الوقت - لقد شاءت الأقدار أن يتحوّل استطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة “معاريف” العبرية إلى منبرٍ غير مقصودٍ يُجسّد صدى الصوت الحقيقي للرأي العام في العالم العربي؛ صوتٍ يتصادم بعمقٍ مع مشاريع التطبيع، وسرديات التخويف من إيران، ودعاوى السلام الزائفة التي تروّج لها "إسرائيل".
إن نشر نتائج هذا الاستطلاع الشامل من قِبل الصحيفة العبرية “معاريف”، وفي توقيتٍ بالغ الحساسية وسط تحولات المنطقة، يتجاوز كونه مجرد خبرٍ عابرٍ عن اتجاهات الرأي العام، بل يمكن وصفه بـ"استفتاءٍ صامت"، يعكس موقف الشعوب العربية إزاء المعادلات الأمنية والسياسية والجيوسياسية في غرب آسيا. هذا الاستطلاع، الذي أجراه “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في الدوحة، يكشف النقاب عن فجوةٍ عميقةٍ وذات دلالة بين توجهات الرأي العام العربي وبين الروايات الرسمية التي تتبناها الحكومات، وسائل الإعلام الكبرى، ومشاريع التطبيع مع الكيان الصهيوني.
وبحسب نتائج الاستطلاع، فإن 44% من المشاركين من الدول العربية يعتبرون الكيان الصهيوني التهديد الأول لأمنهم، بينما وضع 21% الولايات المتحدة في المرتبة الثانية ضمن قائمة التهديدات. وعلى النقيض، جاءت إيران في المرتبة الثالثة بفارقٍ كبيرٍ، حيث لم تتجاوز نسبة من يعتبرها تهديداً 6% فقط؛ وهي إحصائيةٌ تطرح تساؤلاتٍ كبرى وتُبرز تناقضاً صارخاً مع الحملة الدعائية الضخمة المناهضة لإيران التي شهدتها السنوات الأخيرة، لتصبح هذه النتائج في حد ذاتها رسالةً ذات مغزى عميق.
استطلاع الرأي في ظل غضب تل أبيب من الوساطة العربية
إن توقيت نشر هذه النتائج يحمل دلالاتٍ خاصة، إذ جاء في خضم جهودٍ متصاعدةٍ تبذلها بعض الدول العربية للقيام بدور الوسيط بين إيران وأمريكا، بهدف تهدئة الأجواء الإقليمية وخفض مستوى التوتر. هذه التحركات أثارت حنق الأوساط الصهيونية وأقلقتها بشكلٍ واضح. فعلى مدى الأشهر الأخيرة، أعربت تل أبيب مراراً عن استيائها من أي مساعٍ لتخفيف التوتر بين طهران وواشنطن، أو لإعادة تعريف الدور الإقليمي لإيران، نظراً لأن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تعتمد بشكلٍ أساسي على استراتيجية “التخويف من إيران” والإبقاء على حالة التوتر الدائم في المنطقة.
وفي ظل هذه الأجواء، يمكن النظر إلى نتائج هذا الاستطلاع كضربةٍ سياسية ونفسية موجعةٍ للمشروع الأمريكي-الصهيوني الذي يسعى إلى ترسيخ صورة "إسرائيل" وأمريكا باعتبارهما “صانعي أمن” في المنطقة. غير أن الرأي العام العربي، بخلاف ما تروّج له بعض الحكومات، لا يرى في التحالف العسكري مع الولايات المتحدة مصدر استقرار، بل يعتبره السبب الأكبر للفوضى وأحد أبرز مصادر التهديد المباشر لأمنه.
استفتاءٌ ضدّ تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني
إنّ من أعظم الرسائل التي يحملها هذا الاستطلاع، كشف النقاب عن انعدام الشرعية الشعبية لمشروع تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني. تلك الاتفاقيات، كاتفاقية “أبراهام”، التي أُبرمت تحت مظلّة الدعم الأمريكي المباشر، وبإسنادٍ إعلاميٍّ مكثّف يروّج لها كـ"طريقٍ للسلام والرخاء"، تقف اليوم أمام تيار الرأي العام العربي، وقد أُثقلت بأزمةٍ عميقةٍ في شرعيتها.
وحين يرى 44% من العرب في تل أبيب تهديداً رئيساً لأمنهم، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: على أيّ أساسٍ اجتماعيٍّ أو وطنيٍّ تستند تلك الحكومات المُطبّعة حينما تُقدّم تل أبيب شريكاً استراتيجياً لها؟ إنّ هذا الشرخ البالغ بين الحكومات والشعوب لا يكتفي بتقويض ركائز مشروع التطبيع، بل يفضح حقيقة أنّ هذا المسار، بعيداً عن كونه خياراً شعبياً، إنما هو وليد الضغوط الخارجية، والمصالح الأمنية المؤقتة، وارتهانٍ سياسيٍّ لواشنطن.
تأييدٌ ضمنيٌّ لنهج إيران ومحور المقاومة في القضية الفلسطينية
أما تصنيف إيران في المرتبة الثالثة ضمن قائمة التهديدات الأمنية، بنسبةٍ لم تتجاوز 6%، رغم أنها لطالما صُوّرت كعدوٍّ رئيسيٍّ للعرب، فيحمل دلالاتٍ تتجاوز مجرّد الأرقام. هذه النتيجة تُشكّل شهادةً غير مباشرةٍ على صواب النهج الذي تبنّته إيران ومحور المقاومة حيال القضية الفلسطينية، ومواجهة سياسات التوسّع الصهيونية.
إنّ الرأي العام العربي، على خلاف ما يُروَّج له، يُدرك بفطنته الفارقة الفرق بين “المقاومة” و"زعزعة الاستقرار". بالنسبة لشريحةٍ واسعةٍ من شعوب المنطقة، يُنظر إلى دعم إيران لفلسطين، ورفضها للاحتلال، ومواقفها المناهضة للتدخلات الأجنبية، على أنها جزءٌ من معادلة الردع في وجه "إسرائيل"، والطريق السديد لإنقاذ الشعب الفلسطيني من ظلمٍ تاريخيٍّ مستدام. وهذه الرؤية الشعبية تُعدّ رصيداً معنوياً واستراتيجياً لمحور المقاومة، سيظلّ له أثرٌ بالغٌ في صياغة المشهد الإقليمي القادم.
فجوةٌ صارخة بين مواقف الحكومات والرأي العام العربي
ومن بين أبرز الأبعاد التي أزاح عنها الاستطلاع الستار، ذلك التباين الشاسع بين أولويات الأمن المعلنة للحكومات العربية وما يستشعره عامة الناس من تهديداتٍ إقليمية. فبينما تُصرّ بعض الحكومات، لا سيّما في منطقة الخليج الفارسي، على تصوير “التدخلات الإيرانية” كأكبر خطرٍ يتهدّد المنطقة، نجد أن الشعوب العربية ترفض هذه الرواية، وتركّز أنظارها على "إسرائيل" وأمريكا باعتبارهما المصدرين الرئيسين للقلق الأمني.
ولا شكّ أنّ تجاهل هذا التناقض الداخلي بين الشعوب والحكومات يحمل تبعاتٍ ثقيلةً على المدى البعيد، إذ إنّ إغفال نبض الجماهير قد يُفضي إلى تآكل شرعية الأنظمة، وتصاعد موجات السخط الشعبي، وربما إلى اضطراباتٍ داخلية. ويزداد هذا الخطر في ظل حقيقة أنّ القضية الفلسطينية ما تزال تتربع على عرش الهوية السياسية والاجتماعية للعالم العربي.
إخفاق الحرب الإعلامية ضد خطاب المقاومة
يمكن النظر إلى نتائج هذا الاستطلاع بوصفها شهادةً دامغةً تُثبت فشل الحملات الإعلامية الموجّهة ضد خطاب المقاومة. فعلى مدى سنواتٍ خلت، دأبت شبكاتٌ إعلامية محلية وعالمية على محاولة تشويه صورة المقاومة، بتصويرها على أنها مصدرٌ للخراب والفوضى والتخلّف، وتقديم التطبيع والتحالف مع الغرب كطوق النجاة الوحيد.
غير أنّ الرأي العام العربي، على عكس ما أملت هذه الحملات، لم ينحرف عن خط المقاومة قيد أنملة. بل تشي المؤشرات بتنامي الالتفاف الشعبي حول هذا الخطاب، مع تصاعد الوعي تجاه جرائم "إسرائيل" في غزّة والضفة الغربية والقدس، وتزايد الشكوك في الدور الأمريكي المشبوه داخل المنطقة.
مقياس واضح بين صُنّاع الاستقرار ومسبّبي الفوضى في نظر الشعوب
لعلّ الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من نتائج هذا الاستطلاع، هي تقديم معيارٍ جليٍّ يُفرّق بين صنّاع الاستقرار ومُسبّبي الفوضى في المنطقة. ففي ميزان الشعوب العربية، تبدو أمريكا والكيان الصهيوني كأكبر مصادر انعدام الأمن، ووقوداً للحروب والاضطرابات. وتنسجم هذه الرؤية مع المطالب المتزايدة بإجلاء القوات الأجنبية عن أراضي المنطقة.
وفي المقابل، تُعتبر الأطراف التي تقف في وجه الاحتلال والتدخّلات الخارجية، جزءاً من معادلة الردع وإعادة التوازن الإقليمي في أعين الرأي العام. وهذه الحقيقة ينبغي أن تكون حاضرةً بقوةٍ في حسابات القوى الإقليمية والدولية لدى رسم استراتيجياتها المستقبلية.
