الوقت – کانت زیارة عباس عراقجي إلی لبنان من أهم الأحداث السیاسية في المنطقة خلال الأیام القلیلة الماضية، والتي جاءت في خضم تصاعد الحملات وتشدید وتیرة التوترات علی ید الکیان الصهیوني ضد لبنان، وهم ما لفت أنظار المراقبین إلی محاور الزیارة ونتائجها وما ستترکه من أثر علی مسار التطورات المتسارعة في المنطقة ومساعي الولایات المتحدة وربیبتها "إسرائیل" لنزع سلاح حزب الله.
يخوض لبنان هذه الأیام غمار تحدیات متشابکة الخیوط سیاسیة واقتصادیة وأمنیة وعلی صعید الحکم والسیادة، ویبدو أن تواجد السید عراقجي یرمي إلی المساعدة في اجتیاز لبنان وشعبه أتون الأزمات المتعددة الراهنة والمقبلة. وکان من اللافت أن السید عراقجي اصطحب معه وفداً اقتصادیاً رفیع المستوی للتباحث مع السلطات اللبنانیة، وهو ما کان من أهم أولویات الزیارة حسب ما أعلنه وزیر الخارجیة الإيراني.
في لقاءاته مع مختلف المسؤولین اللبنانیین أکد السید عراقجي علی عزم إيران تعزیز العلاقات التجاریة بین البلدین، معرباً عن أمله في عقد اللجنة الاقتصادیة المشترکة في أول فرصة سانحة.
لقد شهدت العلاقات السیاسیة بین طهران وبیروت برئاسة جوزف عون خلال الأشهر المنصرمة تقلبات متعددة، نتیجة عوامل مختلفة کالضغوط الامریکیة الاسرائیلیة المباشرة والدور السعودي ولاعبین جدد ینتمون لأحزاب مناوئة لحزب الله في الحکومة، مثل یوسف رجي الذي یتقلّد حقیبة الخارجية، وکانت المساعي الإعلامیة تسعی إلی الإيهام بأن الهوية اللبنانية المقاومة قد انفصلت عراها عن إيران ومحور المقاومة. هذا في حين لولا التعاون السیاسي لحزب الله وغضّه الطرف عن أمور عدة لإنهاء الجمود السیاسي وتسهیل مسار تشکیل الحکومة الجدیدة بغیة إعمار ما دمرته آله الحرب الإسرائيلية الغاشمة وتنفيذ بنود وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 وعدم إعطاء الذریعة لأعداء الداخل والکيان الصهيوني لمواصلة الاحتلال للأراضي اللبنانية، لما شهدنا تشکیل حکومة جدیدة تنأی بنفسها عن مواقف الشعب اللبناني الأصیلة.
في هذا الخضم، فإن الهاجس الرئیس الذي يؤرق اللبنانیین هو استمرار الضغوط الاقتصادیة التي تمارسها الولایات المتحدة، وکذلک التهدیدات التي یوجّهها الکيان الصهيوني، والمواقف التي یکررها بعض المسؤولین في الحکومة اللبنانیة ضد سلاح حزب الله، غير أننا لا نجد إشارةً إلی الخلفية الواضحة لهذه الضغوط والتدخلات الأمريکية والسعودية، نیابةً عن تل أبیب، للدفع بمشروع نزع السلاح من قبل الحکومة والجیش في لبنان.
تمارس الولایات المتحدة والسعودیة سیاسة "العصا والجزرة" ضد الحکومة اللبنانية المنشغلة بأزماتها، حتی یضطر حزب الله في خاتمة المطاف للقبول بإلقاء السلاح ورفع رایة الاستسلام. وقد سبق للحکومة اللبنانية أن صادقت علی خطة المبعوث الأمریکي توم باراک خلف الأبواب المغلقة للقصر الجمهوري، وبناء علیه يجی علی الجیش اللبناني تطهیر المناطق الجنوبیة المتاخمة للأراضي المحتلة في جنوب نهر اللیطاني، ونزع سلاح حزب لله علی انتهاء عام 2025.
لکن رغم التهدیدات الصهيونیة والأمریکية المستمرة بشن حرب جدیدة، بل الاعتداءات الجویة المتکررة وهدم المباني والبنی التحتیة وقتل المدنیین الأبرياء، وقف الأمین العام لحزب الله الشیخ نعیم قاسم أمام هذه الخطة بشجاعة، رافضاً تنفیذ بنودها، فانتهت المهلة المحددة وفشلت الخطة الأمریکية. وقد أظهر الجیش اللبناني خلال هذه الفترة أنه علی خلاف توقعات الأطراف الأجنبية والتصریحات الحادة لبعض المسؤولین اللبنانيين، فإنه لا یری مصلحةً في معارضة حزب الله، ومواجهته لا تصب، في خدمة الاستقرار والأمن الداخلي، کما أکد المفاوضون في الجیش علی إکمال الالتزامات المتفق علیها في اتفاقیة الهدنة، داعین إلی إلزام الجانب الصهیوني بتنفیذ ما تعهّد به والجلاء عن النقاط التي احتلها في الجنوب، والکفّ عن الاعتداءات الجویة.
في هذه الأجواء، یبدو أن الحکومة اللبنانية وعلی نقیض نهجها المتعنت السابق، بعد أن رفضت الدعم الإيراني أثناء زیارة السید لاریجاني لبیروت لإدارة التوتر، ورفض وزیر الخارجیة السید یوسف رجي لدعوة نظیره الإيراني لزیارة إيران، علی استعداد لقبول التفاوض مع حزب الله علی أساس مبدأ "الحفاظ علی القدرات الدفاعية" و"مؤاومة المواقف الداخية مع رفض الاحتلال الصهيوني"، و"تنفیذ الإصلاحات السیاسیة والاقتصادیة والإداریة"، و"منح الأولوية لإعادة إعمار المناطق المنکوبة جراء الحرب". وفي هذا السیاق، قال عباس عراقجي لوسائل الإعلام: الیوم تحدثت مع جمیع المسؤولین اللبنانیین، وقد أجمعوا علی أن الکيان الصهیوني هو عدو کل لبنان، وهذا التهدید یشمل اللبنان کله ولیس جزءا منه فحسب.
من الطبیعي أن إيران کأهم لاعب أجنبي یمکنها مساندة لبنان وحکومته وقادته السیاسیین علی اجتیاز الخلافات والعبور من التحدیات، کما أکد علی ذلک السید عراقجي في لقاءاته مع مختلف المسؤولین اللبنانیین علی ضرورة الحفاظ علی الاستقلال والسیادة الوطنیة وسلامة أراضي لبنان في مواجهة الاعتداءات الصهیونیة والتدخلات الأجنبية المعرقلة، مشدداً علی أن تضامن الشعب الإيراني مع لبنان يأتي منسجماً مع هذا الأساس، وأن اتخاذ القرار في الشؤون الداخلية والسیاسة الخارجیة هو شأن لبناني محض، ویجب أن یتم حسب التفاهم والحوار الوطني بین مختلف الفئات اللبنانیة.
کما أن تأکید السید عراقجي علی تعزیز التعاون الاقتصادي کأهم محور في هذه الزیارة، وطمأنة القادة اللبنانیین علی السیاسة الراسخة للجمهوریة الإسلامية حول سیادة لبنان وسلامة أراضیه ضد التهدیدات الصهیونية، محاولة لدعم اللبنانیین في تذلیل التحدیات وحل التوترات.
وفیما کشف السيد عراقجي أن إيران تتابع سیاسة حسن الجوار بعد حرب الأيام الاثنی عشر بشکل أقوی من ذي قبل، صرح أن دول المنطقة لدیها اليوم رؤية أفضل وأوضح للتهدید الذي تمثّله "إسرائيل"، وأرضية التعاون بین إيران ودول المنطقة باتت أکثر من أي حقبة مضت، وستکون زیارة لبنان فاتحة فصل جدید من التعاون یشمل جمیع المجالات.
