الوقت- أثار اللواء احتياط إسحاق بريك جدلاً واسعاً بتصريحه بأن إسرائيل “تنهار من الداخل”، وهو توصيف صادم يصدر عن شخصية عسكرية خدمت طويلاً في قلب المؤسسة الأمنية. أهمية هذا التصريح لا تكمن في حدته فقط، بل في موقع قائله؛ فبريك ليس معارضاً هامشياً، بل أحد الجنرالات الذين اطّلعوا على تفاصيل الجاهزية العسكرية وأزمات القيادة. حديثه يعكس قلقاً عميقاً من مسار داخلي متآكل لم يعد يمكن تجاهله أو تغطيته بشعارات القوة. فإسرائيل التي طالما قدمت نفسها باعتبارها دولة متماسكة ذات تفوق أمني مطلق، تواجه اليوم تحديات تضرب بنيتها السياسية والاجتماعية. وعندما يخرج مسؤول عسكري سابق بهذا الوزن ليحذر من الانهيار، فإن الأمر يتجاوز النقد العابر ليصبح إنذاراً استراتيجياً حول مستقبل كيان يواجه تصدعات متراكمة تهدد استقراره الداخلي.
الانقسام السياسي وصراع الهوية
يرى إسحاق بريك أن أخطر ما تواجهه إسرائيل اليوم هو الانقسام السياسي العميق الذي مزّق المجتمع وأضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات. الصراعات حول طبيعة النظام القضائي وصلاحيات الحكومة، والانقسامات بين التيارات الدينية والعلمانية، خلقت بيئة من الاستقطاب الحاد. لم تعد الخلافات مجرد تنافس حزبي، بل تحولت إلى صراع حول هوية الدولة نفسها. الاحتجاجات الواسعة والانقسامات داخل النخب السياسية كشفت عن هشاشة الإجماع الداخلي الذي طالما اعتُبر عنصر قوة. ومع تكرار الأزمات الحكومية وصعوبة تشكيل ائتلافات مستقرة، تبدو إسرائيل وكأنها تعيش حالة شلل سياسي مزمن. تحذير بريك يأتي في هذا السياق ليؤكد أن التآكل الداخلي أخطر من أي تهديد خارجي، لأن فقدان التماسك الوطني يعني تراجع القدرة على مواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة.
أزمة الثقة بين المجتمع وقيادته
من أخطر المؤشرات التي تعمّق مسار التآكل الداخلي في إسرائيل تصاعد أزمة الثقة بين المجتمع وقيادته السياسية والعسكرية. فالتصريحات المتكررة حول الإخفاقات الأمنية، وسوء إدارة الأزمات، والتخبط في القرارات المصيرية، كلها عوامل أضعفت الإيمان بقدرة القيادة على ضمان الاستقرار. المواطن الإسرائيلي الذي كان يشعر بتفوّق مؤسسته الأمنية بات يواجه واقعاً مختلفاً، تتزايد فيه الأسئلة حول الكفاءة والمصداقية، وتتصاعد فيه المخاوف من غياب رؤية واضحة للمستقبل. كما أن الخلافات العلنية بين القيادات، وتسريب الانتقادات من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، يعكسان اهتزازاً في صورة الانسجام التي طالما سعت الدولة إلى ترسيخها. هذه الفجوة النفسية بين الحاكم والمحكوم تُعد مؤشراً بالغ الخطورة، لأن تراجع الثقة يُفقد أي نظام قدرته على تعبئة مجتمعه في أوقات الأزمات، ويجعل حالة الانقسام أكثر رسوخاً وأصعب احتواءً، ويؤسس تدريجياً لمرحلة من التفكك البطيء الذي يضرب أساسات الاستقرار الداخلي.
تراجع الجاهزية العسكرية وفقدان الردع
من أخطر ما أشار إليه إسحاق بريك هو تراجع الجاهزية العسكرية نتيجة تراكم الأخطاء وسوء الإدارة. فالمؤسسة العسكرية، التي شكلت العمود الفقري للمشروع الإسرائيلي، باتت تعاني من إنهاك مستمر بسبب الحروب المتكررة والتوترات الدائمة. كما أن إدخال الجيش في التجاذبات السياسية أضعف صورته كمؤسسة موحدة فوق الخلافات. يتحدث بريك عن فجوات في الاستعداد والتخطيط، وعن اعتماد مفرط على التكنولوجيا دون معالجة مكامن الضعف البنيوية. في ظل بيئة إقليمية معقدة، فإن أي خلل في الجاهزية ينعكس مباشرة على الردع. وهنا تكمن خطورة التحذير: إذا اهتزت الثقة في قدرة الجيش على الحسم، فإن صورة التفوق التي بنتها إسرائيل عبر عقود ستتآكل تدريجياً، ما يفتح الباب أمام تحديات أمنية أكبر ويضاعف شعور الهشاشة داخل المجتمع.
أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة
لا يقتصر حديث إسحاق بريك على الجانب الأمني، بل يمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية التي تزيد المشهد قتامة. فالحروب المستمرة واستدعاء الاحتياط أثقلا الاقتصاد، فيما أدت حالة عدم الاستقرار السياسي إلى تراجع ثقة المستثمرين. كذلك تتسع الفجوات الاجتماعية بين الفئات المختلفة، سواء على أساس ديني أو عرقي أو جغرافي. هذه التناقضات البنيوية تضعف التماسك المجتمعي وتغذي الشعور بعدم العدالة. كما أن تصاعد الهجرة العكسية يعكس قلقاً متنامياً من المستقبل. يرى بريك أن استمرار هذه الاتجاهات دون معالجة جذرية سيعمّق مسار التآكل الداخلي، لأن أي كيان يفقد استقراره الاقتصادي والاجتماعي يصبح أكثر عرضة للاضطراب. وهكذا، يتكامل البعد الاقتصادي مع السياسي والأمني في رسم صورة أزمة شاملة.
العزلة الدولية وتآكل الشرعية
يشير السياق الذي يتحدث فيه إسحاق بريك إلى أن إسرائيل لم تعد تواجه تحديات داخلية فقط، بل تعاني أيضاً من تراجع في صورتها الدولية. تصاعد الانتقادات والاتهامات، وتنامي حملات المقاطعة، يضعانها في موقف دفاعي متزايد. هذا التراجع في الشرعية الدولية ينعكس بدوره على الداخل، إذ يؤثر في الاقتصاد والعلاقات الدبلوماسية ويزيد من الضغوط السياسية. ومع اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، يصبح من الصعب الحفاظ على صورة الدولة القادرة على إدارة أزماتها. تحذير بريك من الانهيار يتقاطع مع هذه المعطيات، إذ إن العزلة الخارجية تضاعف أثر الانقسامات الداخلية، وتجعل أي أزمة داخلية أكثر حدة وتعقيداً.
مستقبل مفتوح على احتمالات صعبة
تحذير إسحاق بريك من أن إسرائيل “تنهار من الداخل” لا يعني سقوطاً وشيكاً، لكنه يعكس إدراكاً بأن المسار الحالي محفوف بالمخاطر. استمرار الاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وإنهاك الجيش، والأعباء الاقتصادية، كلها عوامل تتفاعل في اتجاه واحد هو إضعاف البنية الداخلية. قد تحاول القيادة الإسرائيلية توحيد الداخل عبر تصعيد خارجي، إلا أن هذه السياسة لم تعد تضمن النتائج ذاتها كما في السابق. وفي ظل عالم متغير وتحديات إقليمية متصاعدة، تبدو إسرائيل أمام مفترق طرق حاسم. إما مراجعة جذرية تعيد بناء التماسك الداخلي، أو استمرار التآكل التدريجي الذي حذّر منه بريك. وفي كل الأحوال، فإن صدور هذا التحذير من جنرال مخضرم يؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد رواية خصوم، بل حقيقة يعترف بها بعض أبنائها من داخل المؤسسة نفسها.
