الوقت - بالتوازي مع انغماس المنطقة أكثر فأكثر في لهيب الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة والکيان الصهيوني، يتجه الوضع في العراق يومًا بعد يوم نحو الانزلاق نحو مواجهات عسكرية.
أولاً: عقب تجاهل التحذيرات الجادة التي أطلقتها طهران بشأن تحركات الجماعات الإرهابية الانفصالية عبر الحدود في إقليم كردستان العراق، تعرضت مقرات هذه الجماعات في المناطق الحدودية للضربة الأولى، ثم مع استمرار عرقلة قادة الإقليم للوفاء بالتزامات حسن الجوار بإنهاء وجود هذه التيارات، طالت الصواريخ والمسيرات الإيرانية مناطق أخرى في عمق أوسع من أراضي الإقليم. وفي هذه الهجمات، وبالإضافة إلى تدمير البنية التحتية للإرهابيين، تم استهداف القاعدة العسكرية الأمريكية غير المشروعة في "حرير"، فضلاً عن مقرات أخرى تُستخدم للإضرار بمصالح الجمهورية الإسلامية، مثل مقرات الموساد أو الوحدات العسكرية ومصالح حلفاء الولايات المتحدة مثل الناتو والعرب، حيث ذُكر أن عدة عسكريين فرنسيين وألمان قُتلوا وجُرحوا.
وعقب هذه الإجراءات، أفادت وكالة "تسنيم" الإيرانية نقلاً عن مصدر مطلع عراقي يوم السبت، بأن بدء إخلاء عشرات الجنود من 5 دول أوروبية، من بينهم فرنسا وإيطاليا، قد بدأ عقب استهداف قاعدة "حرير" في أربيل. وأضاف المصدر العراقي: إن عملية الإخلاء جارية بسبب القلق المتزايد من تكرار استهداف قاعدة حرير.
ثانيًا: القوات الأمريكية الإرهابية التي تتواجد في البلاد خلافًا لإرادة الشعب والحكومة العراقيين، والتي ركزت في الأشهر الأخيرة نشاطها في شمال العراق لتجنب ضربات المقاومة العراقية الانتقامية، شنت في الأيام الماضية هجمات على مقرات الحشد الشعبي وبعض فصائل المقاومة؛ وإن كان غير واضح تمامًا ما إذا كان جيش الکيان الصهيوني قد لعب دورًا في هذه الهجمات أم لا.
يوم الخميس الماضي، عقب الهجمات الصهيونية الأمريكية على ثلاثة مقرات للواء 19 في قوات الحشد الشعبي في "القائم" الواقعة غرب العراق، استشهد ما لا يقل عن 22 مجاهدًا عراقيًا وجُرح آخرون. وفي الوقت نفسه، وقعت قبل أيام اشتباكات متقطعة بين قوات المقاومة والجيش الإرهابي الأمريكي، تم خلالها تأكيد إسقاط مقاتلة إف-15 على الأقل، فضلاً عن طائرة تزويد بالوقود أمريكية في سماء العراق.
ووفقًا للتقديرات، يتجه الوضع نحو تصعيد الهجمات ضد القوات الأمريكية، ويبدو أن الجهود التي بذلتها حكومة السوداني لإبقاء العراق بعيدًا عن الصراعات قد باءت بالفشل عقب الأعمال العدوانية لأمريكا. وفي نموذج واحد، أعلنت "سرايا أولياء الدم"، إحدى مجموعات المقاومة العراقية، أمس، أن مجاهديها نفذوا خلال الـ 24 ساعة الماضية ثماني عمليات نوعية ضد المعتدين الأمريكيين، استهدفوا خلالها قواعدهم داخل العراق وخارجه.
فضلاً عن ذلك، وعلى صعيد القيادات العسكرية، أكد الفريق فالح الفياض، رئيس الحشد الشعبي، بصراحة خلال محادثة هاتفية أجراها مؤخرًا مع رئيس الجمهورية عبد الكريم المشهداني، أن مجاهدي الحشد الشعبي سيظلون أوفياء لعهدهم في الدفاع عن العراق وأمنه وسيادته، والمضي قدماً في أداء واجباتهم الوطنية في حماية البلاد. كما دان "الإطار التنسيقي الشيعي"، الائتلاف الحاكم، في اجتماع طارئ عقده خلال هذه الفترة، الهجمات التي استهدفت مقرات الحشد الشعبي والقوات الأمنية العراقية، مؤكدًا رفض استهداف الهيئات الدبلوماسية والمنشآت الحيوية؛ وهو ما يُعد ردًا صريحًا على الضغوط الأمريكية الأخيرة الممارسة على الحكومة لإجبار فصائل المقاومة على التخلي عن استخدام أراضي البلاد كمسرح للمؤامرات والهجمات ضد إيران.
فمنذ اندلاع الحرب، تمارس واشنطن ضغوطًا هائلةً على السوداني لكي تقوم القوات الأمنية والعسكرية للحكومة بمنع أنشطة المقاومة، وهو ما رأينا للأسف بعض تجلياته في بعض الإجراءات التي اتخذوها في هذا السياق. ويرى بعض المحللين أن استهداف مقرات الحشد الشعبي على الحدود مع سوريا جاء مدروسًا، معتبرين أن هذه الهجمات يجب تفسيرها كتحذير من الاختراق المحتمل للجماعات الإرهابية من سوريا إلى العراق، وكمحاولة أمريكية لخلق فراغ أمني على الحدود.
وهذا الفراغ قد يشكّل في الأسابيع المقبلة ذريعةً لتنفيذ سيناريو خطير يتمثل في نقل إرهابيي داعش إلى داخل الأراضي العراقية وزعزعة استقرار وأمن البلاد، ضمن المشروع الكبير المسمى "الشرق الأوسط الکبير"، إذ أعلن المسؤولون الإيرانيون مرارًا أن الهدف النهائي من الاعتداء على إيران هو السعي لتقسيم البلاد. وعلى العموم، يبدو أنه عقب انفجار نيران المقاومة في لبنان، فإن أتون حرب المقاومة العراقية ضد أمريكا يتوهج بسرعة متزايدة. وهذا الأمر، فضلاً عن تأثيراته الحاسمة على مجريات الحرب وإفشال المخطط الأمريكي لمنع توسعها أكثر وإطالة أمدها، سيكون حدثًا مصيريًا لتحديد المصير النهائي للاحتلال الأمريكي الذي دام لأكثر من عقدين في العراق.
وفي هذا السياق، قال فراس الياسر، عضو المجلس السياسي لحركة النجباء: "إن محور المقاومة منهمك حاليًا في تعزيز مواقعه في هذه الحرب. إن استهداف وتدمير القواعد الأمريكية في الدول الخليجية من قبل المقاومة الإسلامية العراقية، يشهد بدقة اختيار الأهداف". وأضاف: "بعد استهداف طائرتين للتزود بالوقود في غرب العراق، إذ سقطت إحداهما وفرت الأخرى، باتت سماء العراق غير آمنة للولايات المتحدة والکيان الصهيوني".
وتابع الياسر قائلاً: "إن حزب الله في لبنان بصدد تصفية الحسابات ومواصلة استهداف مواقع حساسة تؤثر في مسار الحرب. ونحن نتوقع أن يكون للمجاهدين اليمنيين دور قوي ومشاركة فعالة، مما قد يؤدي إلى إغلاق مضيق باب المندب". وختم بالتصريح قائلاً: "إن العدو في حالة اضطراب، ويتكبد خسائر فادحة وجسيمة يقوم بإخفائها. انتظروا المفاجآت الكبرى في العراق".
