الوقت- في ظل استمرار التدهور الإنساني والصحي في قطاع غزة، أطلقت منظمة أطباء بلا حدود تحذيرات شديدة اللهجة من التداعيات الخطيرة للقيود المفروضة على عملها من قبل الكيان الإسرائيلي، مؤكدة أن تعطيل أنشطة المنظمات الإنسانية سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الصحية والإنسانية في واحدة من أكثر المناطق هشاشة في العالم. وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه القطاع من آثار حرب طويلة دمّرت البنية التحتية الصحية وأضعفت قدرة المؤسسات الطبية على الاستجابة لاحتياجات السكان المتزايدة.
أرقام تكشف حجم الكارثة الإنسانية
أعلنت منظمة أطباء بلا حدود أنها قدمت خلال عام 2025 وحده أكثر من 800 ألف استشارة طبية للفلسطينيين في قطاع غزة، وعالجت ما يزيد عن 100 ألف مصاب، إلى جانب توفير أكثر من 700 مليون لتر من المياه للسكان، في ظل نقص حاد في الموارد الأساسية. وتؤكد هذه الأرقام، بحسب المنظمة، الدور الحيوي الذي تلعبه في دعم النظام الصحي المنهك داخل القطاع، حيث تساهم في تشغيل عدد كبير من المرافق الطبية وتوفير الرعاية المنقذة للحياة.
وتشير المنظمة إلى أنها تدعم سريراً واحداً من كل خمسة أسرّة في مستشفيات غزة، وتساعد واحدة من كل ثلاث أمهات أثناء الولادة، كما تؤمّن جزءاً كبيراً من الاحتياجات اليومية من المياه لنحو 30 في المئة من سكان القطاع. وتؤكد أن توقف هذه الخدمات سيؤدي إلى عواقب وخيمة، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في أعداد الجرحى والمرضى، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية.
قيود متزايدة وتعطيل إدخال الإمدادات الطبية
وفقاً لبيان المنظمة، فإن فرقها لم تتمكن من إدخال معدات طبية إلى قطاع غزة منذ تلقيها تحذيراً من السلطات الإسرائيلية في ديسمبر 2025، ما أدى إلى عرقلة خطيرة في عملها الإنساني. وذكرت أن هذه القيود جاءت في سياق قرار أوسع يقضي بوقف نشاط عشرات المنظمات الإنسانية الدولية في القطاع، بدعوى عدم تقديم قوائم بأسماء الموظفين الفلسطينيين العاملين لديها.
وتوضح المنظمة أنها رفضت تسليم هذه القوائم بسبب غياب ضمانات واضحة لحماية سلامة موظفيها وخصوصية بياناتهم، فضلاً عن القلق من تأثير ذلك على استقلالية العمل الطبي الإنساني. وتعتبر أن هذا الشرط يضع المنظمات أمام خيار صعب بين تعريض موظفيها للخطر أو وقف المساعدات الطبية الطارئة للسكان.
تحذيرات من تداعيات إنسانية كارثية
صرّح الأمين العام لمنظمة أطباء بلا حدود في جنيف، كريستوفر لوكير، أن الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بحاجة ماسة اليوم إلى الدعم الإنساني أكثر من أي وقت مضى، مشيراً إلى أن وقف أنشطة المنظمة سيؤدي إلى تداعيات كارثية على الوضع الصحي والإنساني. وأضاف أن المنظمة حاولت منذ مارس 2025 التواصل مع الحكومة الإسرائيلية لفهم طبيعة الإجراءات المفروضة والحصول على ضمانات لحماية موظفيها، لكنها لم تتلقَّ أي التزامات واضحة بهذا الشأن.
وأكد لوكير أن جميع المنظمات الإنسانية لها الحق والواجب في الحصول على ضمانات أمنية لحماية طواقمها، وأن غياب هذه الضمانات يعرض حياة العاملين للخطر ويقوّض قدرتهم على تقديم خدمات طبية مستقلة ومحايدة. ودعا المجتمع الدولي إلى الضغط على الكيان الإسرائيلي لرفع القيود المفروضة على العمل الإنساني وضمان وصول المساعدات إلى المدنيين المحتاجين.
النظام الصحي في غزة على حافة الانهيار
من جهته، حذّر مدير عام المستشفيات في غزة، الدكتور محمد زقوت، من التداعيات الخطيرة لقرار منع أو تقييد عمل المنظمات الدولية، مؤكداً أن هذه المنظمات كانت تشكّل العمود الفقري لدعم النظام الصحي، خصوصاً خلال سنوات الحرب. وأوضح أن العديد منها لعب دوراً أساسياً في إنشاء مستشفيات ميدانية وتقديم خدمات طبية متخصصة في مجالات الجراحة العامة والطوارئ وجراحة العظام وعلاج الحروق، إضافة إلى توفير الأدوية والمستلزمات الطبية.
وأشار زقوت إلى أن غياب هذه المنظمات سيؤدي إلى تدهور كبير في مستوى الرعاية الصحية وزيادة معاناة المرضى والجرحى، محذراً من أن ذلك قد يتسبب في ارتفاع عدد الوفيات نتيجة نقص العلاج والخدمات الطبية الأساسية. كما شدد على أن استمرار القيود المفروضة على دخول الإمدادات الطبية والوقود سيجعل المستشفيات غير قادرة على الاستمرار في العمل.
جدل حول دوافع القيود المفروضة
يرى مراقبون أن الخلاف بين أطباء بلا حدود والكيان الإسرائيلي يعكس توتراً أوسع بشأن عمل المنظمات الإنسانية في مناطق النزاع، حيث تتهم المنظمة السلطات الإسرائيلية باستخدام مبررات إدارية وأمنية لعرقلة وصول المساعدات. في المقابل، تؤكد الجهات الإسرائيلية أن الإجراءات تهدف إلى تنظيم عمل المنظمات وضمان الشفافية الأمنية، وهي مسألة محل جدل واسع بين الأطراف المختلفة.
ويحذر خبراء في العمل الإنساني من أن تسييس المساعدات أو فرض قيود مشددة على المنظمات الطبية قد يؤدي إلى تقويض المبادئ الأساسية للعمل الإنساني، وعلى رأسها الحياد والاستقلالية، ما يهدد بتفاقم الأزمات الإنسانية بدلاً من احتوائها.
الاحتياجات الإنسانية تتزايد بشكل غير مسبوق
يواجه سكان قطاع غزة ظروفاً معيشية صعبة نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء. ويعاني مئات الآلاف من نقص الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية، فيما تستمر أعداد المصابين والمرضى في الارتفاع. وتؤكد المنظمات الإنسانية أن القطاع يحتاج إلى تدفق مستمر للمساعدات الطبية والإنسانية لتجنب انهيار كامل للنظام الصحي.
وتشير تقارير إنسانية إلى أن العديد من المستشفيات تعمل بقدرة محدودة بسبب نقص الوقود والمعدات، وأن الطواقم الطبية تعاني من ضغط هائل في ظل الإمكانات المحدودة. كما أن انتشار الأمراض وسوء التغذية يزيد من تعقيد الوضع الصحي، خاصة بين الأطفال وكبار السن.
دعوات دولية لرفع القيود
دعت منظمة أطباء بلا حدود المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لضمان استمرار العمل الإنساني في غزة، مؤكدة أن منع أو تقييد نشاط المنظمات سيؤدي إلى عواقب إنسانية خطيرة. كما شددت على ضرورة احترام القانون الإنساني الدولي وضمان وصول المساعدات الطبية إلى المدنيين دون عوائق.
ويرى محللون أن استمرار القيود قد يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ أخلاقي وإنساني كبير، خاصة في ظل الحاجة الملحّة لتقديم الدعم لسكان القطاع. وتطالب منظمات حقوقية بفتح ممرات إنسانية آمنة وضمان حماية العاملين في المجال الإنساني.
مستقبل العمل الإنساني في غزة
مع استمرار التوترات والقيود المفروضة، يبقى مستقبل العمل الإنساني في قطاع غزة غير واضح. وتخشى المنظمات الطبية من أن يؤدي تراجع الدعم الدولي أو استمرار القيود إلى كارثة صحية واسعة النطاق، خاصة مع تزايد الاحتياجات الإنسانية. وتؤكد أطباء بلا حدود أنها ستواصل جهودها لتقديم الرعاية الطبية والدعم الإنساني قدر الإمكان، لكنها تحتاج إلى بيئة آمنة وضمانات حقيقية لمواصلة عملها.
وفي ظل هذه التطورات، يبقى السؤال المطروح: هل سيتمكن المجتمع الدولي من ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة وحماية العمل الطبي من القيود السياسية والأمنية، أم أن الأزمة الإنسانية ستتفاقم أكثر، لتضيف فصلاً جديداً من المعاناة لسكان القطاع؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل الوضع الصحي والإنساني في غزة في الأشهر والسنوات القادمة.
