الوقت - بعد أسابيع من انتظار ملايين الغزيين المنكوبين بالحرب خبر إعادة فتح معبر رفح، فُتح المعبر أخيرًا لبضع ساعات يوم الأحد وسط إجراءات أمنية مشددة ومراقبة حدودية دقيقة؛ إلا أن طريقة الافتتاح سرعان ما حوّلت الآمال إلى يأس.
ومن بين الترتيبات الجديدة والمظهر الذي فرضه الصهاينة على المعبر، كان أكثر ما لفت انتباه الرأي العام والإعلام هو الممر الخاص الذي بناه الجيش الصهيوني على طول مدخل المعبر.
في هذا السياق، أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان له عن إنجاز ممر للفحص والتفتيش للقادمين إلى قطاع غزة من مصر، قائلاً: "في إطار الاستعدادات لافتتاح معبر رفح يوم الاثنين، أنجزت القوات المسلحة إنشاء ممر "ريجافيم"، الخاضع لسيطرة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في منطقة تابعة للجيش".
وأوضح البيان أن الأجهزة الأمنية ستتحقق من هويات الداخلين باستخدام قوائم معتمدة من قبل الأجهزة الأمنية، مشيراً إلى أن الممر يأتي ضمن جهود تعزيز الرقابة الأمنية في المنطقة.
من جهة أخرى، صرّح منسق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT) بأن افتتاح المعبر يوم الأحد كان مرحلة تجريبية نُفّذت بالتنسيق مع وفد الاتحاد الأوروبي ومصر وجميع الأطراف المعنية.
وأوضح منسق أعمال الحكومة في المناطق أن بإمكان من غادروا غزة خلال الحرب العودة بعد التنسيق مع مصر والحصول على موافقة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وأضاف إن الوفد الأوروبي سيجري فحصاً أولياً للركاب، يليه إجراءات إضافية عند المعبر الخاضع لسيطرة الجيش.
نشرت مواقع إلكترونية عبرية صورة صادمة تُظهر ممرًا طويلًا من رصيف رديء التبليط، يربط هذا المعبر بين الجانبين الفلسطيني والمصري من معبر رفح، ويُحيط به جدار سميك من الأسلاك الشائكة، شبّه ناشطون المشهد بـ"الأبواب الفولاذية المنزلقة" (المعروفة باسم "مصائد الأسود") التي تستخدمها القوات الإسرائيلية عند بوابات السجون ونقاط التفتيش العسكرية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، أطلق أحد الناشطين على هذا المجمع اسم "سجن غزة المركزي"، في إشارة إلى أكبر سجن بنته "إسرائيل" في غزة منذ عام 1967 وهدمته بعد انسحابها عام 2005.
كما نشرت المواقع الإلكترونية مقطع فيديو يُظهر قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأوروبي تدخل معبر رفح عبر طريق ترابي غير معبد يمر بمنطقة مدمرة. تُظهر الصور بوضوح حجم الدمار والخراب الذي لحق بالمنطقة منذ الغزو الإسرائيلي لرفح في مايو/أيار 2014.
ومن القضايا الأخرى التي لفتت انتباه المراقبين الحجم الهائل للمنشآت العسكرية التي بنتها قوات الاحتلال هناك، وهو ما يتناقض مع الطابع المدني للمعبر.
تفرض قوات الاحتلال قيودًا وضوابط صارمة على المسافرين، وخاصة الجرحى، وتمنعهم من المرور بذريعة أمنية مختلفة.
وقد أثارت إعادة فتح المعبر انتقادات حادة من حركة حماس، حيث وصف المتحدث باسمها حازم قاسم أي عرقلة أو شروط يفرضها الكيان على معبر رفح بأنه انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار، ودعا الوسطاء والدول الضامنة إلى مراقبة سلوك الاحتلال عند المعبر.
وتقدر مصادر صهيونية أن الحد الأقصى اليومي المسموح به لمغادرة غزة عبر هذا المعبر يبلغ حوالي 150 شخصًا، بينما صرح إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي للحكومة في غزة، بأن حوالي 22 ألف مريض وجريح في القطاع بحاجة ماسة للعلاج في الخارج، وقد استكملوا إجراءات الإحالة الطبية.
وبناءً على هذا الوضع، سيستغرق الأمر حوالي 147 يومًا، أي ما يقارب خمسة أشهر، لمغادرة جميع هؤلاء المرضى والجرحى.
حسب بيانات وزارة الصحة في غزة، ينتظر نحو 20 ألف مريض السفر عبر معبر رفح لتلقي العلاج في الخارج، من بينهم 4500 طفل، و4000 مريض سرطان، ونحو 6000 جريح، 440 منهم في حالة حرجة أو طارئة.
ووفقًا لقناة عربي 21، توفي 1268 مريضًا على قائمة انتظار العلاج في الخارج منذ إغلاق المعبر عقب الهجوم الإسرائيلي على رفح، وقد حذرت وزارة الصحة مرارًا من أن المرضى يفقدون أرواحهم يوميًا نتيجةً لهذا الإغلاق.
ولا تقتصر الحاجة إلى السفر على الجرحى والمرضى فحسب، بل إن عشرات الآلاف من الطلاب وحاملي جوازات السفر الأجنبية وتصاريح الإقامة، وغيرهم، ينتظرون أيضًا إعادة فتح معبر رفح.
في المقابل، يركز إعادة فتح المعبر على حركة الأفراد، دون مراعاة الاحتياجات العاجلة لسكان المنطقة، الذين يُقدر أنهم بحاجة إلى وصول ما لا يقل عن 600 شاحنة إغاثة يوميًا.
ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي
أعرب الفلسطينيون على مواقع التواصل الاجتماعي عن دهشتهم إزاء المشاهد الأولى لإعادة فتح معبر رفح، مؤكدين أن ما يُرى في الصور والفيديوهات لا يبشر بخير للمستقبل، ويشير إلى تحويل قطاع غزة إلى غيتوهات وسجن كبير، حيث يتحكم المحتلون بالدخول والخروج عبر بوابات حديدية محاطة بجدار سميك من الأسلاك الشائكة.
شبّه مستخدم من مدينة غزة يُدعى يوسف الأيوبي (غزة) (@yuofufauipy88)1 إعادة فتح معبر رفح بسجن، فكتب: "قبل فترة، كان معبر رفح أشبه بسجن غوانتانامو!".
كما وصف مستخدم آخر يُدعى إسلام بدر (@islambader_1988) إعادة فتح المعبر بـ"سجن غزة المركزي" في تشبيه مماثل.
وكتب مستخدم آخر يُدعى محمد هنية: "لم يشهد التاريخ معبرًا كهذا قط".
وعلّق مستخدم آخر، أحمد عبد العال (@ahbk_abdelal)1، قائلاً: "معبر رفح... بوابة، حصار لا ينتهي... الباب الأخير، أطول انتظار... اللهم ارزق أهل غزة السلام".
كتب إسلام حبيب مع غزة (@ISLAMHABIB6): "يقولون: 'تم فتح معبر رفح'". تلخص هذه الصورة الواقع: الدخول المهين إلى غزة عبر ممر السجن، كم تندم على قرار العودة، وكم لو كنت قد غادرت لما فكرت بالعودة أصلًا، هذه ليست مدينة غزة، بل معسكر اعتقال ضخم! يستمر القتل في ظل انتهاك وقف إطلاق النار".
بينما كانت الاستعدادات تُجرى على ما يبدو لإعادة فتح المعبر ومرور المدنيين، استمرت الهجمات الدامية حتى لحظة فتحه، يوم السبت، أي قبل يوم من موعد فتح المعبر، شهدت غزة تصعيدًا في القصف، أسفر، وفقًا لمصادر محلية، عن عشرات القتلى والجرحى، بل ذكرت بعض التقارير استشهاد 29 شخصًا في هذه الهجمات.
يوم الأحد، وفي الوقت نفسه الذي كان يُجرى فيه اختبار المعبر، قتلت غارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيرة في المناطق الشمالية الغربية من رفح فلسطينيًا آخر.
وصف المكتب الإعلامي للحكومة الفلسطينية هذه الأعمال بأنها انتهاك ممنهج وواسع النطاق، مؤكداً أنه منذ بدء سريان قرار وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى نهاية يناير/كانون الثاني 2026، أي لمدة 111 يوماً، ارتكبت القوات الإسرائيلية مئات الانتهاكات يومياً، ما يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.
وتُظهر الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة في غزة حجم الكارثة الإنسانية المستمرة بأرقام مروعة، ووفقاً للوزارة نفسها، ارتفع عدد الضحايا المباشرين لانتهاكات وقف إطلاق النار إلى 523 قتيلاً و1443 جريحاً منذ بدء سريانه، ما يُثبت أن القتال لم يتوقف فعلياً، وحسب آخر الإحصاءات، فقد بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين منذ الـ 7 من أكتوبر/تشرين الأول 2023، 71795 شهيداً و171551 جريحاً.
وقد طُرحت روايتان متناقضتان تماماً رداً على هذه الأحداث. من جهة، يُصوّر الصهاينة الهجمات الأخيرة كردٍّ ضروري على العمليات العسكرية لحماس، مثل انسحاب عناصرها من نفق في رفح، ويُبرّرونها في إطار الدفاع عن النفس. ومن جهة أخرى، وصف حازم قاسم، المتحدث باسم حماس، هذه الادعاءات بأنها أكاذيب وذريعة لتبرير مجزرة المدنيين، مُشدّدًا على تجاهل "إسرائيل" للوسطاء والضامنين للاتفاق.
في الوقت نفسه، تُقدّم مؤسسات حقوق الإنسان الدولية روايةً أكثر قسوة، فقد وصف صلاح عبد العاطي، رئيس اللجنة الدولية لحماية حقوق الشعب الفلسطيني، تحركات "إسرائيل" في عام 2025 بأنها استمرار لسياستها الإبادية ضد سكان غزة.
وصف آلية هذا العمل بأنها "استخدام مفرط للقوة العسكرية على نطاق واسع، وتدمير ممنهج للبنية التحتية، وتجويع متعمد، وفرض ظروف معيشية قاتلة"، وأشار إلى حجم الدمار: فقد تضرر أو دُمر أكثر من 90% من البنية التحتية السكنية، وتحولت مئات الآلاف من الوحدات السكنية إلى أنقاض، ونزوح شبه كامل للسكان، يُعدّ من أكبر عمليات النزوح القسري في هذا القرن.
وبالتالي، لم يقتصر اتفاق وقف إطلاق النار على عدم إنهاء العنف اليومي، بل أصبح مسرحًا لاستمرار قتل المدنيين وتدمير ما تبقى من البنية التحتية الحيوية.
ويصاحب إعادة فتح معبر رفح في ظل هذا العنف وانعدام الثقة والدمار، من جهة، ادعاءات بتسهيل الشؤون الإنسانية، بينما من جهة أخرى، تحيط به حصيلة يومية للقتلى وروايات تتراوح بين "الانتهاكات الممنهجة" و"الإبادة الجماعية"، هذا التناقض الصارخ يثير تساؤلات جدية حول إمكانية تحقيق سلام دائم وتحسن حقيقي في الأوضاع الإنسانية في ظل استمرار هذا المستوى من العنف الممنهج.
