الوقت - أثناء الحرب الصهيونية المفروضة علی إيران والتي استمرت 12 يومًا، برزت ثلاثية مقدسة تجسدت في: القيادة، ووحدة الشعب، وقوة القوات المسلحة، لتُلقي بثقلها على الکيان الغازي، وتُسقط خطة الأخير الرامية إلى كسر إرادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر الخيار العسكري. وفي الأيام الأخيرة، تكرر ذات المشهد، حيث أظهر الشعب الإيراني الثائر والمحب لوطنه حكمةً ووعيًا، فخرج في موجة هائلة إلى الشوارع في مختلف أرجاء البلاد، مما أدى سريعاً إلى انهيار السيناريو المخطط مسبقًا من قبل الأجهزة الأجنبية، بمساعدة العملاء والخونة المحليين، الرامي إلى زعزعة أمن إيران وتحويلها إلى السيناريو السوري.
كما تمكنت الأجهزة الأمنية والعسكرية الإيرانية من إحباط مبكر وفعّال لعمليات عشوائية وعنيفة نفّذها عناصر إرهابية، ما يُظهر مدى قوة الاستعداد والاستباق في مواجهة التهديدات.
في هذه المرحلة من الحرب الاقتصادية، والتركيز على عدم استقرار سوق العملة، تم تصميم هذا السيناريو من أجل خلق نفور داخلي، ومن ثم استغلال موجة الغضب المشروع للشعب إزاء الظروف المعيشية، والعمل على تحويل الاحتجاجات السلمية إلى اضطرابات وفوضى وقتل في الشوارع، وهو ما يشكّل جزءًا من خطة أعداء إيران الرامية إلى استهداف النظام. ففي الحقيقة، كان هذا المخطط جزءًا من أحداث الحرب المفروضة التي استمرت 12 يومًا، وهو أمر كان واضحًا ومفهومًا تمامًا للقيادة الإيرانية، والمحللين، والشعب الإيراني.
ومع ذلك، وبفضل تحييد أغلب النواة النشطة والقيادات الداخلية للإرهابيين المدعومين من الموساد والسي.آي.إيه عبر المؤسسات الأمنية والاستخباراتية، وبفضل تصرفات الشعب الإيراني في فصل صفوفه عن الإرهابيين ومثيري الشغب والمنتمين إلى التنظيمات الإرهابية، ظل الوضع تحت السيطرة. ومع ذلك، ما زال يُلاحظ في تصريحات المسؤولين السياسيين، احتمال اتخاذ العدو لأي إجراءات إضافية خلال الأسابيع والأشهر القادمة، بل وحتى احتمال اتخاذ الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لخطوات عسكرية مباشرة، بعدما شهدوا فشل مشروعهم في إثارة حرب داخلية.
يأتي هذا الوضع في ظل تصريحات ترامب الأسبوع الماضي، والتي كان هدفها واضحاً تمامًا، وهو التلميح إلى التسلل في الاضطرابات وتشجيع المعتدين والإرهابيين على ارتكاب أعمال إرهابية، بما في ذلك العمليات المسلحة ضد القوات والأماكن الأمنية والسياسية، وقتل المدنيين العاديين. فقد حذّر قائلاً: "إذا قتلت الحكومة الإيرانية من وصفهم بأنهم متظاهرون ومواطنون عاديون، فإن الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ إجراء عسكري."
على الرغم من أن الرئيس الأمريكي، المعروف بسلوكه المغامر، تراجع بعد بضعة أيام عن هذه المواقف، واعتبر ضحايا الاضطرابات، الذين يتشکل جُلهم من ضباط أمن ومواطنين عاديين قُتلوا على يد المعتدين، ضحيةً للتدافع والسقوط تحت الأقدام، إلا أن المسؤولين الإيرانيين ما زالوا يؤكدون استعداد الدولة والقوات المسلحة للتعامل مع أي سيناريو ممكن.
وفي هذا السياق، بعد أن حذّر محمد باقر قالیباف، رئيس البرلمان في إيران، ترامب من أن لا يُخدع باستشارة المحيطين به الذين يشجعونه على اتخاذ إجراء ضد إيران، قال وزير الخارجية الإيراني السید عباس عراقجي أمس: "نحن مستعدون لكل الخيارات"، وأضاف: "نأمل أن يتم اختيار الخيار الحكيم. من وجهة نظرنا، لا يهمّ أي خيار يُختار، فنحن مستعدون للحرب، وللدبلوماسية، وللخيارات الاقتصادية."
هجمات واسعة النطاق على القواعد الأمريكية في المنطقة؛ سيناريو يهدّد حياة آلاف الجنود
من بين السيناريوهات المؤكدة التي قد تتخذها إيران رداً على أي تصرف عدائي من جانب الولايات المتحدة، هو استهداف المصالح، وبخاصة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. فالأمريكان قد أقاموا في مناطق قريبة من الحدود الإيرانية عدداً من القواعد العسكرية، تستضيف آلاف الجنود والقوات المسلحة، بالإضافة إلى معدات خفيفة وثقيلة مثل أنظمة رادار متقدمة، وطائرات، وسفن حربية، والتي تُعتبر أهدافاً محتملةً للرد الصاروخي أو الهجومي. الإيراني.
هذه القواعد والمعدات العسكرية يقع جميعها ضمن مرمی الصواريخ والطائرات المسيرة، وغيرها من الوسائل الهجومية التي تمتلكها القوات المسلحة الإيرانية. وفي السنوات الأخيرة، أظهرت إيران مراراً وتكراراً أنها قادرة على تحقيق ضربات دقيقة وقاسية على أي هدف عسكري أمريكي، في حال اتخذ المسؤولون القرار السياسي المناسب.
ويشکّل استهداف قاعدة "عين الأسد"، التي تُعد قلب الحضور العسكري لـ "سنتكوم" في غرب آسيا، والضربات الصاروخية على قاعدة "العديد" الجوية في قطر، التي تُعتبر من أبرز الأصول الاستراتيجية العسكرية الأمريكية خارج البلاد، دليلاً على أن القوات المسلحة الإيرانية تمتلك القدرة على تنفيذ هذا السيناريو بدقة وفعالية في أي معركة مقبلة.
کذلك، علی خلاف الحرب الـ12 يومًا، حيث لم تطلب إيران من أي من جماعات المقاومة في المنطقة أي دعم عسكري، بل حتى رفضت عروضها للانخراط في الميدان العسكري دفاعًا عن طهران لمنع تفكك المنطقة بأكملها، وهو الهدف الصهيوني في تلك الحرب، فإن هذا الموقف الجديد، والدخول المباشر للولايات المتحدة إلى ساحة المواجهة العسكرية، يُعد بلا شك إذنًا لجماعات محور المقاومة في جميع أنحاء المنطقة للتحرك بشكل مستقل ضد عشرات القواعد والمصالح الأمريكية، والعمل على إنهاء الحضور العسكري الأمريکي الذي استمر لعقود في غرب آسيا.
وفي هذا السياق، أصدر الأمين العام لكتائب حزب الله في العراق تحذيرًا للإدارة الأمريكية، حيث أكّد استعداد محور المقاومة الكامل لدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة أي اعتداء محتمل، مشيرًا إلى أن إعادة فرض الحرب علی إيران لن تكون سهلةً، بل ستتحول إلى جحيم تُنهي مصالح واشنطن ووجودها بشكل نهائي.
في السياق، أصدر أبو الحسين الحمیداوی، الأمين العام لكتائب حزب الله في العراق، بيانًا رسميًا أكد فيه أن محور المقاومة سيقف إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة أي اعتداء محتمل.
وأشار الحمیداوی في هذا البيان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مُحذّرًا إياها من أن أي حرب مُعادية جديدة ضد إيران لن تكون سهلةً، بل ستكون "نارًا" تلتهم مصالحها وتُضعف مكانتها، وستُفضي إلى هزيمتها وانكسارها.
وبناءً على ذلك، فإن أهمّ ما يجب أن يستعد له ترامب هو مواجهة مئات، بل آلاف الجثث من الجنود الأمريكيين الذين سيعودون إلى بلادهم في صناديق خشبية. وهذا بالطبع يتناقض تمامًا مع رؤية ترامب المعروفة بعدم دخول الولايات المتحدة إلى حروب طويلة ومرهقة وتكاليفها باهظة والخسائر فيها واسعة، وهي الرؤية التي تُعتبر شعارًا رئيسيًا لقاعدة الناخبين المؤيدة له، أي حركة "ماغا" (MAGA)، وبالتالي فإن حدوث مثل هذا السيناريو سيضعه أمام تحدٍ داخلي عظيم.
الهجوم على قلب الأراضي المحتلة
لا شك في أنه في حال اندلاع أي عملية عسكرية محتملة من جانب الولايات المتحدة بالمشاركة مع الکيان الصهيوني، فسيعتبر محور المقاومة أن تل أبيب لن تُستثنى من هذه المعركة الوجودية والمصيرية. فضربة "طوفان الأقصى"، التي هزت أركان الاستقرار والأمن لهذا الکيان، ستُكملها ضربات واسعة ومتواصلة من جميع أطراف محور المقاومة، عبر هجمات صاروخية وطائرات مُسيرة، وربما سيناريوهات جديدة ومفاجئة، مثل تهديدات أرضية مباشرة على الأراضي المحتلة.
ومن المؤكد أن هذا التحرك الشامل سيُحدث نتائج مباغتة للصهاينة، وسيدخل في مسار إزالة هذه الغدة السرطانية من جسد المنطقة، وربما يُنهي حضورهم بشكل كامل، ويجتثّ جذورهم إلى الأبد.
إشعال المنطقة وتسونامي الأزمات الاقتصادية
بالنظر إلى ما ورد ذكره عن ردود الأفعال المحتملة لإيران تجاه المخططات الجديدة لترامب، فإن هذه الأزمة لن تبقى محدودةً جغرافيًا، بل يمكن أن تتوسع بسرعة. ومن أولى انعكاساتها سيكون تهديد أمني لممرات نقل الطاقة والبضائع في الخليج الفارسي.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني، السيد قالیباف، في المظاهرات الجماهيرية الضخمة التي جرت أمس، حيث وجّه كلامه إلى ترامب قائلاً:
"تقدّم وانظر بنفسك ما البلاء الذي سيحلّ على القواعد والسفن والجنود الأمريكيين. أقبل، حتی تحترق باللهيب الذي سيُشعله المدافعون عن إيران، لتصبح عبرةً للأبد في تاريخ الظلم الأمريكي. نحن سنؤدّب هؤلاء الحکام الظالمين. تعال لتعلم حينما تُشعل النيران في المنطقة، ما هي التبعات الثقيلة التي ستواجهها."
هذا الأمر قد يؤدي، في حال تحققه، إلى أزمةٍ في الطاقة وارتفاعٍ حادٍّ في أسعار النفط، مما يُحدث تأثيراتٍ كبيرة على الاقتصاد العالمي، وفي مقدمته الاقتصاد الأمريكي.
فعلى سبيل المثال، إن طريقة تصرف البيت الأبيض في فنزويلا، واعتقاله للرئيس الفنزويلي، ثم الإعلان الصريح من جانب ترامب عن نيته في السيطرة على النفط الفنزويلي، قد تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تشعر بقلقٍ حقيقيٍّ من أزمةٍ نفطيةٍ محتملةٍ في المستقبل القريب، وربما تسعى لاستكشاف حلولٍ ممكنةٍ عبر فنزويلا.
ولكن هذا الأسلوب لن يكون قادراً على تعويض نقص ملايين البراميل من النفط الذي تُنتجه منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فإن التفكير في تحقيق انتصارٍ سريعٍ ورخيصٍ ضد إيران، لا يعدو كونه مجرد تفاؤلٍ خاطئٍ أو وهمٍ غير واقعي زائف.
