الوقت - في حين كان المسؤولون الأمريكيون والصهاينة يعتقدون، عبر عدوانهم على الأراضي الإيرانية، أنهم بوسعهم إرغام طهران على الاستسلام خلال فترة وجيزة، من خلال تصفية القيادة السياسية والعسكرية في الموجة الأولى من الهجمات ثم استهداف البنى التحتية العسكرية والأمنية، إلا أن مسار التطورات بعد ثلاثة أيام من اندلاع الحرب، أثبت أن جميع حسابات صانعي القرار في واشنطن وتل أبيب قد ذهبت أدراج الرياح.
إن طبيعة العمليات الهجومية المركبة للقوات المسلحة الإيرانية التي نفذها الحرس الثوري وجيش الجمهورية الإسلامية، والهجمات الواسعة التي طالت عشرات الأهداف في الأراضي المحتلة والقواعد الأمريكية في الخليج الفارسي، تشير جميعها إلى أن المشهد الميداني يسير وفق تخطيط الجمهورية الإسلامية؛ فليس هناك من أثر للمساومة أو الاستسلام أمام المعتدين، بل إن الموجة الهائلة من العمليات الدقيقة والمستهدفة تؤكد بوضوح أن طهران هي التي تمسك بزمام المبادرة وتفرض كلمتها في الميدان.
تحقيق أهداف إيران في الحرب ضد المعتدين
ورغم أن الولايات المتحدة والکيان الصهيوني قد أوقعا ضربات بإيران خلال الأيام الثلاثة الماضية، عبر غارات جوية واسعة النطاق استهدفت مناطق عسكرية ومدنية، إلا أن القوات المسلحة الإيرانية قد تمكنت منذ الساعات الأولى للعدوان من أن ترد رداً كاسحاً علی المعتدين، وفقاً للوعد المسبق، حيث تعرضت جميع القواعد العسكرية والمراكز السياسية للمعتدي الأمريكي-الصهيوني لضربات صاروخية وهجمات بالمسيرات.
ولقد أصابت المئات من الصواريخ والمسيرات حتى الآن الأراضي المحتلة وقواعد الولايات المتحدة المنتشرة في أرجاء المنطقة كافةً. فالقوات المسلحة الإيرانية تستهدف، بتجاوزها لطبقات الدفاع الجوي المتعددة، كل موقع مختار في الأراضي المحتلة، وكل نقطة في الأراضي العربية اتخذ فيها الأمريكيون مواقع محصنة، لدرجة أن وسائل إعلام مثل "واشنطن بوست" أقرت بأن عدد الصواريخ الإيرانية وأنواعها يبعثان على قلق بالغ. وفي هذا السياق، كتبت صحيفة "نيويورك تايمز" في تحليلها للصور الفضائية الخاصة بالهجمات الإيرانية على المواقع الأمريكية في المنطقة، أن طهران قد أدركت نقاط ضعف واشنطن، وأنها قصفت بالصواريخ العديد من المنشآت السرية وغير الرسمية التابعة لأنظمة الدفاع الصاروخي والتجسس الأمريكية، والتي كانت أقيمت في مناطق تبدو سكنيةً في مختلف المدن.
ومن ناحية أخرى، فإن العدد اللافت للنظر من الصواريخ الباليستية وفوق الصوتية التي أُطلقت في الأيام الثلاثة الأولی من الحرب نحو المواقع الأمريكية والصهيونية، ينمّ عن وجود ترسانة عسكرية ضخمة داخل إيران؛ إذ تشير تقارير المسؤولين الأمنيين إلى أن المخزون من الأسلحة كافٍ تماماً لمواجهة طويلة الأمد. ويأتي هذا في حين أن ذلك يتناقض مع ادعاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي زعم امتلاكه ترسانةً ضخمةً من الأسلحة لمواجهة إيران في المنطقة، في حين أكدت مصادر غربية أن الذخيرة الأمريكية لا تكفي لخوض صراع ممتد.
توسّع نطاق الحرب إقليمياً
لقد واجه العالم في هذه الحرب سلوكاً غير مسبوق وفريداً من نوعه، يختلف جذرياً عن الماضي. فقد ردت إيران على العدوان بردٍ فاق تصورات العدو بكثير، متخذةً من "الدفاع المشروع" مبدأً دولياً ومنطلقاً، وذلك وفقاً لما حذّر منه سابقاً الشهيد الغالي آية الله السيد علي الخامنئي، القائد الشهيد للثورة الإسلامية في إيران؛ حيث هاجمت جميع الدول الإقليمية التي تستضيف قوات أمريكية بوابل من الضربات الصاروخية وهجمات المسيرات.
وخلال ثلاثة أيام، أطلقت إيران عشرات الصواريخ والمسيرات نحو القواعد الأمريكية في المملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات، والبحرين، والكويت، وعُمان، مما ألحق أضراراً جسيمة بالمعدات الأمريكية. وحتى بحسب تصريحات المسؤولين الأمنيين في طهران، فإن عدد القتلى والجرحى من الجنود الأمريكيين قد قارب الـ 600، ورغم أن واشنطن أقرت رسمياً بثلاثة قتلى فقط، إلا أن حصيلة الضحايا في ضوء الاتساع الهائل للهجمات الصاروخية والمسيرات، تتجاوز بكثير ما يدّعيه ترامب.
علاوةً على ذلك، لم تسلم السفارات والناقلات النفطية الأمريكية من ضربات القوات المسلحة الإيرانية، حيث لحقت أضرار جسيمة بالمراكز الدبلوماسية والمصالح الاقتصادية لواشنطن. وفي الوقت الذي تفتقر فيه الدول العربية إلى القدرة على الرد على الهجمات الإيرانية، ومن ناحية أخرى تفتقر إلى الشجاعة لممارسة الضغط على واشنطن لسحب قواتها، فقد وجدت نفسها محاصرةً لا محالة في الفخ الذي نصبته لها أمريكا.
ومن جانب آخر، مع انضمام فصائل المقاومة في لبنان، واليمن، والعراق إلى ساحة المعركة لدعم الجمهورية الإسلامية، يتسع نطاق الاشتباكات يوماً إثر يوم، لتصبح مصالح واشنطن وتل أبيب في أرجاء المنطقة بأكملها عرضةً لتهديدات جدية وخطيرة.
وبالنظر إلى الموجة الجديدة من العمليات الصاروخية والمسيرات الإيرانية التي طالت دولاً أخرى من بينها تركيا وقبرص، فقد امتدت رقعة الحرب لتتجاوز حدود الإقليم، وهو التحذير الذي سبق وأن وجّه إلى المعتدين في البيت الأبيض وتل أبيب. أما على صعيد الأراضي المحتلة، فإن وضع الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والخسائر البشرية لا يقلّ عن خسائر أمريكا، وكما كانت الحال في حرب الـ 12 يوماً، فقد تعرضت مختلف مناطق المستوطنين الصهاينة هذه المرة أيضاً لتكون هدفاً للهجمات الصاروخية والمسيرات.
واقع الخسائر في الأراضي المحتلة ومآلات الحرب
ورغم محاولة قادة الکيان الصهيوني، كعادتهم دائماً، التعتيم الإعلامي وإخفاء حجم الخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بالأراضي المحتلة والتقليل من شأنها، إلا أن اللقطات القليلة التي تسربت والتقارير الإعلامية تنمّ عن دمار واسع النطاق، لا سيما في تل أبيب وحيفا.
فمع اختراق إنذارات الخطر وعجز المنظومات الدفاعية متعددة الطبقات في الأراضي المحتلة، تمكنت العديد من الصواريخ والمسيرات الإيرانية من إصابة أهدافها بدقة متناهية. وقد بلغت هذه القدرة الصاروخية مبلغاً جعل مكتب نتنياهو، الذي كان يعقد جلساته الأمنية في مقر قوة القوات الجوية، هدفاً لصواريخ "خيبر" يوم الاثنين الماضي، وسط حالة من المفاجأة التامة؛ إذ أشارت بيانات العلاقات العامة في الحرس الثوري الإيراني إلى أن مصير نتنياهو غارق في ضباب من الغموض.
وفي ضوء هذه المعطيات، فإن مجريات التطورات الميدانية تشير إلى أن الحرب الخاطفة التي كان يسعى إليها ترامب ونتنياهو، تتجه نحو التحول إلى صراع استنزافي طويل الأمد، وهو ما يفوق قدرات وإمكانيات الجيشين الأمريكي والإسرائيلي. وقد اندلعت بالفعل موجة من الانتقادات داخل الولايات المتحدة حيال هذه المغامرة الخطرة، ويترتب على ترامب أن يقدّم إيضاحات حول الهجوم على إيران في جلسات منفصلة يوم الثلاثاء أمام مجلسي الشيوخ والنواب.
لقد أثبتت إيران في الماضي، وخلال الحرب التي استمرت ثماني سنوات وفي ذروة العقوبات الجائرة الغربية، أنها تمتلك القدرة على الصمود أمام التهديدات الخارجية لفترات طويلة. وبالتالي، إذا استمرت الحرب التي أشعلت واشنطن وتل أبيب نيرانها لفترة طويلة، فإن الغلبة ستكون في النهاية للشعب ونظام الجمهورية الإسلامية؛ فكما رفضوا حتى الآن السماح لسيناريوهات الفوضى والحرب بزعزعة استقرار البلاد، فإنهم سيحبطون في المستقبل أيضاً المؤامرات الخبيثة للأعداء. وفي خضم ذلك، فإن استشهاد قائد الثورة في إيران قد عزّز عزيمة الشعب والمسؤولين على محاسبة المعتدين ورفض المساومة معهم، مما يجعل اعتماد ترامب ونتنياهو الحصري على القوة الجوية، عاجزاً عن تحقيق تطلعاتهم على المدى البعيد.
وبالجملة، فإن سقوط الصواريخ الإيرانية القوية في الأراضي المحتلة والدول العربية، وإيقاف الشريان الحيوي الاقتصادي لهذه الدول عبر إغلاق مضيق هرمز، يدل دلالةً قاطعةً على أن استمرار واشنطن وتل أبيب في تأجيج نار الحرب، سيلحق بالجبهة العبرية-العربية-الغربية خسائر فادحة لا يمكن جبرها، وستجعل الضربات المؤلمة التي تنزلها الجمهورية الإسلامية، من أسطورة عدم القابلية للاختراق التي يتباهى بها جيشا الولايات المتحدة والکيان الصهيوني، مجرد سراب زائل.
