الوقت- في عالم الإعلام الغربي، لا تُقاس الحقيقة بمدى دقتها، بل بمدى توافقها مع مصالح القوة، وحين تتعارض الحقيقة مع الرواية الرسمية، تُدفن، تُشوَّه، أو تُسخر، من هنا، لا يبدو تحوّل الإعلامي البريطاني الشهير بيرس مورغان مفاجئًا بقدر ما يبدو فاضحًا، فالرجل الذي اشتهر خلال السنوات الماضية بدفاعه الصلب، بل العدائي، عن الرواية الإسرائيلية، خرج أخيرًا ليعترف بوقوع تطهير عرقي في غزة، ويؤكد صحة أرقام الضحايا التي أعلنتها وزارة الصحة في القطاع.
التحوّل بحد ذاته ليس بطولة، لكنه لحظة كاشفة، كاشفة ليس فقط لمورغان، بل لمنظومة إعلامية كاملة احتاجت إلى عشرات آلاف الجثث، واعتراف الجيش الإسرائيلي نفسه، وتقارير صحيفة صهيونية مثل “هآرتص”، حتى تسمح لنفسها بقول ما كان واضحًا منذ الأيام الأولى.
بيرس مورغان: من منصة للدفاع إلى شاهد متردد
منذ انطلاق معركة “طوفان الأقصى”، تحوّل برنامج بيرس مورغان إلى مساحة شبه دائمة لتبرير العدوان على غزة، ضيوف مؤيدون لـ"إسرائيل"، تشكيك مستمر في الرواية الفلسطينية، اتهامات مبطنة لوزارة الصحة في غزة بتضخيم الأرقام، وإصرار على تقديم الجيش الإسرائيلي كطرف “يدافع عن نفسه”.
لم يكن مورغان استثناءً، بل نموذجًا، نموذج الإعلامي الغربي الذي يضع “التوازن” قناعًا، بينما يميل عمليًا وبوضوح إلى طرف واحد، لكن الجديد، والمحرج، هو أن هذا النموذج بدأ يتصدع.
حين يستشهد مورغان بتقرير من صحيفة “هآرتص”، ويؤكد أن الجيش الإسرائيلي نفسه يعترف بصحة أرقام الضحايا، فنحن لا أمام اكتشاف صحفي، بل أمام اعتراف متأخر بإنكار طويل.
أرقام الضحايا: الحقيقة التي حاولوا دفنها
لطالما شكّك الإعلام الغربي في أرقام وزارة الصحة في غزة، رغم أن هذه الوزارة لطالما اعتُبرت، حتى من قبل مؤسسات دولية، مصدرًا موثوقًا في الحروب السابقة، لكن في حرب الإبادة الحالية، لم يكن التشكيك تقنيًا، بل سياسيًا.
الهدف كان واضحًا: نزع الإنسانية عن الضحايا، وتحويلهم إلى أرقام مشكوك فيها، لأن الرقم حين يصبح “غير مؤكد”، يصبح القتل أقل فظاعة.
اليوم، ومع اعتراف الجيش الإسرائيلي بصحة هذه الأرقام، وسقوط رواية “المبالغة”، لم يعد السؤال: كم عدد القتلى؟ بل: لماذا كُذّبوا أصلًا؟ ولماذا احتاج العالم إلى اعتراف القاتل ليصدق الضحية؟
هآرتص: حين يقول المعسكر نفسه ما لا يريد سماعه
اللافت في هذه اللحظة أن الاعتراف لم يأتِ من منظمات حقوقية دولية فقط، بل من داخل الإعلام الإسرائيلي نفسه، صحيفة “هآرتص”، المعروفة نسبيًا بمساحتها النقدية، نقلت عن مصادر أمنية إسرائيلية تأكيدها لصحة أرقام القتلى، ووصفت المشهد في غزة بأنه كارثي.
هذا الاعتراف له دلالة خطيرة، فهو يعني أن الإنكار لم يعد قابلًا للاستمرار حتى داخل "إسرائيل"، وأن حجم الجريمة تجاوز قدرة التجميل الإعلامي.
وحين يصل الأمر إلى هذه النقطة، يصبح على شخص مثل بيرس مورغان أن يختار: إما الاستمرار في الإنكار بشكل فج، أو القيام بانعطافة محسوبة تحفظ ما تبقى من مصداقيته.
لماذا الآن؟ سؤال التوقيت لا النوايا
السؤال الجوهري ليس: لماذا اعترف مورغان؟ بل: لماذا الآن؟
الجواب لا يتعلق، على الأرجح، بصحوة ضمير مفاجئة، الإعلام لا يعمل بهذه الرومانسية، ما حدث هو تغيّر في ميزان السردية، الضغوط الشعبية في الغرب، اتساع رقعة التضامن مع فلسطين، تقارير الأمم المتحدة، الخلافات داخل "إسرائيل" نفسها، كلها عوامل جعلت الاستمرار في الرواية القديمة مكلفًا.
بعبارة أبسط: إنكار الحقيقة أصبح عبئًا إعلاميًا.
حين يصبح الدفاع الأعمى عن "إسرائيل" خطرًا على صورة الإعلامي نفسه، تبدأ المراجعات، لا حبًا في الحقيقة، بل خوفًا من العزلة.
الاعتراف بالتطهير العرقي: خطوة ناقصة لكنها كاشفة
وصف ما يجري في غزة بأنه “تطهير عرقي” ليس تفصيلًا لغويًا، هو توصيف قانوني وأخلاقي خطير، ومع ذلك، فإن هذا الاعتراف، رغم أهميته، يبقى ناقصًا إذا لم يُستكمل بسؤال المسؤولية.
من الذي مارس هذا التطهير؟
من الذي وفّر الغطاء السياسي والعسكري؟
ومن الذي ساهم إعلاميًا في تبريره أو التخفيف من حدّته؟
هنا يعود السؤال إلى بيرس مورغان نفسه، وإلى أمثاله، الاعتراف بالحقيقة لا يُلغي دورهم السابق في تشويهها.
الإعلام الغربي: أزمة أخلاق لا مهنية فقط
قضية مورغان ليست فردية. هي مرآة لأزمة أعمق في الإعلام الغربي، حيث تُطبَّق معايير حقوق الإنسان بانتقائية، وتُمنح بعض الشعوب حق الضحية، بينما يُطلب من شعوب أخرى إثبات إنسانيتها أولًا.
غزة لم تكن بحاجة إلى اعتراف مورغان لتكون ضحية، كانت الضحية منذ اللحظة الأولى، لكنها كانت بحاجة إلى هذا الاعتراف لفضح الكذبة الكبرى: أن المشكلة كانت دائمًا في نقص المعلومات، لا في انحياز السردية.
حماس وسلاح المقاومة: جوهر الصراع الذي يُراد تجاهله
في خضم هذه الاعترافات، تعود "إسرائيل" لطرح شرطها القديم الجديد: نزع سلاح المقاومة، وكأن المشكلة لم تكن يومًا الاحتلال، ولا الحصار، ولا القتل الجماعي، بل سلاح الضحية.
تصريحات موسى أبو مرزوق، التي أكد فيها أن سلاح المقاومة غير قابل للتفاوض، تعيد النقاش إلى جذوره، فالمسألة ليست أمن "إسرائيل"، بل استمرار السيطرة، ومن دون فهم هذا الجوهر، تبقى كل “التسويات” مجرد إدارة مؤقتة للصراع.
الحقيقة لا تحتاج إلى إذن
أن يصل بيرس مورغان متأخرًا خير من ألّا يصل أبدًا، نعم، لكن التأخير له ثمن، وهذا الثمن دُفع من دم الفلسطينيين.
الحقيقة لم تكن غامضة، ولم تكن معقدة. كانت واضحة، موثقة، ومصرخ بها منذ اليوم الأول. ما تغيّر ليس الحقيقة، بل قدرة البعض على تجاهلها.
والسؤال الذي سيبقى معلّقًا:
كم حقيقة أخرى ما زالت تنتظر اللحظة التي تصبح فيها “آمنة” كي يُعترف بها؟
الحقيقة، في النهاية، لا تحتاج إلى موافقة بيرس مورغان، لكنها تحتاج إلى إعلام لا يكتشفها بعد فوات الأوان.
