الوقت- في مشهد يجسد قمة الوحشية والتجريد من الإنسانية، تواصل القوات الإسرائيلية عمليات نبش المقابر في قطاع غزة، ما يثير صدمة وغضبًا عالميين.
لم تعد الحرب الإسرائيلية على غزة محصورة في استهداف الأحياء، بل امتدت لتطال الأموات، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني والأعراف الإنسانية والأخلاقية. صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو التي نشرتها وسائل الإعلام، والتي وثقها ناشطون محليون، تُظهر حجم الدمار الذي لحق بالمقابر، والعبث بالرفات، واستخراج الجثث، في مشهد مروّع يعكس عمق الأزمة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
عمليات نبش ممنهجة ومكثفة
تشير التقارير الواردة من غزة إلى أن عمليات نبش المقابر ليست مجرد حوادث عشوائية، بل هي جزء من حملة منظمة وممنهجة تنفذها القوات الإسرائيلية. بدأت هذه العمليات في أعقاب العدوان الإسرائيلي على القطاع في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتصاعدت حدتها في الأسابيع الأخيرة. تركز عمليات النبش بشكل خاص في مناطق حي الشجاعية شرق مدينة غزة، حيث يبحث الكيان الإسرائيلي عن جثة الأسير الإسرائيلي ران غويلي، وفق ما أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية.
لكن البحث عن غويلي ليس التفسير الوحيد لهذه العمليات. تشير التوثيقات الحقوقية إلى أن الكيان الإسرائيلي يقوم بنبش مقابر أخرى في مناطق متفرقة من القطاع، بما في ذلك مقبرة البطش في حي التفاح، ومقابر في بيت حانون وجباليا وحي الشيخ رضوان. ويستخدم الكيان في هذه العمليات معدات هندسية ثقيلة وفرق مشاة، مما يؤدي إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية للمقابر وتدنيس الجثث.
توثيقات حقوقية تكشف عن حجم الكارثة
وثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية، وعلى رأسها مركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، حجم الدمار الذي لحق بالمقابر في غزة. وتشير التوثيقات إلى أن أكثر من 40 مقبرة من أصل حوالي 60 مقبرة في القطاع تعرضت للتدمير أو التخريب.
تتضمن هذه الانتهاكات:
تدمير القبور: هدم القبور وتجريف الأرض التي تحتوي على الرفات.
استخراج الجثث: نبش القبور واستخراج الجثث، سواء كانت كاملة أو أجزاء منها.
العبث بالرفات: تفتيش الجثث وتدنيسها.
سرقة الجثث: اختفاء عدد كبير من الجثث من المقابر، مما يثير اتهامات بالسرقة والتهريب.
اتهامات بالسرقة والتهريب والتجارب الطبية غير الأخلاقية
تتصاعد الاتهامات ضد الكيان الإسرائيلي بسرقة جثث الفلسطينيين من المقابر ونقلها إلى داخل الأراضي المحتلة. أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن القوات الإسرائيلية سرقت حوالي 150 جثمانًا من مقبرة التفاح أثناء نبشها لأكثر من ألف قبر. وأشار المكتب إلى أن هذه الجثث قد تكون جزءًا من تجارة غير قانونية في الأعضاء أو تجارب طبية غير أخلاقية.
لم يتم حتى الآن تقديم أدلة قاطعة تثبت صحة هذه الاتهامات، لكنها تثير قلقًا بالغًا وتؤجج الغضب الشعبي الفلسطيني. كما أن الصمت الإسرائيلي على هذه الاتهامات يزيد من الشكوك ويعزز الاعتقاد بوجود مخطط خفي وراء عمليات النبش.
انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني
تعتبر المقابر من المواقع المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني، حتى أثناء النزاعات المسلحة. تنص اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية على وجوب احترام المقابر وصيانة شواهد الدفن وعدم العبث بالرفات أو نقلهم إلا لأسباب إنسانية أو قانونية واضحة.
عمليات النبش والتدمير التي تقوم بها القوات الإسرائيلية في غزة تمثل انتهاكًا صارخًا لهذه المعايير، وتعتبر جريمة حرب بموجب القانون الدولي. فالدولة المحتلة ملزمة بحماية المدنيين والممتلكات المدنية، بما في ذلك المقابر والمواقع الدينية.
تداعيات كارثية على المجتمع الفلسطيني
لا تقتصر تداعيات نبش المقابر على الجانب الإنساني والقانوني، بل تمتد لتشمل الجانب الاجتماعي والثقافي والنفسي. فقدان مكان الدفن التقليدي يمثل صدمة كبيرة للعائلات الفلسطينية، ويحرمها من فرصة تأبين أحبائها وتوديعهم بشكل لائق.
كما أن العبث بالرفات وتدنيس الجثث يمثل اعتداءً على الكرامة الإنسانية، ويؤدي إلى تفكك الهوية الاجتماعية وزعزعة الاستقرار النفسي للمجتمع الفلسطيني. بالإضافة إلى ذلك، فإن عمليات النبش تزيد من حدة التوتر والصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتقوض جهود السلام والمصالحة.
المجتمع الدولي مدعو للتحرك العاجل
في ظل استمرار عمليات النبش والتدمير، يطالب المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها. يجب على:
مجلس الأمن الدولي: إصدار قرار ملزم يطالب الكيان الإسرائيلي بوقف عمليات النبش والتدمير، والسماح بإجراء تحقيق مستقل في هذه الانتهاكات.
المحكمة الجنائية الدولية: فتح تحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبت في غزة، بما في ذلك عمليات نبش المقابر.
المنظمات الحقوقية الدولية: تكثيف جهودها لتوثيق الانتهاكات وتقديمها إلى المحاكم الدولية.
الدول الأعضاء في الأمم المتحدة: ممارسة الضغط على الكيان الإسرائيلي لوقف هذه الانتهاكات واحترام القانون الدولي.
إن عمليات نبش المقابر في غزة تمثل مستوى غير مسبوق من الوحشية والتجريد من الإنسانية. هذا الانتهاك الصارخ للقانون الدولي الإنساني والأعراف الإنسانية يستدعي رد فعل قوي وحازم من المجتمع الدولي. يجب على الكيان الإسرائيلي أن يتحمل مسؤولية هذه الانتهاكات وأن يدفع ثمنها، ويجب على المجتمع الدولي أن يتخذ الإجراءات اللازمة لضمان حماية المدنيين والممتلكات المدنية في غزة، وضمان تحقيق العدالة للضحايا. هذه ليست مجرد قضية قانونية أو سياسية، بل هي قضية إنسانية تتعلق بكرامة الموتى وحقوق الأحياء. إن الصمت على هذه الانتهاكات يعني التواطؤ مع الجريمة.
