الوقت- في خطوة غير مسبوقة داخل عمق المشهد السياسي في الولايات المتحدة، أعلن ائتلاف يضم 12 منظمة فلسطينية–أمريكية رائدة إطلاق حملة وطنية لدعم 63 مرشحًا لعضوية الكونغرس الأمريكي ممن أعلنوا مناصرتهم الصريحة للحقوق الفلسطينية ورفضهم تلقي أي تمويل من جماعات الضغط المؤيدة للكيان الإسرائيلي. المبادرة، التي تحمل عنوان “الاستثمار في القوة الأخلاقية للجالية”، وُصفت بأنها سابقة تاريخية لأنها تمثل للمرة الأولى تحركًا فلسطينيًا–أمريكيًا منظمًا بهذا الحجم نحو التأثير المباشر في الانتخابات التشريعية.
الائتلاف أوضح أن هذه الخطوة ليست رد فعل عابرًا، بل محاولة لتأسيس حضور سياسي دائم للجالية داخل العملية الديمقراطية الأمريكية، وترجمة الخطاب الحقوقي إلى نفوذ انتخابي ملموس. ويرى القائمون على الحملة أن اللحظة السياسية الحالية، في ظل تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن الحرب في غزة وطبيعة الدعم الأمريكي للكيان الإسرائيلي، تفرض الانتقال من دائرة الاحتجاج إلى دائرة الفعل الانتخابي المنظم.
معايير واضحة لدعم المرشحين
الحملة حددت إطارًا سياسيًا واضحًا لاختيار المرشحين الذين ستحظى حملاتهم بالدعم. فهي تشترط أن يرفض المرشحون التمويل من جماعات الضغط المؤيدة للكيان الإسرائيلي، وأن يعلنوا معارضتهم لما تصفه بالإبادة الجارية في غزة. هذا التحديد يعكس رغبة في الانتقال من المواقف الرمزية إلى التزامات سياسية قابلة للقياس والمحاسبة.
وأكدت رانيا القواسمة، المتحدثة باسم الائتلاف، أن الهدف هو بناء استراتيجية موحدة تتجاوز الجهود الفردية، وتجمع المنظمات الفلسطينية–الأمريكية تحت رؤية مشتركة، قوامها دعم مرشحين يضعون العدالة وحقوق الإنسان فوق اعتبارات التمويل السياسي. وأضافت أن الحملة تسعى إلى إحداث تحول ملموس في طبيعة التمثيل داخل الكونغرس، بحيث يصبح الدفاع عن الحقوق الفلسطينية جزءًا مشروعًا من الخطاب السياسي الأمريكي، لا عبئًا انتخابيًا يخشاه المرشحون.
مواجهة نفوذ “أيباك”
في صلب هذه المعادلة يبرز اسم AIPAC، التي تُعد من أبرز جماعات الضغط في واشنطن، وتلعب دورًا مؤثرًا في دعم المرشحين المؤيدين للكيان الإسرائيلي وتعزيز التحالف بينه وبين الولايات المتحدة.
يرى منظمو الحملة أن اشتراط رفض تمويل “أيباك” يمثل خطوة عملية لكسر المعادلة التقليدية التي تربط بين الدعم السياسي للكيان الإسرائيلي والتمويل الانتخابي. فبالنسبة لهم، لا يكفي إعلان مواقف متوازنة، بل يجب أن تنعكس تلك المواقف في طبيعة مصادر التمويل والعلاقات السياسية. ويعتقدون أن وجود مرشحين يعلنون صراحة رفضهم لهذا التمويل قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في طبيعة النفوذ الذي تمارسه جماعات الضغط داخل النظام السياسي الأمريكي.
ربط النضال الداخلي بالحقوق الفلسطينية
أيمن بلشة، أحد مؤسسي الائتلاف، شدد على أن الحملة تنطلق من قناعة بأن العدالة في فلسطين متشابكة مع العدالة داخل الولايات المتحدة. فالنضال ضد التمييز والعنصرية والظلم الاجتماعي في الداخل، بحسب رؤيته، لا ينفصل عن دعم الحقوق الفلسطينية في الخارج. وقال إن الجالية الفلسطينية–الأمريكية ترى نفسها جزءًا من نسيج المجتمع الأمريكي، وبالتالي فإن سعيها للتأثير السياسي يأتي في إطار الدفاع عن قيم مشتركة، لا في إطار صراع هويات.
هذا الخطاب يسعى إلى إدماج القضية الفلسطينية ضمن الإطار الأوسع للنقاشات الأمريكية حول العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، بدل حصرها في بعدها الجيوسياسي فقط. ومن خلال هذا الربط، يحاول الائتلاف بناء تحالفات أوسع مع تيارات تقدمية وأقليات تشترك في خطاب العدالة والمساواة، معتبرًا أن التحالفات العابرة للهويات هي الطريق الأنجع لتحقيق تأثير انتخابي فعلي.
آلية فحص منظمة وتنسيق وطني
الائتلاف أوضح أنه جمع مواد تعريفية عن المرشحين المحتملين، وطور قائمة أولية مصممة لتعظيم التأثير الانتخابي في دوائر محددة يُعتقد أن الصوت الفلسطيني–الأمريكي وحلفاءه يمكن أن يكونوا مؤثرين فيها. كما ستعتمد عملية التقييم على أبحاث منظمات تتابع التمويل السياسي ومواقف المرشحين، من بينها TrackAIPAC، لضمان قدر من الشفافية والاتساق مع المبادئ المعلنة.
ومن المقرر عقد اجتماع افتراضي خلال الأيام المقبلة يضم ممثلين عن منظمات فلسطينية وحليفة، بهدف توسيع قاعدة التأييد وتنسيق الجهود الميدانية والإعلامية. ويؤكد القائمون على المبادرة أن هذه الخطوة تمثل انطلاقة لتوحيد العمل الفلسطيني على الساحة الأمريكية، عبر بناء شبكة تواصل دائمة تتجاوز حدود موسم انتخابي واحد.
تحديات وفرص في مشهد سياسي منقسم
لا يخفي منظمو الحملة إدراكهم لحجم التحديات التي قد تواجههم، سواء من حيث الحملات المضادة أو طبيعة الاستقطاب الحاد داخل السياسة الأمريكية. فالانخراط العلني في ملف حساس مثل العلاقة مع الكيان الإسرائيلي قد يعرّض المرشحين المدعومين لضغوط سياسية وإعلامية مكثفة. ومع ذلك، يرى القائمون على المبادرة أن التحولات التي يشهدها الرأي العام، خاصة بين الأجيال الشابة والتيارات التقدمية، تفتح نافذة حقيقية لإعادة طرح القضية الفلسطينية في قلب النقاش السياسي الأمريكي.
وفي هذا السياق، يؤكد هايل منصور، مسؤول الاتصال السياسي في التحالف، أن “القوة الأخلاقية” لصوت الجالية الفلسطينية يمكن أن تتحول إلى قوة انتخابية حقيقية إذا ما تم تنظيمها وتوجيهها بشكل فعّال. ويعتقد أن توحيد أصوات الجاليات العربية والإسلامية، إلى جانب الأقليات والتيارات التقدمية، قد يخلق كتلة ضغط قادرة على التأثير في نتائج بعض الدوائر الحاسمة.
مرحلة جديدة في الحضور الفلسطيني–الأمريكي
تأتي هذه الحملة في سياق سياسي تشهد فيه الولايات المتحدة نقاشًا متصاعدًا حول الدعم العسكري والسياسي للكيان الإسرائيلي، في ظل ما يجري في غزة من تطورات دامية أثارت احتجاجات واسعة داخل الجامعات والمدن الأمريكية. المبادرة الفلسطينية–الأمريكية تسعى إلى تحويل هذا الجدل إلى تأثير انتخابي مباشر، عبر دعم مرشحين يترجمون هذا المزاج العام إلى مواقف تشريعية واضحة داخل الكونغرس.
وسواء نجحت الحملة في إيصال عدد كبير من المرشحين المدعومين إلى الكونغرس أم لا، فإنها تمثل تحولًا في طبيعة العمل السياسي للجالية الفلسطينية–الأمريكية. فهي انتقال من الاحتجاج والبيانات إلى الاستثمار الانتخابي المنظم، ومن الحضور الرمزي إلى محاولة إعادة رسم موازين التأثير داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.
بهذا المعنى، فإن “الاستثمار في القوة الأخلاقية للجالية” ليس مجرد شعار، بل مشروع سياسي يسعى إلى ترجمة الموقف الأخلاقي إلى أرقام في صناديق الاقتراع، وإلى تثبيت معادلة جديدة مفادها أن المواقف من فلسطين باتت جزءًا من الحسابات الانتخابية داخل الولايات المتحدة، وأن الصوت الفلسطيني–الأمريكي لم يعد هامشيًا، بل يسعى ليكون شريكًا فاعلًا في صناعة القرار.
