الوقت - بعد مرور أكثر من عشرة أيام على اندلاع الحرب وعدوان الجبهة المشتركة الصهيونية-الأمريكية ضد إيران، يبدو أن أهداف الحرب لا تزال غامضةً، وقد أصبحت الحرب في منتصف الطريق محاطةً بعلامات استفهام جادة لدى الكثيرين في الولايات المتحدة وحتى في تل أبيب.
قدّم ترامب، منذ بدء الحرب، مبررات مختلفة تماماً حول أهدافه، بدءاً من محاولة القضاء على القدرات النووية والصاروخية لإيران إلى الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وهي أهداف متناقضة أعلنها ترامب في تصريحاته مراراً، ولكن هل نجحت أمريكا حتى الآن في تحقيق هذه الأهداف؟
لا الجمهورية الإسلامية سقطت، ولا قدرة إيران تلاشت
في اليوم العاشر من الحرب على إيران، أعلن مجلس خبراء القيادة في طهران تعيين آية الله مجتبى خامنئي كثالث قائد للثورة الإسلامية في إيران. إن الإعلان وتقديم القائد الجديد في إيران في اليوم العاشر من الحرب، يدل على أن حلم الإطاحة بالجمهورية الإسلامية عبر اغتيال قائدها السابق، الشهيد الإمام الخامنئي، هو سيناريو منهزم وصل إلى طريق مسدود، حيث تمكنت الجمهورية الإسلامية وسط القصف والحرب من تقديم خيار القيادة التالية. ومع تعيين القائد الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن مشروع الإطاحة بالجمهورية الإسلامية عبر العمليات العسكرية الجوية للولايات المتحدة والکيان الصهيوني قد فشل عملياً.
من ناحية أخرى، أقرت القوات الإسرائيلية والأمريكية بأنها خلال 9 أيام من الحرب ضد إيران، أصابت نحو 4000 هدف في جميع أنحاء إيران، وبالطبع قامت إيران بالرد بكل قوة وهاجمت أهدافاً متعددةً للولايات المتحدة في المنطقة والکيان الصهيوني. وحتى الآن، تم تأكيد مقتل 9 إسرائيليين و8 أمريكيين في هذه الحرب.
رغم الادعاءات بشنّ أكثر من 4000 غارة على إيران، إلا أن العمليات الصاروخية الإيرانية ضد الأهداف الصهيونية لا تزال مستمرةً بقوة، وفي اليوم التاسع من الحرب، تسببت إصابة صاروخ "خرمشهر 4" لمركز في تل أبيب في أضرار وخسائر جسيمة.
وبالتزامن، تكشف ادعاءات وتصريحات بعض وسائل الإعلام الأمريكية، مثل "أكسيوس"، حول احتمال إرسال قوات العمليات الخاصة إلى إيران للسيطرة على المواد النووية المخصبة في المراكز النووية، عن أن الأمريكيين لم يتمكنوا من القصف الجوي من تحقيق أهدافهم في المجال النووي.
وعليه، يمكن القول بصراحة حتى هذه المرحلة، أنه في اليوم العاشر من الحرب ضد إيران، لم يسقط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية فحسب، بل إن القدرات الصاروخية والنووية لإيران لم تُمحَ -على خلاف رغبة تل أبيب وواشنطن-، وإيران ما زالت تردّ على تل أبيب وأهداف أمريكا في المنطقة بصواريخها الباليستية.
استنزاف قدرتي واشنطن وتل أبيب مع استمرار الحرب
كلما طال أمد الحرب ضد إيران، زادت تكاليفها بشكل متصاعد على واشنطن وتل أبيب. ففي التسعة أيام الماضية، بلغ سعر النفط نحو 93 دولاراً للبرميل، وقفز سعر البنزين في أمريكا خلال الفترة ذاتها بأكثر من 50 سنتاً. وإذا استمرت الحرب في المنطقة، لا سيما في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي لطاقة العالم، فإن ارتفاع سعر النفط إلى ما يتجاوز 110 دولاراً في وقت قصير يعدّ أمراً محتملاً تماماً، وهو حدث قد يواجه البنزين في أمريكا بقفزة حادة وصادمة.
يحمل التاريخ السياسي لأمريكا حقيقةً بسيطةً: لا شيء يثير غضب الشعوب ضد حكوماتها مثل غلاء الوقود. ففي عهد الرئيس بايدن عام 2022، كلما ارتفع سعر البنزين، زادت مستويات عدم الرضا عن الحكومة في استطلاعات الرأي. ويرى العديد من المحللين أن أحد الأسباب الرئيسية لهزيمة الديمقراطيين في انتخابات 2024، كان هذا الضغط الاقتصادي الناجم عن غلاء الوقود؛ وهو الضغط الذي أدى في النهاية إلى انتهاء رئاسة بايدن. وبحسب الخبراء، إذا استمرت الحرب مع إيران وتصاعدت أزمة الطاقة، فقد تواجه أمريكا قريباً الكابوس الذي يخشاه السياسيون الأمريكيون: غضب الشعب الأمريكي عند محطات الوقود. ومثل هذه الأزمة يمكن أن تهدد أغلبية الجمهوريين في مجلسي الكونغرس في انتخابات 2026، كما تدمر فرص "جي دي فانس" للفوز في الانتخابات الرئاسية لعام 2028.
كما صرح ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، بأن الجهود الحربية للولايات المتحدة و"إسرائيل" قد أضعفت إيران، إلا أن أي مزايا لاستمرار هذه الحرب تتلاشى بسرعة في حين تتزايد تكلفتها بنفس الوتيرة، وقد حان الوقت لإنهاء هذه الحرب.
من جانب آخر، كتبت "بلومبرغ" في تحليل جديد أن بعض المخضرمين في الاستخبارات الأمريكية ممن شاركوا لسنوات في حرب فيتنام، يحذّرون من أن واشنطن تتجاهل أهم الدروس المستفادة من الحروب السابقة؛ دروس تقول إذا لم تكن تنوي الفوز فلا تدخل الحرب، ولا تستهن بالعدو أبداً. ويعتقدون أن سياسات إدارة ترامب الجديدة في الشرق الأوسط، تذكّرنا بنفس الأخطاء التي قادت أمريكا إلى الطريق المسدود في فيتنام والعراق وأفغانستان.
ويقول المنتقدون إن المشكلة الرئيسية تكمن في أن صانعي القرار الحاليين في الولايات المتحدة، يفتقرون إلى فهم عميق للشرق الأوسط، ويصوغون سياساتهم في الغالب استناداً إلى الروايات الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، تم استبعاد العديد من الخبراء القدامى في المنطقة من هيئات مثل مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية الأمريكية؛ وهو إجراء يرى المحللون أنه قد يجعل قرارات واشنطن أكثر خطورةً.
