الوقت- شهد قطاع غزة مؤخراً محاولة إسرائيلية لاختراق الصف الداخلي، من خلال الاعتماد على شبكات محلية للتأثير على المجتمع الفلسطيني وتقويض تماسك القوى المقاومة. هذه المحاولات تظهر أن المواجهة لم تعد مقتصرة على العمليات العسكرية المباشرة، بل توسعت لتشمل أدوات استخباراتية ونفسية. وقد أظهرت التجارب السابقة في غزة أن أي محاولة لإضعاف النسيج الداخلي تواجه مقاومة قوية من المجتمع المحلي والقوى الأمنية، ما يعكس إدراك حماس وحلفائها أن التماسك الداخلي جزء أساسي من صمود القطاع واستمرارية المقاومة.
الرهان على الداخل كأداة صراع
تسعى إسرائيل من خلال وكلاء محليين إلى خلق شرخ في المجتمع الفلسطيني وزرع الشك بين المواطنين، بهدف إضعاف تماسك القوى المقاومة. لكن طبيعة القطاع المتماسكة تجعل أي اختراق صعب التحقيق، إذ تتداخل التنظيمات المحلية والمجتمع المدني بشكل يمنع التفكك بسهولة. هذا الأسلوب ليس جديداً تاريخياً، لكنه يكتسب حساسية خاصة في غزة نتيجة الحصار والضغط المستمر، وتجربة طويلة من الصراع تعزز قدرة السكان على الصمود. أي محاولة لإضعاف البنية التنظيمية تواجه مقاومة اجتماعية وأمنية قوية، ما يوضح أن المعركة تشمل الميدان العسكري والنفسي والثقافي معاً.
البعد الأمني ورسائل الردع المتبادلة
تُظهر التجارب أن حماس مضطرة للتعامل بحزم مع أي أشخاص يُشتبه بتعاونهم مع الاحتلال، سواء عبر شبكات داخلية أو تسلل معلوماتي. هذه الإجراءات لا تهدف فقط لحفظ الأمن، بل ترسل رسالة واضحة: تكلفة الخيانة مرتفعة ولن تُغتفر بسهولة. يصبح الردع جزءاً من استراتيجية واسعة تهدف لحماية المجتمع وتعزيز تماسكه الداخلي، وتثبيت قوة الحركة على الأرض. كما تشكل هذه الاستراتيجية قاعدة أساسية لاستمرار المقاومة ضمن معادلة طويلة الأمد، مؤكدة أن كل محاولة لتفكيك المجتمع ستقابل بالتصدي الحاسم.
حماس بين التنظيم والمجتمع
حماس ليست مجرد حركة عسكرية، بل فاعل اجتماعي وسياسي يدير الصراع بطريقة شاملة، تجمع بين الدفاع العسكري وحماية المجتمع. استمرارها يعتمد على قدرتها في حماية الجبهة الداخلية وتحويل مقاومة الاحتلال إلى خيار جماعي يتبناه المجتمع كله، وليس مجرد قرار تنظيمي. هذا البعد يجعلها عنصراً محورياً في الصمود الفلسطيني، حيث حماية المجتمع والصف الداخلي جزء لا يتجزأ من المعركة المستمرة، التي تشمل الجوانب العسكرية والاجتماعية والنفسية والثقافية، ويؤكد أن الصمود في غزة فعل مقاوم يشكل تجربة وطنية متكاملة.
حماس كفاعل سياسي-أمني في بيئة معقّدة
في سياق المشهد الغزّي، تُقدَّم حماس كفاعل لا يكتفي بردود الفعل، بل يسعى إلى إدارة واقع شديد التعقيد سياسياً وأمنياً. فالحركة تجد نفسها أمام تحديات متداخلة تشمل الحصار، والضغط العسكري، ومحاولات الاختراق، ما يفرض عليها تطوير أدوات تنظيمية وأمنية للحفاظ على حضورها واستمراريتها. هذا الدور يجعلها في نظر أنصارها جزءاً من معادلة الصمود، وفي نظر خصومها عقبة يصعب تجاوزها. ومن هنا، تتشكل صورة حماس كحركة تتعامل مع الصراع بوصفه حالة شاملة تتطلب إدارة دقيقة للتوازن بين الأمن والمجتمع.
انعكاسات الخبر على المشهد الغزّي
لا يمكن فصل مثل هذه المحاولات عن تأثيرها على الحياة اليومية في غزة. فانتشار روايات عن عملاء واختراقات يخلق مناخاً من القلق والترقّب، لكنه في الوقت نفسه يعزّز حالة الاصطفاف والبحث عن الأمان داخل الجماعة. كما أن استمرار الحديث عن محاولات إسرائيلية للعمل عبر وكلاء محليين يعمّق الإحساس بأن الصراع شامل، وأنه لا يقتصر على الحدود أو السماء، بل يمتد إلى تفاصيل المجتمع نفسه. هذه الحالة تؤثر في العلاقات الاجتماعية، وفي طريقة نظر الناس إلى السياسة والأمن، وفي مستوى الثقة المتبادلة بينهم.
خطاب المقاومة وتأثيره في الوعي الجمعي
يلعب خطاب المقاومة دوراً محورياً في تشكيل الوعي الجمعي داخل غزة، حيث يُقدَّم الصراع مع إسرائيل باعتباره مساراً تاريخياً ممتداً، لا مجرد جولات عسكرية متقطعة. وفي هذا الإطار، تسعى حماس إلى ترسيخ سردية تربط بين الصمود اليومي والفعل المقاوم، مستندة إلى تجربة طويلة من المواجهة والحصار. هذا الخطاب لا يقتصر على التعبئة المعنوية، بل يساهم في بناء فهم جماعي لطبيعة الصراع وحدوده، ويمنح الأحداث معناها ضمن سياق نضالي أوسع، يعكس تمسك المجتمع بحقوقه في مواجهة واقع شديد القسوة.
الإعلام كساحة مواجهة موازية للميدان
يمكن قراءة ما يجري بوصفه جزءاً من معركة أوسع تتجاوز الميدان إلى مستوى السرديات والروايات المتنافسة. فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه كصاحب اليد العليا: إسرائيل عبر إظهار قدرتها على الاختراق، وحماس عبر إبراز قدرتها على المواجهة وضبط الداخل. في هذا السياق، لا تقتصر الأهمية على المضمون فحسب، بل تمتد إلى الطريقة التي تُصاغ بها الروايات وتُتداول بين الجمهور. وهنا تظهر حماس كحركة تدرك أهمية الإعلام والرسائل غير المباشرة في تثبيت موقعها ضمن معادلة الصراع، إلى جانب أدواتها الأخرى.
المقاومة كخيار تاريخي وحدود الصراع المفتوح
في نهاية المطاف، تعكس هذه الوقائع حقيقة راسخة في المشهد الفلسطيني، وهي أن المقاومة، بأشكالها المختلفة، لم تعد مجرد رد فعل ظرفي، بل تحوّلت إلى خيار تاريخي فرضته عقود من الصراع والاحتلال. وفي هذا الإطار، تُقدَّم حماس بوصفها أحد تعبيرات هذا الخيار، مستندة إلى خطاب يعتبر الصمود والتمسك بالأرض جزءاً من معادلة البقاء. ورغم محاولات كسر هذه المعادلة عبر الاختراق أو الضغط، يبقى واضحاً أن جوهر الصراع لم يتغير، وأن المقاومة، كفكرة وسلوك جماعي، ما زالت عنصراً حاضراً في وعي المجتمع الفلسطيني وفي توازنات الصراع القائمة.
