الوقت- في خضم تصاعد التوترات التي تعصف بالمنطقة، كانت أنظار الإعلام والمراقبين السياسيين شاخصةً نحو إسطنبول على مدار اليومين الماضيين، حيث حلّ عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، ضيفاً على كبار مسؤولي حكومة رجب طيب أردوغان، رئيس الجمهورية التركية. وقد شهدت هذه الزيارة لقاءات رفيعة المستوى ومباحثات متعددة الأطراف، حيث اجتمع عراقجي بنظيره التركي وبالرئيس أردوغان، وتمحورت النقاشات حول سبل الحيلولة دون تفاقم التوتر وزعزعة الاستقرار في المنطقة.
رسالة عراقجي من تركيا
في حديثه مع قناة “سي إن إن ترك” حول نتائج محادثاته في إسطنبول، شدّد وزير الخارجية الإيراني على أن “الظروف الراهنة لا توفّر أرضيةً جادةً للتفاوض. ولتحقيق مفاوضات حقيقية ومثمرة، ينبغي أولاً إزالة أجواء التهديد والضغوط. فلا يمكن إحراز أي تقدم دون التوصل إلى اتفاق واضح حول الإطار والمضمون وقواعد المفاوضات”.
وأضاف عراقجي قائلاً: “إذا ما تعرضنا لأي هجوم، فإن ردّنا سيكون قاسياً وقوياً للغاية. نحن نملك القدرة على الدفاع عن أنفسنا ولسنا بحاجة إلى أحد. ومع ذلك، تبقى الدبلوماسية هي الأولوية القصوى لإيران، ونأمل أن تسود الحكمة ومنطق الحوار”.
وفي تعليق له على لقاءاته في تركيا، كتب الدكتور عراقجي: “كان اللقاء مع الرئيس أردوغان ومع وزير الخارجية هاكان فيدان فرصةً مثمرةً وبناءةً لتبادل وجهات النظر حول العلاقات الثنائية بين إيران وتركيا، وكذلك حول القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك. وقد أكدت مجدداً خلال هذه اللقاءات أن إيران لم تسعَ يوماً إلى امتلاك السلاح النووي، وهي مستعدة للدخول في اتفاق نووي عادل ومنصف يضمن المصالح المشروعة للشعب الإيراني. إننا نطمح إلى اتفاق يحقق ضمانات واضحة بعدم السعي لامتلاك السلاح النووي، ويرفع العقوبات بشكل فعّال”.
كما أشاد عراقجي بالدور البنّاء الذي تلعبه تركيا، جنباً إلى جنب مع الدول الشقيقة المجاورة، في سبيل تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، قائلاً: “إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تُثمن هذه الجهود وتستقبلها بكل ترحاب”. وأكد عراقجي مجدداً أن “إيران مستعدة دائماً للتعاون والتفاعل مع دول المنطقة، وذلك بهدف صون السلام والاستقرار وحماية المنطقة من أي تجاوزات غير قانونية”.
البرنامج الصاروخي ليس قابلاً للتفاوض
وفي مؤتمر صحفي مشترك عُقد يوم الجمعة المنصرم، مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في إسطنبول، صرّح عباس عراقجي بحزم أن “قدرات إيران الصاروخية والدفاعية تُعدّ من أعمدة الحفاظ على الأمن القومي، وهي ليست موضوعاً قابلاً للتفاوض بأي حال من الأحوال”.
وأکد عراقجي على أن طهران لن تساوم على سيادتها أو أمنها، وأنها ستظل ثابتةً في مواقفها، مستعدةً للتعاون مع من يسعى إلى تحقيق الاستقرار، ومواجهة من يحاول إشعال فتيل الفوضى في المنطقة.
کما أشار عباس عراقجي إلى شروط واشنطن لإبرام اتفاق جديد مع طهران، وقال إن الجمهورية الإسلامية على أتم الاستعداد لخوض مفاوضات عادلة ومنصفة، غير أن الحوار الذي يُجرى تحت ظلال التهديد لا يُعدّ تفاوضاً حقيقياً، وأن إيران لن تشارك في أي مفاوضات تُفرض نتائجها قبل أن تبدأ. وأكد عراقجي أنه لا توجد حالياً أي خطط لعقد لقاءات أو حوارات مع المسؤولين الأمريكيين، مشيراً إلى أن تركيا وبعض الدول الأخرى تعمل على صياغة إطار محتمل لمفاوضات مستقبلية.
وفي معرض حديثه عن التقارير المتعلقة بخيارات عسكرية جديدة تلوّح بها الولايات المتحدة ضد الجمهورية الإسلامية، شدّد عراقجي على أن أي تحرك عسكري سيُقابل بردّ أشدّ وأقسى مما شهدته الحرب ذات الأيام الاثني عشر. وحذّر من أن أي مواجهة جديدة، في ظل احتمال تدخل مباشر من الولايات المتحدة، ستكون مختلفةً في طبيعتها عن النزاعات السابقة، وتحمل في طياتها إمكانات التحول إلى حرب إقليمية شاملة.
أصداء مواقف إيران من إسطنبول
من جهة أخرى، لاقت تصريحات وزير الخارجية الإيراني في تركيا، التي شدد فيها على رفض أي تهديد أو تفاوض تحت الضغط، صدى واسعاً في وسائل الإعلام الدولية. فقد ذكرت وكالة الأناضول التركية في تقريرها أن وزير الخارجية الإيراني أكد على أهمية التنسيق الوثيق والمشاورات المنتظمة بين تركيا وإيران لمواجهة التحديات الإقليمية.
أما شبكة الجزيرة، فقد أشارت إلى أن تصريحات السيد عباس عراقجي في تركيا عكست وضوحاً في الموقف الإيراني، مؤكدةً أن المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران قد وضع قائمة أولويات وأطراً محددةً للتعامل مع جميع القضايا.
وفي السياق ذاته، أفادت وسائل الإعلام الأمريكية، ومنها موقع “أكسيوس”، أن وزير الخارجية الإيراني أعلن استعداد طهران لاستئناف المفاوضات النووية مع واشنطن، لكنه شدّد على ضرورة أن تتوقف إدارة ترامب عن التلويح بالتهديدات العسكرية ضد إيران.
كما أوردت صحيفة “ديلي صباح” التركية نقلاً عن عراقجي أن الدبلوماسية لا يمكن أن تُكلل بالنجاح إلا إذا كفّت واشنطن عن تهديداتها، وأوقفت سياساتها العدوانية التي تؤجّج نيران الصراعات في المنطقة.
