجية لواشنطن في المنطقة، فقد عجلت حرب رمضان بإنهاء هذا الوجود الاحتلالي إلى الأبد.
لقد دفعت حرب رمضان بالعراق تدريجياً إلى قلب ساحة المعركة، عقب العدوان الوحشي الذي شنته الولايات المتحدة والکيان الصهيوني على إيران. وقد فتحت فصائل المقاومة العراقية، بدافع من العلاقات الاستراتيجية مع جبهة المقاومة، وكذلك لتشابك المصالح الجيوسياسية للعراق في هذه الحرب، جبهةً جديدةً لمواجهة العدو الأمريكي.
ويُعدّ أهم مصالح هذه الفصائل: انعدام الأمن في مضيق هرمز وأزمة تصدير النفط، والتدخلات غير القانونية لواشنطن في السياسة العراقية للضغط على الحكومة والمقاومة في هذا البلد، والهجمات العسكرية على مقرات الحشد الشعبي بوصفها جزءاً من الهيكل الرسمي للقوات المسلحة العراقية، فضلاً عن القلق العميق إزاء الاستراتيجية المزعزعة للاستقرار التي تتبعها الولايات المتحدة والکيان الصهيوني لتقسيم دول المنطقة والهيمنة على مواردها ومستقبل النظام الأمني فيها.
لقد وُصفت الاشتباكات بين قوات المقاومة العراقية والعسكريين الأمريكيين خلال الـ ٤٨ ساعة الماضية بأنها عنيفة وقاصمة. وعلى الرغم من أن أمريكا، حرصاً على سلامة طاقمها العسكري، قد أخلت أغلب قواعدها في مختلف أنحاء العراق قبل الحرب ونقلتها إلى قاعدة الحرير في إقليم كردستان، إلا أن مقر فيكتوريا العسكري القريب من مطار بغداد، ومعسكر الدعم اللوجستي للسفارة الأمريكية المجاور لنفس المطار، والذي لا يزال يشهد وجوداً عسكرياً أمريكياً، قد تعرض في الأيام الأخيرة لقصف مكثف بالصواريخ والمسيّرات من قبل فصائل المقاومة، مما جعله يرزح تحت وطأة نيران هائلة.
وكنتيجة لهذه الهجمات، طلبت أمريكا -بحسب ما أوردته وسائل الإعلام- مهلةً مدتها ٤٨ ساعةً من قوات المقاومة العراقية للانسحاب من قاعدة فيكتوريا. وفي حال وقوع ذلك، فإن الوجود العسكري الأمريكي سيُقيّد للمرة الأولى منذ عام ٢٠٠٣ وحصراً داخل إقليم كردستان العراق، ولن يكون لأمريكا بعدئذٍ أي وجود عسكري في أي بقعة أخرى من الأراضي العراقية.
تأتي هذه الهجمات رداً على استهداف قوات الحشد الشعبي، وإصابة وارتقاء عدد من مجاهدي وقادة المقاومة العراقية شهداء على يد الجيش الإرهابي الأمريكي خلال الأيام الأخيرة، حيث استهدفت الطائرات الأمريكية مراكز القيادة والتنسيق لقوات الحشد الشعبي في مختلف مناطق البلاد.
وفي آخر حوادث هذه الهجمات، وبحسب ما ذكرته وكالة "تسنيم" الإيرانية للأنباء، أعلن الحشد الشعبي يوم الثلاثاء أن مقر الهيئة في منطقة "الحبانية" بمحافظة الأنبار العراقية تعرض لغارة جوية أمريكية، أسفرت عن استشهاد "سعد دواي البعيجي"، أحد قادة العمليات، وعدد من رفاقه.
كما أعلن الحشد الشعبي في اليوم ذاته، ببيان آخر، عن تعرض مقره في منطقة "جرف النصر/السعيدات" لهجوم من قبل الولايات المتحدة والکيان الصهيوني، مما أدى إلى إصابة اثنين من مجاهدي اللواء ٤٧ بجراح. وكانت قد سبقت تقارير عن هجمات استهدفت مقرات للحشد الشعبي في محافظتي بابل والرمادي.
والآن، وبالإضافة إلى العزم الأكيد لتصفية الحساب مع الأمريكيين والانتقام لدماء القادة والرفاق وعشرات الآلاف من المواطنين العراقيين الذين سقطوا شهداء على يد العسكريين المحتلين على مدى العقدين الماضيين، ترى فصائل المقاومة العراقية في هذه الأجواء فرصةً سانحةً لإنهاء ملف الوجود العسكري الاحتلالي لأمريكا في العراق دفعةً واحدةً، لتعالج هذا الجرح القديم بحزم وإلى الأبد، بعيداً عن المساومات وأحلام السياسيين، وتخفف من وطأة وجود المحتلين والمصائب التي يجلبونها معهم للشعب العراقي.
وحتى الآن، وکنتيجة لهذه الحرب، أعلنت ألمانيا وإسبانيا، بوصفهما حليفتين لأمريكا في حلف الناتو، عن سحب قواتهما العسكرية من العراق بالكامل. وبلا شك، ومع الدعم من المرجعية الدينية العليا للشيعة، آية الله العظمى السيد علي السيستاني - الذي أدان بأقوى العبارات العدوان الأمريكي-الصهيوني على أرض الجمهورية الإسلامية الإيرانبة -، وبتلاحم الإرادة الجماعية لجبهة المقاومة في كافة أنحاء المنطقة، وحتى انخراط البيشمركة المسلمين في الإقليم، فإن المقاومة العراقية ستتوجه في المراحل اللاحقة من الحرب نحو آخر معقل للوجود الفتنوي الأمريكي في إقليم كردستان العراق، لتطهر كامل التراب العراقي من رجس المحتلين الأمريكيين.
