الوقت - أسفرت المتغيرات الجيوسياسية المتنامية في العالم، عن دفع الدول النامية نحو مزيد من التقارب، ورسم خارطة جديدة من العلاقات مع حلفاء جدد في أرجاء متباينة. وفي خضم هذه التحولات، برزت الدول الأفريقية، بما تملكه من طاقات كامنة ومواقع استراتيجية متميزة، كالساحة التي تتنافس عليها القوى العظمى، حيث دأبت في السنوات الأخيرة على إعادة تقييم سياستها الخارجية بجدية متزايدة.
يُعَدّ السودان أحد تلك الدول، التي ورغم ما شهدته من توترات داخلية في الأعوام الأخيرة، اتخذت من سياسة "التوجّه شرقًا" نهجًا راسخًا تعلو به قائمة أولوياتها.
فبعد انهيار نظام عمر البشير في عام 2019، لم يتمتع السودان باستقرار سياسي لافت، بل بات ساحةً لصراعات حامية وخصومات بين القوى السياسية والاجتماعية والجيش والمليشيات المسلحة، وهو الأمر الذي أصبح جوهر التغيرات التي طالت توجُّه السياسة الخارجية للحكومة، المدعومة من المؤسسة العسكرية في الخرطوم.
ومن أبرز تجليات هذا التحول، إعادة بناء العلاقات بين طهران والخرطوم بعد سنوات من الفتور وتباعد الأواصر، مما يُعَدُّ برهانًا حيًا على رغبة الطرفين في بناء مستقبلٍ مشتركٍ يحقق مصالحهما وأهدافهما الاستراتيجية.
بعد عام من تطبيع العلاقة بين طهران والخرطوم، تُعَد زيارة وزير الخارجية السوداني، علي يوسف، إلى العاصمة الإيرانية في التاسع والعشرين من فبراير، حدثًا بارزًا يُعزّز من مسار إعادة بناء هذه الروابط. وقد جاءت هذه الزيارة محملةً باتفاقات هامة، تتعلق بإلغاء تأشيرات الدخول الخاصة بحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والرسمية، إلى جانب تأسيس لجنة سياسية مشتركة.
وقد أبدى المحللون اعتقادهم بأن السودان، باقترابه من إيران، يسعى إلى إرساء توازن جديد في مبادلاته الإقليمية. وهذا الاتجاه قد يسهم بالفعل في تعزيز موقف السودان، ويُعزز من قدرته على مواجهة التحديات المتنامية، موفّرًا له قاعدةً صلبةً لإعادة صياغة معادلات القوة في المنطقة.
أسباب تحوُّل السودان نحو إيران
بعد سقوط نظام عمر البشير، بات السودان ساحة تجاذبٍ بين القوى العربية، حيث انضوت فصائل الإخوان المسلمين تحت لواء الدعم السعودي، بينما تعاونت جماعات أخرى مع الإمارات. وقد شارك السودان في السابق في التحالف العسكري الذي أنشأته السعودية ضد اليمن، لكنه، مع تقلب الأوضاع الداخلية والإقليمية، بدأ يدرك الحقائق العالمية، ليبتعد عن نير الأنظمة العربية، ويسعى نحو تعزيز العلاقات مع مثلث إيران وروسيا والصين.
ومن المثير للاهتمام أن زيارة وزير الخارجية السوداني إلى طهران، جاءت بعد أقل من أسبوع من زيارته إلى موسكو، حيث تم التفاهم على تقديم قاعدة بحرية لروسيا على سواحل البحر الأحمر. هذه التطورات تدل على أن قادة الخرطوم، قد وضعوا سياسة الانفتاح على الشرق في صلب استراتيجيتهم الخارجية. لذا، فإن التقرب مجددًا إلى إيران، يعين السودان على التقليل من اعتماده على الدول الخليجية، مما يفسح له المجال لخيارات أكثر تنوعًا في سياسته الخارجية.
وبعد الانقلاب الذي شهدته البلاد في عام 2021، وما تبعه من اضطرابات داخلية، تعرض السودان لضغوط شديدة من قبل الدول الغربية وبعض الدول الإقليمية. ومن ثم، تسعى الخرطوم إلى التخفيف من اعتمادها المفرط على دولة أو اثنتين، وتعزيز خياراتها الدبلوماسية.
لذلك، فإن إعادة بناء العلاقات مع إيران وروسيا والصين، يتيح للسودان دورًا أكثر استقلاليةً في السياسة الإقليمية، ويعزِّز من موقعه الداخلي في مواجهة التحالف غير المعلن بين القوى الغربية والعربية والصهيونية، الداعم للمتمردين المعروفين بقوات الدعم السريع، مما يسهم في تقوية مركزه على الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية.
كما أن بعض الدول الأفريقية، في السنوات الأخيرة، قد نجحت في تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين عبر طرد القوات الغربية من أراضيها. لذا، فإن السودان، وهو في خضم محاولات التأثير الغربي لزعزعة استقرار الحكومات القائمة، قد اختار سياسة الانفتاح على الشرق كطريق مبدع نحو مستقبلٍ أكثر استقلاليةً.
من جهة أخرى، ترتب على العقوبات القاسية والانخفاض الملحوظ في المساعدات المالية المقدَّمة من المملكة العربية السعودية والإمارات، اتخاذ السودان خطوات نحو البحث عن شركاء جدد. ورغم تلك القيود، استطاعت إيران، بفضل مرونتها، أن تحقق إنجازات بارزة في مجالات عدة، مثل الطاقة والدواء والزراعة، مما يمكّن السودان من الاستفادة من هذه الإمكانات في مجابهة تحدياته الداخلية.
علاوةً على ذلك، فإن التقارب مع إيران يمكن أن يمنح السودان أداة ضغطٍ قويةً في مواجهة الدول الخليجية، بما يسهل عليه الحصول على مزيد من الامتيازات. وهذه السياسة تشبه الاستراتيجيات التي تعتنقها بعض الدول الإقليمية، الساعية إلى تحقيق توازن في علاقاتها مع القوى العالمية.
لقد عانى السودان في السنوات الماضية من اضطرابات داخلية وتهديدات أمنية متعددة، وفي هذا السياق، تبرز أهمية التجربة الواسعة التي تمتلكها إيران في مجالات الصناعات العسكرية والحروب غير المتكافئة، مما يجعلها شريكًا محوريًا للجيش السوداني. كما أن قدرة إيران المتطورة في تصنيع الأسلحة الحديثة، وخاصةً الطائرات المسيرة، تجعل من التعاون معها فرصةً مثمرةً في تأمين السودان للعتاد والتقنيات الدفاعية الحديثة، بما يسهم في تعزيز قدراته الدفاعية وتحصين أمنه الوطني في وجه التحديات المتزايدة.
أهمية السودان لإيران
تجسّد العلاقات السياسية بين الدول سعيها الدؤوب نحو تحقيق المصالح الوطنية، ولذا فإن إيران تسعى من خلال تحسين علاقاتها مع السودان، إلى تحقيق أهداف استراتيجية متعددة.
يتمتع السودان بسواحل ممتدة على البحر الأحمر، وموقع جغرافي بالغ الأهمية في القرن الإفريقي، مما يجعله موطنًا للتنافس الإقليمي بين الدول النافذة. إن هذه الوضعية الاستثنائية تتيح لإيران تعزيز وجودها في هذا الممر المائي الحيوي، الذي يُعتبر شريان التجارة والطاقة العالمية. وفي ظل التطورات الراهنة، حيث تفتح حركة أنصار الله في اليمن فصلًا جديدًا في مقاومتها ضد المحورين الغربي والصهيوني في البحر الأحمر، تبرز الفرصة أمام طهران لتعزيز قدراتها في هذه المنطقة.
ومع توقف السودان عن مسار تطبيع علاقاته مع الكيان الصهيوني واتجاهه نحو الابتعاد عن مشيخات الخليج، فإنه يُقبل بشكل طبيعي على التقارب مع محور المقاومة، مما يؤهله لأن يصبح قاعدة انطلاقٍ للجماعات المناهضة للصهيونية في القرن الإفريقي.
علاوةً على ذلك، تسعى إيران إلى بناء علاقات أمنية وعسكرية مع الدول التي يمكن أن تساهم في تشكيل المعادلات الإقليمية. وقد أثبت السودان، لا سيما في السنوات الأخيرة، إقامته علاقات وثيقة في مجالي الأمن والاستخبارات مع مجموعة من الدول الإقليمية، ما يجعله شريكًا محتملاً ذا فائدة لإيران في هذه الأبعاد.
کما يمتاز السودان بموارده الطبيعية الوفيرة، ومنها النفط والمعادن والأراضي الزراعية الشاسعة. ويمكن لإيران من خلال توسيع تعاونها الاقتصادي والاستثمار في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة، أن تستكشف أسواقًا جديدةً، وتحقق مكاسب اقتصادية ملحوظة.
کذلك، يمكن أن يُعتبر السودان بوابةً حيويةً لنفوذ إيران المتزايد في القارة الإفريقية، حيث سعت إيران سابقًا لتطوير علاقاتها الثقافية والاقتصادية والسياسية في إفريقيا، ويُعد السودان أحد أهم مُسندات هذه الاستراتيجية.
إن تعزيز العلاقات بين السودان وإيران، قد يُحدث توازنًا جديدًا في معادلات المنطقة، إذ انطلق السودان سابقًا نحو تقارب مع بعض الدول الخليجية، لكنه يسعى الآن إلى تنويع علاقاته، مما يتيح لإيران فرصةً قيمةً لاستغلال هذا التحول.
وفي المجمل، يُعتبر السودان شريكًا واعدًا لإيران في مجالات الاقتصاد والسياسة والأمن، ومن شأن العلاقات الوثيقة بين البلدين، أن تُفضي إلى تأمين مصالح متبادلة تعود بالنفع على الجانبين.