الوقت- في مدينة اعتادت أن تكتب قصصها بالحجارة والصبر، ينهض الفنان الفلسطيني عدنان أبويوسف من بين رماد بيته المدمر في خان يونس، ليحوّل الجدران السوداء إلى لوحاتٍ تنطق بالحقيقة، لم يكن الرجل مجرد فنانٍ عاد إلى منزله بعد شهورٍ من النزوح القسري، بل شاهدٌ حيّ على واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاماً في العصر الحديث، قرر أن يجعل من الفن أداةً لكسر الصمت ورواية ما جرى.
عودة إلى بيت بلا ذاكرة
حين عاد أبويوسف إلى منزله بعد انتهاء موجةٍ من القصف العنيف، لم يجد سوى جدرانٍ متفحمة وبقايا محترقة من لوحاتٍ قضى سنواتٍ طويلة في رسمها، كانت تلك اللوحات تمثل أرشيف حياته الفنية منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره، ومسار تطور أسلوبه التشكيلي، إلا أن النيران التهمتها جميعاً، تاركةً وراءها فراغاً ثقيلاً لا يملؤه سوى الألم.
يقول أبويوسف إن اللحظة الأولى لعودته كانت صدمةً قاسية: لم يكن الدمار مادياً فقط، بل كان ضياعاً لذاكرةٍ كاملة من العمل والأحلام، “لم تكن مجرد لوحات، بل كانت تاريخي الشخصي”، يروي الفنان، مضيفاً إن مشهد الإطارات الخشبية السوداء وبقايا الألوان المحترقة جعله يدرك أن عليه أن يبدأ من جديد، ولكن هذه المرة على جدران بيته نفسه.
ويبقى الفن أداة من أدوات المقاومة
بدلاً من الاستسلام، حمل أبويوسف فرشاته وبدأ يرسم فوق الجدران المتفحمة صوراً تجسد المعاناة التي عاشها سكان غزة، لم يكن هدفه تجميل الدمار، بل توثيقه وكشف آثاره الإنسانية، يقول إن الفن بالنسبة له لم يعد مجرد وسيلة تعبير جمالي، بل شهادة حية على ما يصفه بجرائم الحرب التي ارتُكبت بحق المدنيين.
لوحاته الجديدة، التي وُلدت من رماد بيته، تحمل رموزاً إنسانية قوية: وجوه أطفال، عيون تبكي، وأمهات يبحثن عن أبنائهن بين الركام، وفي أحد أبرز أعماله التي حملت عنوان “كشتار نوزادان شیرخوار”، حاول الفنان أن يصرخ في وجه العالم، مؤكداً أن ما حدث لن يُنسى، وأن الذاكرة الفلسطينية ستبقى حيّة رغم الخراب.
فقدان شخصي يزيد الألم
لم تقتصر خسارة أبويوسف على بيته وأعماله الفنية، بل فقد أيضاً ابنه الأكبر عاهد، الذي قُتل خلال الحرب، يصف الفنان ابنه بأنه كان مصدر فخرٍ وإلهام، وأن رحيله ترك جرحاً عميقاً في قلبه، لكنه يرى في ذكراه قوة تدفعه لمواصلة الرسم، وكأن اللوحات باتت لغة حوارٍ بين الأب وابنه الغائب.
هذا الفقد الشخصي انعكس في أعماله الجديدة، حيث تحضر صور الشهداء والذكريات العائلية بشكل واضح، ويؤكد أبويوسف أن الفن أصبح بالنسبة له وسيلةً لتحويل الحزن إلى رسالة، والألم إلى ذاكرةٍ جماعية.
حياة هادئة تحولت إلى رماد
قبل الحرب، كان أبويوسف يعيش حياةً بسيطة في منزله الذي يضم مرسماً وسط حديقةٍ مليئة بأشجار الصنوبر، كان يعمل في أجواءٍ هادئة تصاحبها أصوات الطيور والطبيعة، ويرسم مناظر طبيعية تعكس جمال الحياة اليومية، كان قد أنجز 42 لوحة قبل أن تتغير حياته بالكامل.
يستعيد الفنان تلك الأيام بحنينٍ واضح، ويقول إن الفن كان بالنسبة له مساحةً للهدوء والتأمل، لكنه اليوم أصبح وسيلةً للصمود والتوثيق.
تعليم الجيل الجديد
رغم كل الخسائر، يواصل أبويوسف تعليم ابنتيه، سما وسوار، أساسيات الرسم، ويحثهما على تصوير الحقيقة كما هي دون تجميل، يرى أن الجيل الجديد من الفنانين في غزة يحمل مسؤولية نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم، وأن الفن يمكن أن يكون لغةً تتجاوز الحدود والسياسة.
يقول: “نحن الفلسطينيين نحب الحياة مثل الجميع، من حقنا أن نحلم ونبدع، حتى لو لم يكن في أيدينا سوى فرشاة”.
الفن في غزة… ذاكرة جماعية
قصة أبويوسف ليست الوحيدة في غزة، فالفن أصبح خلال السنوات الأخيرة وسيلةً رئيسية للتعبير عن الألم والصمود، كثير من الفنانين الشباب لجؤوا إلى الرسم على الجدران المدمرة، فيما نظم آخرون معارض فنية داخل مدارس وملاجئ مؤقتة، لعرض أعمال تعكس الحياة تحت الحصار والحرب.
في أحد أحياء غزة، حوّل مجموعة من الفنانين أنقاض مبنى مدمر إلى معرض مفتوح، حيث رسموا جداريات تحكي قصص العائلات التي فقدت منازلها، كما نظمت مبادرات شبابية ورشات رسم للأطفال داخل مراكز الإيواء، في محاولة لمساعدتهم على تجاوز الصدمة النفسية.
الموسيقى والمسرح وسط الدمار
لم يقتصر التعبير الفني في غزة على الرسم فقط، فخلال فترات التهدئة القصيرة، أقام موسيقيون محليون حفلات صغيرة في الشوارع، مستخدمين آلات بسيطة، لإحياء روح الأمل بين السكان، كما قدمت فرق مسرحية عروضاً تحكي قصص الحياة اليومية تحت القصف، ما منح الجمهور لحظات نادرة من التنفيس النفسي.
يرى ناشطون ثقافيون أن هذه الأنشطة ليست ترفاً، بل ضرورة نفسية واجتماعية في مجتمع يعيش تحت ضغط مستمر.
نتاج الفن وثيقة تاريخية
يؤكد نقاد فنيون أن الأعمال التي تُنتج في غزة اليوم تمثل وثائق تاريخية بقدر ما هي أعمال فنية، فهي تسجل تفاصيل الحياة اليومية في زمن الحرب، من النزوح والخسارة إلى الصمود والأمل، ويعتبرون أن الفن الفلسطيني لعب دوراً مهماً في نقل الرواية الإنسانية إلى العالم، وخاصة في ظل محدودية التغطية الإعلامية أحياناً.
رسالة إلى العالم
يرى أبويوسف أن الفنانين في غزة يمكن أن يكونوا “سفراء”، يحملون رسالة شعبهم إلى الخارج، ويطالب بأن يقف العالم إلى جانب المدنيين، وأن يسمع أصواتهم بعيداً عن السياسة، ويقول إن الفن، رغم بساطته، قادر على كسر الصمت وفضح المعاناة الإنسانية.
“قد تُدمر البيوت، لكن الصوت لا يُدمر”، يقول الفنان وهو يقف أمام جدران منزله المرسومة، مؤكداً أن الإبداع يمكن أن يولد حتى من تحت الركام.
اليوم، يعيش أبويوسف في جزءٍ صغير من منزله الذي بدأ بإعادة ترميمه تدريجياً، وبينما لا تزال آثار الحرب واضحة في كل زاوية، تزداد الجدران امتلاءً بالرسومات، وكأنها تتحول إلى متحفٍ حيّ لذاكرة الألم والصمود.
قصة هذا الفنان الفلسطيني تعكس واقعاً أوسع يعيشه آلاف المدنيين في غزة، حيث يتحول الفن إلى لغة بقاء، والذاكرة إلى شكلٍ من أشكال المقاومة، وبينما تستمر التحديات، يبقى الأمل حاضراً في كل ضربة فرشاة، وفي كل جداريةٍ تُرسم على جدارٍ نجا من الدمار.
في غزة، حيث يُولد الفن من بين الأنقاض، لا تزال الحكاية تُكتب… باللون، وبالدمع، وبالإصرار على الحياة.
