الوقت- في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن الوضع في قطاع غزة ما يزال «هشًا للغاية» وأن الأطفال هم الأكثر تضررًا من تداعيات الصراع المستمر.
وأكدت المنظمة أن الظروف الحالية أصبحت «مميتة» بالنسبة لعدد كبير من الأطفال، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انهيار شبه كامل للأنظمة الأساسية للحياة، بما في ذلك الصحة والمياه والتعليم.
تحذيرات أممية متصاعدة
أوضحت يونيسف في بيان حديث أن آلاف الأطفال في قطاع غزة يعيشون في ظروف خطيرة للغاية، حيث يواجهون القصف المستمر ونقص الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية. وأشارت المنظمة إلى أن الأطفال يعانون بشكل مباشر من الغارات الجوية، إضافة إلى الآثار غير المباشرة لانهيار الخدمات الحيوية، مثل توقف أو ضعف النظام الصحي، وتعطل إمدادات المياه، وانقطاع العملية التعليمية.
وقالت المنظمة إن «الأطفال في غزة لا يواجهون فقط خطر الموت نتيجة العنف، بل أيضًا خطر الأمراض وسوء التغذية والصدمة النفسية»، مؤكدة أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى جيل كامل يعاني من آثار طويلة الأمد جسديًا ونفسيًا.
انهيار المنظومة الصحية
يأتي هذا التحذير في وقت يشهد فيه القطاع الصحي في غزة ضغوطًا غير مسبوقة. فالمستشفيات تعاني من نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية والوقود اللازم لتشغيل الأجهزة الحيوية، في حين تعمل بعض المرافق الصحية بطاقة محدودة أو خارج الخدمة بالكامل.
وأشارت مصادر طبية وإنسانية إلى أن آلاف الجرحى والمصابين، بمن فيهم الأطفال، لا يحصلون على الرعاية اللازمة في الوقت المناسب بسبب الاكتظاظ ونقص الإمكانيات. كما أدى تدمير البنية التحتية الطبية إلى صعوبة التعامل مع الحالات الطارئة والأمراض المزمنة على حد سواء.
توقف أنشطة أطباء بلا حدود
في تطور يزيد من تعقيد الوضع الإنساني، أعلنت منظمة أطباء بلا حدود أن قرار الكيان الإسرائيلي بوقف أنشطتها في قطاع غزة سيؤدي إلى «عواقب كارثية» على السكان، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الخدمات التي تقدمها المنظمة.
وذكرت المنظمة أنها قدمت خلال عام 2025 أكثر من 800 ألف استشارة طبية للفلسطينيين، وعالجت أكثر من 100 ألف جريح، إضافة إلى توفير أكثر من 700 مليون لتر من المياه. وأكدت أن توقف هذه الجهود سيترك فجوة كبيرة في تقديم الرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية.
وقال الأمين العام للمنظمة، في تصريح صحفي من جنيف، إن «الشعب الفلسطيني اليوم بحاجة إلى المساعدات الإنسانية أكثر من أي وقت مضى»، محذرًا من أن منع دخول المعدات الطبية إلى غزة منذ تلقي المنظمة إنذارًا مدته 60 يومًا في ديسمبر 2025، أدى إلى تدهور القدرة على الاستجابة للاحتياجات الصحية المتزايدة.
أزمة المياه والغذاء
إلى جانب الأزمة الصحية، يعاني قطاع غزة من نقص حاد في المياه النظيفة والغذاء. فقد تعرضت شبكات المياه والصرف الصحي لأضرار جسيمة، ما أدى إلى انتشار المياه الملوثة وزيادة خطر تفشي الأمراض، خاصة بين الأطفال.
وأكدت منظمات إنسانية أن العديد من العائلات تضطر لاستخدام مياه غير صالحة للشرب، في حين يواجه السكان نقصًا في المواد الغذائية الأساسية نتيجة القيود المفروضة على دخول المساعدات والسلع. ويؤدي سوء التغذية، خصوصًا لدى الأطفال، إلى زيادة خطر الإصابة بالأمراض وتأخر النمو الجسدي والعقلي.
التعليم تحت القصف
لم تسلم العملية التعليمية من تداعيات الحرب، إذ توقفت الدراسة في معظم مدارس القطاع، وتضررت أو دُمّرت العديد من المنشآت التعليمية. ونتيجة لذلك، حُرم مئات الآلاف من الأطفال من حقهم في التعليم، ما يزيد من المخاوف بشأن مستقبلهم.
وأكدت يونيسف أن التعليم لا يمثل فقط حقًا أساسيًا، بل يشكل أيضًا عامل حماية نفسي واجتماعي للأطفال في أوقات الأزمات. ومع استمرار إغلاق المدارس، يواجه الأطفال خطر الانزلاق إلى عمالة الأطفال أو التعرض لمخاطر أخرى.
آثار نفسية عميقة
إلى جانب الخسائر البشرية والمادية، يعاني أطفال غزة من آثار نفسية قاسية نتيجة العنف المستمر وفقدان الأمان. فقد أظهرت تقارير إنسانية ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والاضطرابات النفسية بين الأطفال، إضافة إلى ظهور أعراض الصدمة النفسية مثل الخوف المستمر واضطرابات النوم.
وأكدت منظمات مختصة أن الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال أصبح ضرورة ملحة، إلا أن نقص الموارد وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة يعوقان تقديم هذه الخدمات على نطاق واسع.
دعوات دولية لوقف التدهور
في ظل هذا الوضع، دعت منظمات أممية وإنسانية المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين، خاصة الأطفال، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. كما طالبت بضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المرافق الطبية والتعليمية والبنية التحتية المدنية.
وأكدت جهات حقوقية أن استمرار القيود على دخول المساعدات والمعدات الطبية يفاقم الأزمة، داعية إلى فتح ممرات إنسانية آمنة لضمان وصول الغذاء والدواء والمياه إلى السكان.
تحديات العمل الإنساني
يواجه العاملون في المجال الإنساني صعوبات كبيرة في أداء مهامهم داخل قطاع غزة، نتيجة القيود الأمنية ونقص التمويل وخطورة الأوضاع الميدانية. وقد حذرت منظمات دولية من أن تراجع الدعم الدولي قد يؤدي إلى تقليص العمليات الإنسانية في وقت تزداد فيه الحاجة إليها.
وأشارت تقارير إلى أن استمرار الحرب يعرقل جهود إعادة الإعمار أو إصلاح البنية التحتية، ما يطيل أمد الأزمة ويزيد من معاناة السكان، خصوصًا الفئات الأكثر ضعفًا مثل الأطفال والنساء وكبار السن.
مستقبل غامض
مع استمرار الصراع وعدم وجود أفق واضح للحل، يبقى مستقبل أطفال غزة غامضًا. فالأوضاع الحالية تهدد حياتهم وصحتهم وتعليمهم ونموهم النفسي، ما يثير مخاوف من تداعيات طويلة الأمد قد تستمر لسنوات.
وأكدت يونيسف أن حماية الأطفال يجب أن تكون أولوية قصوى، مشددة على أن «كل يوم يمر دون تحسن في الوضع يعني مزيدًا من المعاناة والخطر على حياة الأطفال».
تُظهر التحذيرات المتزايدة من المنظمات الدولية حجم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، حيث يعيش الأطفال في ظروف قاسية تهدد حياتهم ومستقبلهم. وبينما تستمر الدعوات الدولية لوقف التدهور وضمان وصول المساعدات، يبقى الواقع على الأرض صعبًا، ما يستدعي تحركًا عاجلًا وشاملًا لتخفيف معاناة السكان، خاصة الأطفال الذين يدفعون الثمن الأكبر في هذا الصراع المستمر.
