الوقت - لم يمضِ بعدُ يومٌ على المفاوضات غير المباشرة التي جمعت بين واشنطن وطهران برعاية سلطنة عُمان ووساطتها، حتى سارعت الولايات المتحدة إلى الإعلان عن فرض حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية ضد إيران. وبينما أفادت التقارير بأنّ مفاوضات مسقط أفضت إلى تفاهمٍ بين الطرفين على مواصلة الحوار، جاء الإعلان عن هذه العقوبات ليُثير التساؤلات حول أهداف واشنطن الحقيقية. فقد أطلّ فجر السبت، بتوقيت طهران، ليعلن البيت الأبيض أنّ ترامب قد وقّع على قرارٍ تنفيذي جديد، يتضمّن فرض عقوبات ثانوية على إيران.
وفي تطوّرٍ آخر، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن إدراج أربعة عشر سفينة، تُعرف بـ"أسطول الظل" المرتبط بما تزعم واشنطن أنه تجارة غير مشروعة للنفط الإيراني ومشتقاته، ضمن قائمة العقوبات. كما شملت العقوبات خمس عشرة مؤسسةً على صلة بنقل النفط الإيراني، فضلاً عن إدراج اسمَي شخصيتين في قائمة المستهدفين.
رد ترامب على المفاوضات: رسومٌ جمركية ثقيلة ضد شركاء إيران
في بيان رسمي، كشف البيت الأبيض عن ملامح القرار التنفيذي الجديد الذي وقّعه ترامب، والذي يُظهر بجلاء خطط الإدارة الأمريكية لتشديد قبضة العقوبات على إيران. وقد تضمن البيان النقاط التالية:
معاقبة الدول المتعاملة مع إيران: بموجب هذا القرار التنفيذي، ستفرض الولايات المتحدة “رسوماً جمركية باهظة” على السلع والخدمات القادمة من الدول التي تتعامل مع إيران، سواء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر. ويضع هذا القرار شركاء إيران التجاريين القلائل أمام معضلة الاختيار بين السوق الأمريكية أو استمرار التعامل مع إيران.
التلويح بالعمليات العسكرية: أشار القرار إلى ما يُسمّى بـ"عملية مطرقة منتصف الليل"، التي يدّعي البيت الأبيض بأنها استهدفت منشآت إيران النووية، في خطوةٍ تحمل رسالةً واضحةً عن استعداد واشنطن لاستخدام القوة العسكرية إذا دعت الحاجة.
التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية بذريعة دعم الشعب: لم يخلُ القرار التنفيذي من تلميحاتٍ مباشرة إلى الأوضاع الداخلية في إيران، حيث وصف البيت الأبيض إجراءات السلطات الإيرانية لمواجهة أعمال الشغب بأنها “قمعٌ للاحتجاجات”، في محاولةٍ لتبرير تدخلاته تحت ستار نصرة الشعب الإيراني.
ضغوط قصوى لصفقة جديدة: أكّد ترامب في قراره التنفيذي أنّه لن يسمح مطلقاً لإيران بامتلاك السلاح النووي.
معنى العقوبات في ظل المفاوضات
في ميدان السياسة الخارجية للولايات المتحدة، تُعتبر العقوبات الاقتصادية من أعظم أدوات الضغط التي تسخرها واشنطن ضد خصومها، حتى غدت أشبه بسلاحٍ اقتصاديٍّ فتاك، يتداوله الرؤساء الأمريكيون جيلاً بعد جيل. وليس من الغرابة أن يصفها المفكرون في أرجاء المعمورة بهذا الوصف، إذ إنها أضحت ركيزةً أساسيةً في استراتيجية الهيمنة الأمريكية. وعلى هذا النهج، لجأ ترامب بالأمس، وفي خضم المفاوضات، إلى استخدام هذا السلاح الاقتصادي ضد إيران، في خطوةٍ تكشف بجلاء أن واشنطن لا تطمح من الحوار إلى الاتفاق، بل تطلب الاستسلام والخضوع!
إنّ فرض العقوبات القاسية الأخيرة، عبر القرار التنفيذي الذي وقّعه ترامب، يُظهر أنّ الرئيس الأمريكي يسعى لتجنّب المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، مفضّلاً أن تكون المفاوضات ميدان المواجهة. ومع ذلك، فإنّ هذه المفاوضات تترافق مع عقوباتٍ جديدة، تهدف إلى تعميق الضغط على الطرف الإيراني. وهنا يبرز التساؤل: كيف يمكن توقع أن تتوقف العقوبات الأمريكية حتى في حال التوصل إلى اتفاق؟
يرى الخبراء أنّ هذه الاستراتيجية المزدوجة، القائمة على التلاعب بخيوط العقوبات والمفاوضات في آنٍ واحد، ليست تناقضاً كما يبدو للوهلة الأولى، بل هي جزءٌ من سياسة “الضغط الأقصى”. إذ تسعى واشنطن، عبر الجمع بين سلاح الاقتصاد وطاولة الحوار، إلى إبقاء طهران في دائرة التفاوض دون أن تتخلى عن أدوات الضغط القاسية. غير أن هذا النهج المزدوج يزرع بذور عدم الثقة في النفوس، ويهدد بمآلاتٍ قد تُفضي إلى انهيار المفاوضات في مراحلها المقبلة، وربما إلى قطيعةٍ طويلة الأمد بين الطرفين.
استراتيجية ترامب: الضغط الأقصى بصيغةٍ هجوميةٍ أشدّ ضراوةً
القرار التنفيذي الجديد الذي أصدره ترامب يعكس بوضوح نهج إدارته الثانية، حيث سعى إلى الجمع بين سياسة الضغط الأقصى التي انتهجها في ولايته الأولى وأدواتٍ أكثر هجوميةً، كفرض رسومٍ جمركية عقابية عالمية، وصولاً إلى التلويح بعملياتٍ عسكريةٍ مباشرة. ويُظهر هذا المزيج محاولةً لتطويع إيران وإرغامها على الرضوخ لشروط واشنطن. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يستطيع ترامب فعلاً أن يحقّق أهدافه من خلال هذا التصعيد؟
فشل الضغط الأقصى
يرى العديد من المحللين، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، أنّ الاعتماد المفرط على سياسة العقوبات قد ولّد أضراراً اقتصاديةً وسياسيةً على واشنطن نفسها، وأنّ استمرار هذا النهج على المدى الطويل لا يؤدي إلا إلى تقوية عزيمة الأطراف المستهدفة.
ويمكن استشفاف ملامح هذا الصمود من تجربة إيران، التي خاضت أربعة عقودٍ من العقوبات الأمريكية القاسية. فرغم وضوح وطأة هذه العقوبات، إلا أنّها دفعت إيران نحو مسارٍ من الاعتماد على الذات، حتى تمكنت من تحقيق مستوياتٍ ملحوظةٍ من الاكتفاء الذاتي في مجالاتٍ استراتيجية، كإنتاج البنزين، والقمح، والمواد الأولية لصناعات الحديد والصلب. لقد دفعت الولايات المتحدة، من حيث لا تدري، إيران إلى تبني نهجٍ اقتصادي يحصّنها ضد تأثيرات العقوبات، ويُقلل من ارتهانها للأسواق الخارجية.
وفي هذا السياق، أشار “جاك لو”، وزير الخزانة الأمريكي في عهد أوباما، خلال خطابه في 30 مارس 2016 بمؤسسة كارنيغي، إلى ما أسماه خطر الإفراط في استخدام سلاح العقوبات، قائلاً: “هناك خطرٌ حقيقي من أن يؤدي الاستخدام المفرط للعقوبات إلى تقويض فعاليتها. ينبغي أن نعي تماماً أنّ الإكثار من فرض العقوبات، قد يفضي إلى إضعاف سلاحنا الاقتصادي ذاته”.
سابقاً، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال تقريراً تناول تأثير العقوبات الأمريكية والغربية على دولٍ كإيران، مشيرةً إلى أنّ هذه العقوبات لم تحقق أهدافها المرجوة، بل على العكس، دفعت الدول المستهدفة إلى تشكيل محاور تحالفٍ غير رسميةٍ فيما بينها. وأكد التقرير أنّ هذه الدول، ومن بينها إيران، نجحت في تطوير استراتيجياتٍ فاعلةٍ لتحييد آثار العقوبات، بل وتحويلها إلى فرصٍ لتعزيز التعاون الاقتصادي فيما بينها، مُشكّلةً بذلك كتلةً من الدول التي باتت أكثر مقاومةً للعقوبات الدولية.
