الوقت- في تطور لافت يعكس تحوّلًا مهمًا في الخطاب الإعلامي داخل الكيان الإسرائيلي، نشرت صحيفة هآرتس العبرية مقالًا تحليليًا تناول بشكل مباشر الاتهامات الموجّهة إلى الكيان الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب وجرائم قد ترقى إلى الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة لصدوره من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، وفي صحيفة تُعد من أبرز المنابر النقدية هناك، ما يضفي على هذه الاعترافات بُعدًا سياسيًا وأخلاقيًا يتجاوز حدود الجدل الإعلامي التقليدي.
خلفية الحرب وتداعياتها
اندلعت الحرب الأخيرة في غزة عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، لتدخل المنطقة في واحدة من أعنف جولات التصعيد في تاريخ الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ومنذ ذلك الحين، شهد قطاع غزة حملة عسكرية واسعة النطاق، ترافقت مع قصف مكثف، وعمليات برية، وفرض حصار مشدد على القطاع.
وبحسب المعطيات التي أوردتها هآرتس نقلًا عن تحليلات لبيانات الضحايا، فإن عدد القتلى بلغ 72,063 شخصًا، من بينهم 17,594 طفلًا دون سن السادسة عشرة، بينهم 3,150 رضيعًا وطفلًا دون الثالثة من العمر. وتشير البيانات إلى أن ما لا يقل عن 47% من الضحايا هم من النساء والأطفال وكبار السن الذين لم يشاركوا في القتال، سواء في أحداث السابع من أكتوبر أو بعدها.
وتؤكد الصحيفة أن هذه الأرقام تجعل من هذه الحرب من حيث عدد الضحايا المدنيين الأكثر دموية في القرن الحادي والعشرين، مقارنةً بسائر النزاعات الكبرى التي شهدها العالم خلال العقود الماضية.
بين الاحتلال والإبادة: تحوّل في الخطاب
أشارت هآرتس في مقالها إلى أن مصطلح "الإبادة الجماعية" هو مفهوم قانوني دقيق يتطلب إثبات توافر النية لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية كليًا أو جزئيًا. غير أنها لفتت إلى أن التصريحات العلنية الصادرة عن بعض أعضاء الائتلاف الحكومي في الكيان الإسرائيلي، والتي دعت صراحة إلى تدمير غزة أو التعامل مع سكانها باعتبارهم "أعداء"، تثير تساؤلات جدية حول توافر عنصر النية.
كما تناول المقال البعد الرمزي للمصطلح، معتبرًا أنه حتى لو لم تُستكمل الأركان القانونية كاملة، فإن حجم الدمار والضحايا يبرر استخدامه لوصف ما يجري، خاصة في ظل استهداف واسع للبنية التحتية المدنية.
تدمير شامل للبنية التحتية
بحسب ما ورد في التقرير، فقد دُمّر نحو 78% من المباني والبنية التحتية في قطاع غزة، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي. كما أُشير إلى أن القدرة التخزينية للمياه في القطاع انخفضت بنسبة 84%، وفق تقارير أممية، نتيجة القصف وانقطاع الإمدادات.
وإلى جانب القصف، أُثيرت اتهامات باستخدام التجويع كسلاح حرب، من خلال فرض قيود صارمة على دخول المواد الغذائية والإمدادات الطبية لفترات طويلة، ما أدى إلى تفشي المجاعة وسوء التغذية بين المدنيين، لا سيما الأطفال.
أرقام تتجاوز الرواية الرسمية
في سياق متصل، كانت هآرتس قد نشرت سابقًا تقريرًا يستند إلى دراسة دولية قادها البروفيسور مايكل سباغات، بالتعاون مع الدكتور خليل الشقاقي، خلصت إلى أن عدد الضحايا قد يقترب من 100 ألف شخص، سواء نتيجة مباشرة للهجمات العسكرية أو بسبب الآثار غير المباشرة للحصار، مثل الأمراض ونقص الغذاء والدواء.
كما أشارت الصحيفة إلى أن محاولات التشكيك في أرقام وزارة الصحة في غزة لا تستند إلى أدلة قوية، بل إن بعض الدراسات تشير إلى أن الأرقام الرسمية قد تكون أقل من الواقع، نظرًا لوجود ضحايا تحت الأنقاض أو غير مسجلين رسميًا.
من جهة أخرى، قدّرت أكاديمية جنيف للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان أن عدد القتلى قد يتجاوز 200 ألف شخص، استنادًا إلى تقديرات تفيد بانخفاض عدد سكان غزة بأكثر من 10% منذ اندلاع الحرب. وأكد رئيس الأكاديمية، ستيوارت كيسي ماسلن، أن هذه التقديرات تحتاج إلى تحقق مستقل، لكنها تشير إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة في القرن الحالي.
أهمية الاعترافات من الداخل
تكمن أهمية ما نشرته هآرتس في كونه يمثل اعترافًا من داخل المجتمع الإسرائيلي بوجود أزمة أخلاقية وقانونية عميقة. فالصحيفة أشارت إلى صعوبة مناقشة هذه الوقائع داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يُنظر إلى استخدام مصطلح "إبادة جماعية" باعتباره أمرًا محظورًا سياسيًا وأخلاقيًا.
وأورد المقال تساؤلات مؤلمة حول كيفية تبرير الدعوات العلنية إلى "حرق غزة" أو معاقبة جميع سكانها باعتبارهم مذنبين، معتبرًا أن مثل هذه الدعوات تعكس انهيارًا أخلاقيًا خطيرًا. هذا الاعتراف الداخلي يُضعف الرواية الرسمية التي تحصر العمليات العسكرية في إطار "الدفاع عن النفس"، ويفتح الباب أمام مراجعة أعمق للسياسات المتبعة.
مقارنة بحروب القرن الحادي والعشرين
عند مقارنة الأرقام المتداولة بشأن ضحايا غزة مع ضحايا نزاعات أخرى في القرن الحادي والعشرين، يتضح حجم الكارثة الإنسانية. فالحرب في غزة، من حيث الكثافة السكانية للمنطقة المستهدفة وحجم الدمار خلال فترة زمنية قصيرة، تتجاوز في نسب الضحايا المدنيين كثيرًا من النزاعات الممتدة زمنيًا.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن نسبة الضحايا المدنيين مقارنة بالمقاتلين في هذه الحرب مرتفعة للغاية، وهو ما يعزز الاتهامات بارتكاب جرائم حرب، خاصة إذا ثبت استهداف مناطق مدنية أو استخدام القوة بشكل غير متناسب.
الأبعاد القانونية والسياسية
قانونيًا، يُعد توصيف ما يجري مسألة معقدة تتطلب تحقيقات مستقلة من جهات دولية مختصة، مثل المحكمة الجنائية الدولية. فإثبات جريمة الإبادة الجماعية يستلزم توافر عنصر النية الخاصة، إلى جانب الأفعال المادية.
أما سياسيًا، فإن استمرار الحرب بهذا الشكل يضع الكيان الإسرائيلي في مواجهة انتقادات متزايدة من منظمات حقوق الإنسان، وبعض الحكومات الغربية، إضافة إلى موجة احتجاجات شعبية عالمية غير مسبوقة.
أزمة أخلاقية داخلية
أحد أبرز ما ميّز مقال هآرتس هو اعترافه بوجود أزمة أخلاقية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. فالصحيفة أشارت إلى أن كثيرين يفضّلون تجاهل الأرقام أو التشكيك فيها، بدلًا من مواجهة تداعياتها الأخلاقية.
هذا الانقسام الداخلي قد يكون له تأثير طويل المدى على المشهد السياسي الإسرائيلي، خاصة مع تزايد الأصوات المطالبة بمراجعة السياسات العسكرية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المحتملة.
سواء اعتُمد توصيف "الإبادة الجماعية" قانونيًا أم لا، فإن حجم الضحايا المدنيين والدمار في غزة يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العمليات العسكرية التي ينفذها الكيان الإسرائيلي، ومدى التزامها بالقانون الدولي الإنساني.
إن الاعترافات الصادرة من داخل إسرائيل، كما وردت في صحيفة هآرتس، تمثل تطورًا مهمًا في مسار النقاش العام، إذ تعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة ما يجري، وتفتح الباب أمام مساءلة حقيقية. وفي حال تأكدت التقديرات التي تشير إلى سقوط عشرات الآلاف – أو حتى مئات الآلاف – من الضحايا، فإن ذلك سيضع هذه الحرب في صدارة أكثر النزاعات دموية في القرن الحادي والعشرين، ليس فقط من حيث الأرقام، بل من حيث أثرها الأخلاقي والسياسي على النظام الدولي برمّته.
ويبقى السؤال الأهم: هل تقود هذه الاعترافات إلى مراجعة حقيقية للسياسات، أم ستظل مجرد أصوات نقدية معزولة في خضم حرب مستمرة تدفع ثمنها الأجيال القادمة؟
