الوقت- في وقت تتواصل فيه التطورات السياسية والميدانية المرتبطة بقطاع غزة، أثارت تصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان الإسرائيلي، مايك هاكابي، موجة من الجدل والنقاش حول مستقبل إعادة إعمار القطاع، والمدة الزمنية اللازمة لذلك، إضافة إلى رؤيته المثيرة للجدل بشأن ما كان يمكن أن تكون عليه غزة مقارنةً بما آلت إليه اليوم.
وجاءت هذه التصريحات في مقابلة صحفية، تحدث فيها عن مسار إعادة الإعمار، والظروف المرتبطة بها، والدور الدولي المتوقع في هذه العملية المعقدة.
إعادة الإعمار: مشروع طويل ومعقد
قال السفير الأمريكي إن عملية إعادة إعمار غزة لن تكون حدثاً سريعاً أو محدوداً، بل مشروعاً طويل الأمد قد يمتد لسنوات، وأوضح أن التقديرات الزمنية تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام في الحد الأدنى، وقد تصل إلى عشر سنوات، وذلك حسب مستوى مشاركة الدول والجهات المانحة في تمويل وإدارة جهود إعادة البناء.
وتُعد إعادة إعمار غزة واحدة من أعقد عمليات إعادة البناء في العالم، نظراً لحجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية، بما في ذلك المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، كما أن الكثافة السكانية العالية في القطاع، والمساحة الجغرافية المحدودة، والظروف الاقتصادية الصعبة، كلها عوامل تزيد من تعقيد المهمة.
وأشار هاكابي إلى أن العملية ستشمل نقل السكان من المناطق التي وصفها بـ”الخطرة” إلى مناطق أكثر أماناً، مع بناء مساكن جديدة، وإعادة تأهيل المرافق العامة، وإطلاق مشاريع بنية تحتية أساسية، وأكد أن هذه العملية تتطلب تنسيقاً دولياً واسعاً، ومشاركة مالية وتقنية كبيرة من المجتمع الدولي.
بين “سنغافورة” و”هايتي”: مقارنة تثير الجدل
أكثر ما أثار الانتباه في تصريحات السفير الأمريكي كان قوله إن غزة كان من الممكن أن تصبح “مثل سنغافورة”، لكنه اعتبر أن الظروف السياسية والأمنية حولتها إلى ما يشبه “هايتي”، وقد أثارت هذه المقارنة ردود فعل متباينة، إذ اعتبرها البعض تبسيطاً مفرطاً للواقع، بينما رأى آخرون أنها تعكس وجهة نظر سياسية أكثر من كونها تحليلاً موضوعياً.
ويرى منتقدو هذا الطرح أن المقارنة بين غزة وسنغافورة تتجاهل اختلاف السياقات التاريخية والسياسية والجغرافية، فضلاً عن الحصار المستمر والصراعات المتكررة التي أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد والبنية التحتية في القطاع، كما يشيرون إلى أن أي عملية تنمية مستدامة تحتاج إلى استقرار سياسي وأمني طويل الأمد، وهو ما لم يتوافر في غزة منذ سنوات.
في المقابل، يعتبر مؤيدو تصريحات السفير أن غزة تمتلك بالفعل طاقات بشرية كبيرة، وموقعاً جغرافياً مهماً، وكان يمكن أن تشهد نمواً اقتصادياً ملحوظاً في ظروف مختلفة، لكن الواقع الميداني، بما يحمله من تعقيدات سياسية وصراعات عسكرية، حال دون تحقيق ذلك.
السياق السياسي والأمني
تأتي هذه التصريحات في ظل استمرار التوترات الميدانية بين الفصائل الفلسطينية وقوات الكيان الإسرائيلي، رغم الحديث عن مراحل متقدمة من خطة سلام طرحتها الإدارة الأمريكية، وقد شهدت الأيام الأخيرة اشتباكات متفرقة في مناطق مختلفة من القطاع، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني، ويثير تساؤلات حول إمكانية البدء الفعلي بعملية إعادة الإعمار في ظل استمرار المواجهات.
ويرى محللون أن أي عملية إعادة بناء لن تنجح دون اتفاق سياسي شامل يضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار، وفتح المعابر، وتوفير بيئة آمنة للعمل الإنساني والإنمائي. كما أن استقرار الوضع الأمني يُعد شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات، وعودة النشاط الاقتصادي، وبدء مشاريع إعادة الإعمار الكبرى.
التحديات الإنسانية والاقتصادية
إلى جانب البعد السياسي، يواجه قطاع غزة تحديات إنسانية واقتصادية هائلة، فمعدلات البطالة مرتفعة، ونسبة كبيرة من السكان تعتمد على المساعدات الإنسانية، كما أن البنية التحتية المتضررة تؤثر بشكل مباشر على الخدمات الأساسية، مثل المياه والكهرباء والرعاية الصحية.
وتشير تقارير إنسانية إلى أن إعادة إعمار المنازل وحدها تحتاج إلى موارد مالية ضخمة، فضلاً عن إعادة بناء المدارس والمستشفيات، وإصلاح شبكات الطرق والمياه، كما أن إزالة الأنقاض، والتعامل مع المخلفات الخطرة، وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية، تمثل تحديات إضافية أمام أي خطة إعادة إعمار شاملة.
الدور الدولي المرتقب
أكد السفير الأمريكي أن مدة إعادة الإعمار ستعتمد بشكل كبير على عدد الدول المشاركة في العملية، وحجم التمويل المتاح، ويُتوقع أن تلعب منظمات دولية، مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي، دوراً محورياً في تنسيق جهود إعادة البناء، إلى جانب الدول المانحة في أوروبا والشرق الأوسط.
غير أن تجارب سابقة أظهرت أن تعهدات التمويل لا تتحول دائماً إلى مشاريع فعلية على الأرض، بسبب تعقيدات سياسية أو إدارية أو أمنية، كما أن بعض الدول تربط مشاركتها بشروط سياسية، ما قد يؤثر على سرعة تنفيذ المشاريع.
الرأي العام وردود الفعل
أثارت تصريحات السفير الأمريكي ردود فعل واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية، فبينما اعتبرها البعض محاولة لتقديم رؤية مستقبلية لإعادة إعمار غزة، رأى آخرون أنها تحمل طابعاً سياسياً وانتقادياً، وخاصة فيما يتعلق بالمقارنة بين غزة ودول أخرى.
وفي الشارع الفلسطيني، ينظر كثيرون إلى مسألة إعادة الإعمار من زاوية إنسانية بالدرجة الأولى، إذ تظل الأولوية بالنسبة لهم هي إعادة بناء المنازل، وتحسين الظروف المعيشية، وتوفير فرص العمل، بعيداً عن الجدل السياسي.
مستقبل غزة: بين الأمل والواقع
رغم التحديات الكبيرة، لا تزال هناك آمال في أن تشهد غزة مرحلة جديدة من إعادة البناء والتنمية، إذا توفرت الظروف السياسية والأمنية المناسبة، والدعم الدولي الكافي، ويرى خبراء أن الاستثمار في التعليم، والبنية التحتية، والاقتصاد المحلي، يمكن أن يساهم في تحسين الوضع تدريجياً، وخلق فرص جديدة للسكان.
لكن في المقابل، يحذر آخرون من أن غياب حل سياسي شامل، واستمرار التوترات، قد يعرقل أي جهود لإعادة الإعمار، ويجعلها مجرد مشاريع مؤقتة لا تحقق تغييراً جذرياً في الواقع.
تشكل تصريحات السفير الأمريكي حول إعادة إعمار غزة نقطة جديدة في النقاش الدائر حول مستقبل القطاع، بين من يراها رؤية واقعية لمشروع طويل ومعقد، ومن يعتبرها طرحاً سياسياً يفتقر إلى مراعاة الظروف الموضوعية، وبين الوعود والتحديات، يبقى مستقبل غزة مرتبطاً بعوامل متعددة، في مقدمتها الاستقرار السياسي، والدعم الدولي، وقدرة الأطراف المختلفة على تجاوز الخلافات، والعمل نحو إعادة بناء ما دمرته سنوات الصراع.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تظل إعادة إعمار غزة أكثر من مجرد مشروع هندسي أو اقتصادي؛ إنها اختبار لإرادة المجتمع الدولي، وقدرة المنطقة على الانتقال من الصراع إلى البناء، ومن الدمار إلى الأمل.
