الوقت- من المقرر عقد الاجتماع الأول لـ"مجلس السلام" في غزة يوم الخميس في واشنطن، ومن المتوقع حضور عدد من الدول التي سبق أن أبدت استعدادها للانضمام إليه، وقد وقّع ممثلو 19 دولة على ميثاق المجلس، الذي يرأسه دونالد ترامب شخصياً، في 22 يناير/كانون الثاني على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وأعلن ترامب أن أعضاء المجلس سيرسلون آلاف الجنود لتحقيق الاستقرار في المنطقة وتعزيز قوات الشرطة، وهي خطوة قال إنها كفيلة بإرساء السلام والأمن في غزة.
ومع ذلك، ورغم الدعاية المكثفة التي أطلقها ترامب للترويج لهذه المبادرة الدبلوماسية، يشكك المحللون في فعالية مجلس السلام، تُثير الشكوك الجدية بشأن الموارد المالية، وآلية التنفيذ، واستقلالية عملية صنع القرار لدى أعضائها، وكيفية التعامل مع الجهات الفاعلة المحلية، غموضًا وعدم يقين بشأن آفاق السلام الحقيقية في المنطقة، ويرى النقاد أن الضجة الإعلامية والتركيز على التواجد الواسع النطاق للدول لا يُمكن أن يحل محل الضمانات العملية والاستراتيجية للاستقرار، ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سيتمكن المجلس من إدارة أزمة غزة وتحقيق سلام دائم.
غياب ملحوظ للدول الأوروبية
من بين الأسباب التي جعلت مستقبل مجلس السلام غامضًا هو محدودية العضوية، حيث لم تشارك فيه دول عديدة، ولا سيما الدول الأوروبية، ويعود هذا العزوف في معظمه إلى اعتبارات قانونية وسياسية واستراتيجية، كما أن أوروبا متشككة في شرعية المجلس وفعاليته وعواقبه المحتملة.
ويعتقد بعض الدبلوماسيين الأوروبيين أن أي آلية تُشكل دون توافق الأطراف الفلسطينية الرئيسية ستكون فرص نجاحها ضئيلة، ويرون أن تجاهل جهات فاعلة مثل حماس أو تجاهل السلطة الفلسطينية قد يُعرّض المجلس لأزمة شرعية منذ البداية.
على الصعيد الرسمي، أكد مسؤولون كبار في الاتحاد الأوروبي على ضرورة أن تتم أي مبادرة سلام ضمن إطار القانون الدولي، وأن ترتكز على حل الدولتين الذي يدعمه الاتحاد الأوروبي منذ سنوات، وفي بروكسل، يتمثل القلق الرئيسي في أن يصبح المجلس المقترح أداةً لتحقيق أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، بدلاً من أن يكون منصة محايدة للوساطة، ولا سيما في ظل تباين مواقف ترامب بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مع المقاربات الأوروبية التقليدية.
علاوة على ذلك، تخشى بعض الحكومات الأوروبية من أن يُنظر إلى المشاركة في مثل هذا المجلس، دون ضمانات لوقف إطلاق نار مستدام ووصول المساعدات الإنسانية على نطاق واسع، على أنها قبول للوضع الراهن في غزة. ويرون أن أي آلية سلام يجب أن تخضع لمراقبة مؤسسات متعددة الأطراف، كالأمم المتحدة، لضمان حيادها وشفافيتها.
في حين أن الآلية التي صممها مجلس السلام تسعى إلى تجاوز الهياكل الرسمية للأمم المتحدة، ونظراً لأن أعضاءه المؤسسين هم في الغالب شخصيات غربية متحالفة مع سياسات تل أبيب، فقد نشأت غموضات وتحديات خطيرة بشأن قدرة المجلس على تحقيق سلام واستقرار دائمين في غزة.
لذا، يُمكن اعتبار رفض أوروبا المشاركة المباشرة محاولةً للحفاظ على استقلالها الدبلوماسي وتجنب الانخراط في مبادرة لا تحظى بعدُ بتوافق إقليمي ودولي. فبدلاً من الانضمام إلى آلية مثيرة للجدل، فضّل الأوروبيون التركيز على مسارات متعددة الأطراف وأكثر توافقاً، وهو مسار يرون أنه أكثر ترجيحاً لتحقيق سلام دائم.
تجدر الإشارة إلى أن بعض الدول الأوروبية اعترفت رسمياً بفلسطين في سبتمبر الماضي، وهي خطوة أثارت رد فعل حاداً من دونالد ترامب، من هذا المنظور، فإن مجلس السلام في غزة، بقيادة ترامب، والذي ينظر إليه الأوروبيون على أنه أقرب إلى ترسيخ الوضع الراهن في غزة لمصلحة "إسرائيل" منه إلى محاولة جادة لحل النزاع المستمر منذ عقود في الأراضي المحتلة، يفتقر إلى أي مؤشر على إرادة حقيقية لإنهاء الصراع الممتد لثمانين عاماً.
من جهة أخرى، فإن بعض الدول التي أبدت استعدادها للانضمام إلى مجلس السلام لا تتفق مع جميع بنوده، في غضون ذلك، أكد مسؤولون إندونيسيون أن القوات التي سيرسلونها إلى غزة ضمن قوة الاستقرار الدولية ستبقى تحت قيادة جاكرتا، ولن تشارك في أي عمليات قتالية، وستسحب قواتها إذا انحرفت المهمة عن مسارها المحدد.
ومن بين المهام الموكلة إلى القوات الأجنبية في مجلس السلام نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية. إلا أن الدول الإسلامية المشاركة في هذه الخطة لا ترغب في مواجهة الفلسطينيين مباشرة، وبالتالي، فإن الاستخدام الانتقائي للقوات الأجنبية لا يحقق أهداف دونالد ترامب وإسرائيل بشكل كامل.
الصفقة الخادعة التي تبلغ قيمتها 5 مليارات دولار
بما أن إحدى المهام الرئيسية لمجلس السلام هي إعادة إعمار قطاع غزة، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب تخصيص مبالغ طائلة، وفي هذا الصدد، كتب ترامب على حسابه في شبكة "الحقيقة الاجتماعية": "في اجتماع واشنطن، سنعلن أن الدول الأعضاء قد التزمت بتخصيص أكثر من 5 مليارات دولار للمساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة، وإرسال آلاف الأشخاص إلى قوة حفظ السلام الدولية والشرطة المحلية للحفاظ على أمن وسلامة سكان غزة"، وادعى ترامب: "سيثبت مجلس السلام أنه أهم مؤسسة دولية في التاريخ، وأنا فخور برئاسته".
يواجه ادعاء ترامب بتخصيص 5 مليارات دولار لإعادة إعمار غزة غموضًا كبيرًا، أولًا، ليس من الواضح أي الدول ستتحمل هذه التكلفة، وما هي حصة كل دولة. ورغم أن بعض المصادر غير الرسمية زعمت أن شيوخ الخليج سيقبلون هذا المبلغ، إلا أن أسماء الحكومات الملتزمة بدفع هذا المبلغ لم تُذكر في البيانات والتصريحات الرسمية، مما دفع العديد من المحللين إلى التشكيك في جدوى هذا الوعد، في السياق الدبلوماسي، يُعدّ الالتزام المالي دون آلية شفافة وضمانات للتنفيذ أقرب إلى موقف سياسي منه إلى خطة دقيقة.
إضافةً إلى ذلك، يتطلب بدء إعادة إعمار غزة وقفًا تامًا للأعمال العدائية وتوفير ظروف آمنة للبناء، إلا أن النظام المحتل يواصل هجماته، وقد هدد قادة تل أبيب مؤخرًا باستئناف العمليات العسكرية إذا لم تُنزع سلاح حماس بحلول مارس/آذار، في هذا الوضع، حتى لو خُصصت عشرات المليارات من الدولارات لإعادة الإعمار، فإن انعدام الأمن واستمرار العنف سيحولان دون إحراز أي تقدم حقيقي، ولن تكون جهود إعادة الإعمار فعّالة.
من جهة أخرى، أكد مسؤولون أمريكيون مرارًا وتكرارًا أن عملية إعادة إعمار قطاع غزة لن تبدأ إلا بعد نزع حماس سلاحها، هذا الشرط يعني أنه حتى في حال توفير التمويل، فإن تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار مرهون بالتطورات الأمنية والسياسية، وهي تطورات تبدو غير مرجحة الحدوث على المدى القريب، لذا، يثور التساؤل عما إذا كان هذا المبلغ سيُستخدم فعليًا في عملية إعادة الإعمار في المستقبل القريب.
لذا، حتى لو دُفع هذا المبلغ، فإن إنفاقه سيكون ضمن إطار يتماشى مع أولويات واشنطن وترامب الشخصية. فقد سبق له أن تحدث عن أفكار مثل تحويل غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، وهي خطة تُركز على المشاريع الرمزية والاستثمارات الضخمة بدلاً من التركيز على إعادة بناء البنية التحتية الحيوية وتلبية الاحتياجات المُلحة للسكان.
من هذا المنظور، يُمكن القول إن ترامب، بتسليطه الضوء على هذا الرقم، يُحاول إظهار أن هناك تحركاً جارياً للرأي العام العالمي، وأن يُقدم نفسه كمهندس السلام والاستقرار في المنطقة، حتى وإن كان الطريق إلى تحقيق هذا الوعد لا يزال غامضاً.
فشل في وقف الجرائم الإسرائيلية
تأتي جهود ترامب لتقديم مبادرة السلام في غزة في صورة "مجلس سلام" في وقتٍ تستمر فيه الهجمات الإسرائيلية على غزة، بعد أربعة أشهر من إعلان وقف إطلاق النار. وتشير التقارير إلى مقتل وإصابة مئات الفلسطينيين خلال هذه الفترة، وهو وضع لا يتوافق مع مفهوم وقف إطلاق نار مستدام.
على الرغم من هذه التطورات، لم تتخذ الولايات المتحدة ولا الأعضاء الآخرون في مجلس السلام أي إجراء ملموس لإجبار تل أبيب على وقف الهجمات، ما يثير تساؤلات جدية حول فعالية هذا الإطار الدبلوماسي.
في غضون ذلك، دعا قادة حماس واشنطن والوسطاء إلى الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو لإنهاء هجماتها. لذا، في ظل فشل الولايات المتحدة في إقناع أقرب حلفائها بوقف العمليات العسكرية، فإنّ الادعاء بإمكانية إرساء السلام والاستقرار عبر مجلس جديد يواجه شكوكًا جدية، وعليه، يُنظر إلى هذه المبادرة على أنها محاولة دعائية لإظهار زخم دبلوماسي أكثر من كونها حلًا عمليًا لإنهاء الأزمة.
باختصار، في ظل وجود الحكومة المتطرفة على رأس هرم تل أبيب، فإن أي جهد دولي لتحقيق الاستقرار في غزة يكاد يكون مستحيلًا. فقد أثبتت ثمانية عقود من الخبرة أنه إلى حين التوصل إلى حل الدولتين، لن تُثمر أي مبادرة لوقف القتال بشكل دائم، وحتى الترويج المكثف الذي أطلقه ترامب لخطة سلام لن يُحقق نجاحًا حقيقيًا في المنطقة.
