الوقت- في تطور دبلوماسي لافت داخل أروقة الأمم المتحدة، أدان السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، قرار مجلس الوزراء في الكيان الإسرائيلي المتعلق بتسهيل إجراءات ضم أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة، وذلك خلال بيان ألقاه أمام مجلس الأمن الدولي نيابة عن 80 دولة وعدد من المنظمات الدولية والإقليمية.
ويأتي هذا التحرك في سياق تصاعد القلق الدولي إزاء الخطوات الإسرائيلية الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسط تحذيرات متكررة من أن سياسات الضم وتوسيع الاستيطان من شأنها تقويض فرص التوصل إلى حل سياسي دائم للصراع.
بيان باسم 80 دولة: إدانة واضحة للإجراءات الأحادية
في كلمته، شدد منصور على أن الدول الموقعة تدين “بكل قوة” القرارات والإجراءات الإسرائيلية الأحادية التي تهدف إلى توسيع الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية، مؤكدًا أن مثل هذه القرارات تتعارض مع التزامات "إسرائيل" بموجب القانون الدولي ويجب إلغاؤها فورًا.
وأكد البيان رفض أي نوع من أنواع الضم، والتصدي لكل الإجراءات التي تهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية والوضع القانوني والشخصية الفلسطينية في الأرض التي احتُلت عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، واعتبر أن هذه السياسات لا تنتهك القانون الدولي فحسب، بل تقوض كذلك الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
وجاء البيان في مشهد عكس دعمًا دبلوماسيًا واسعًا للموقف الفلسطيني، حيث أحاط بعدد من السفراء والدبلوماسيين، في رسالة سياسية تؤكد أن قضية الضم لا تُعد شأنًا ثنائيًا، بل قضية ذات أبعاد دولية تمس منظومة القانون الدولي برمتها.
خلفية القرار الإسرائيلي وأبعاده
القرار الإسرائيلي الأخير يُنظر إليه باعتباره خطوة إضافية ضمن سلسلة من الإجراءات التي تسعى، حسب الفلسطينيين، إلى تكريس واقع السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، ولا سيما المناطق المصنفة “ج” وفق اتفاقيات أوسلو.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن تسهيل إجراءات تسجيل الأراضي وإعادة تصنيفها قد يفتح الباب أمام بسط سيطرة قانونية وإدارية أوسع، بما يُمهّد لضم فعلي، حتى وإن لم يُعلن رسميًا بصيغة قانونية واضحة.
وتعتبر الأمم المتحدة ومعظم دول العالم أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أرض محتلة منذ عام 1967، وأن أي تغيير أحادي في وضعها القانوني يُعد مخالفًا للقانون الدولي، وخاصة مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
الاستناد إلى محكمة العدل الدولية
أشار منصور في بيانه إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بتاريخ 19 تموز/يوليو 2024، والذي تناول الوضع القانوني للاحتلال الإسرائيلي وسياساته في الأرض الفلسطينية المحتلة، ويُعد هذا الرأي محطة قانونية مهمة أعادت التأكيد على عدم شرعية الاستيطان وضرورة احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
ويعكس الاستناد إلى هذا الرأي توجهًا فلسطينيًا واضحًا نحو توظيف الأدوات القانونية الدولية في مواجهة سياسات الكيان الإسرائيلي، عبر تثبيت مرجعيات قضائية يمكن البناء عليها في التحركات السياسية والدبلوماسية المقبلة.
ويرى خبراء قانونيون أن أي ضم رسمي أو فعلي لأراضٍ محتلة يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وقد يعرّض الدولة القائمة به إلى تبعات قانونية وسياسية على المستوى الدولي، حتى وإن تعثرت مسارات المحاسبة العملية.
تسجيل الأراضي والمصادرات: جوهر الصراع
على هامش الإحاطة، طُرح سؤال على السفير منصور حول ما إذا كانت مسألة تسجيل الأراضي والمصادرات الأخيرة ستُدرج على جدول أعمال الجلسة المقبلة لمجلس الأمن.
ورغم تحفظه على كشف تفاصيل التحركات الدبلوماسية المرتقبة، أكد منصور أن هذا الملف يحظى بمتابعة حثيثة، وأن مزيدًا من التفاصيل سيُكشف عنه مع تطور المداولات داخل المجلس.
ويُنظر إلى مسألة تسجيل الأراضي باعتبارها من أكثر القضايا حساسية في النزاع، إذ إن تثبيت ملكية الأرض أو إعادة تصنيفها قد يؤدي إلى ترسيخ وقائع قانونية تجعل من الصعب التراجع عنها في أي تسوية مستقبلية. ولذلك، تؤكد القيادة الفلسطينية أن ملكية الأرض وتسجيلها تمثلان أساس الصراع ومحوره الرئيسي، وأن أي تغيير في هذا الإطار يمس جوهر إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
حل الدولتين والمرجعيات الدولية
في بيانه، شدد منصور على أن السلام العادل يجب أن يستند إلى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وإلى مرجعيات عملية السلام، بما فيها معادلة “الأرض مقابل السلام” ومبادرة السلام العربية، إضافة إلى ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967.
وأكد أن تنفيذ حل الدولتين، عبر إقامة دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة إلى جانب "إسرائيل"، يظل الإطار المعترف به دوليًا لتسوية الصراع، غير أن تسارع وتيرة الاستيطان والحديث عن تسهيل الضم يثيران تساؤلات جدية حول مدى قابلية هذا الحل للتطبيق على أرض الواقع.
ويرى مراقبون أن استمرار توسيع المستوطنات وتغيير معالم الأرض قد يؤدي إلى تقويض الأساس الجغرافي اللازم لإقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، ما يجعل أي حل سياسي مستقبلي أكثر تعقيدًا.
التحديات داخل مجلس الأمن
ورغم اتساع قاعدة الدول المنددة بالقرار الإسرائيلي، يبقى مجلس الأمن ساحة سياسية معقدة، حيث تؤثر موازين القوى بين أعضائه الدائمين في قدرة المجلس على إصدار قرارات ملزمة.
وتاريخيًا، واجهت مشاريع قرارات تتعلق بالقضية الفلسطينية عقبات كبيرة بسبب الانقسامات الدولية، ومع ذلك، فإن التحرك باسم 80 دولة يمنح الموقف الفلسطيني زخمًا سياسيًا ويعزز من عزلة أي خطوات أحادية لا تحظى بشرعية دولية.
ويرى دبلوماسيون أن تكرار طرح الملف داخل المجلس، مقرونًا بمرجعيات قانونية واضحة، يهدف إلى إبقاء القضية في صدارة الاهتمام الدولي، ومنع تكريس واقع جديد باعتباره أمرًا طبيعيًا أو غير قابل للنقاش.
أبعاد إقليمية واحتمالات التصعيد
تأتي هذه التطورات في ظل أجواء إقليمية متوترة، حيث تُحذر أطراف عديدة من أن أي خطوات نحو الضم قد تؤدي إلى تصعيد ميداني، وتفاقم حالة الاحتقان في الأراضي الفلسطينية، وربما تمتد تداعياتها إلى الإقليم الأوسع.
وترى دول عديدة أن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي يتطلب تجنب الإجراءات الأحادية، والعودة إلى طاولة المفاوضات وفق مرجعيات واضحة ومعترف بها دوليًا.
في المقابل، يصر الكيان الإسرائيلي على أن بعض الإجراءات تندرج ضمن أطر تنظيمية أو قانونية داخلية، غير أن الفلسطينيين يعتبرونها جزءًا من سياسة منهجية لإحكام السيطرة على الأرض ومنع أي انسحاب مستقبلي.
اختبار جديد للنظام الدولي
يمثل القرار الإسرائيلي الأخير اختبارًا جديدًا لمدى التزام المجتمع الدولي بمبادئ القانون الدولي، وخاصة في ما يتعلق برفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة واحترام حق الشعوب في تقرير المصير.
إدانة 80 دولة، كما عبّر عنها رياض منصور في مجلس الأمن، تعكس تمسكًا دوليًا بالإطار القانوني والسياسي لحل الصراع، لكنها في الوقت ذاته تكشف الفجوة القائمة بين المواقف المعلنة والقدرة على فرضها عمليًا.
ومع استمرار التحركات الدبلوماسية المرتقبة داخل مجلس الأمن وخارجه، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة: إما تعزيز المسار القانوني والسياسي نحو تسوية شاملة، أو انزلاق الوضع نحو مزيد من التعقيد في ظل تكريس وقائع ميدانية جديدة.
وفي جميع الأحوال، تؤكد التطورات الأخيرة أن ملف الضفة الغربية وتسجيل أراضيها سيظل في قلب الصراع، وأن أي حل مستقبلي لا يمكن أن يتحقق دون معالجة جذرية لمسألة الأرض والسيادة وفق قرارات الشرعية الدولية.
