الوقت - بعد ستة أشهر من الحرب والعدوان على إيران، تقف الولايات المتحدة اليوم على أعتاب اتفاق مع طهران بشأن مضيق هرمز؛ وهو اتفاق، وفقاً لما أوردته شبكة الجزيرة، من شأنه أن يعيد فتح مسار عبور السفن عبر المضيق. ورغم أن هذا الاتفاق لم يُبرم بصيغته النهائية بعد، إلا أن مصادر دبلوماسية تصفه بأنه أحد أهم التحولات الجيوسياسية في المنطقة لعام 2026. ويتمحور الجوهر الأساسي لهذا الاتفاق المحتمل حول مضيق هرمز، مما قد يرسم ملامح المستقبل لهذا الممر المائي الاستراتيجي.
سر أهمية مضيق هرمز
يُعد مضيق هرمز الشريان الأهم والأخطر لنقل الطاقة في العالم. فهذا الممر المائي الضيق يربط الخليج الفارسي ببحر عُمان والمحيط الهندي، ويُمثل المنفذ البحري الوحيد لصادرات النفط والجزء الأكبر من الغاز الطبيعي المسال للدول المنتجة المطلة على الخليج الفارسي. إذ يعبر من خلاله يومياً نحو خُمس النفط المستهلك عالمياً، فضلاً عن حصة معتبرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال القطري. ومن هذا المنطلق، فإن أي خلل يطرأ على هذا الممر ينعكس بلمح البصر على أسعار النفط العالمية، وتكاليف الشحن البحري، ورسوم تأمين السفن، وأمن الطاقة للدول المستوردة.
غير أن أهمية هرمز لا تقتصر على البعد الاقتصادي فحسب؛ بل يتعداه ليكون إحدى أكثر البقاع الجيوسياسية حساسيةً في العالم، حيث تتقاطع وتتشابك فيه مصالح إيران والدول العربية الخليجية والقوى الآسيوية الكبرى كالصين واليابان والهند. ولهذا السبب، فإن أي تطور أمني يشهده هرمز تتجاوز أصداؤه حدود المنطقة، ليُلقي بظلاله على المعادلات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم.
ومن الناحية الجغرافية، يتموضع مضيق هرمز بين السواحل الجنوبية لإيران والسواحل الشمالية لسلطنة عُمان. وبفضل سيطرتها على السواحل الشمالية للمضيق، إلى جانب جزر "قشم ولارك وهرمز" الاستراتيجية، تتمتع إيران بإشراف كامل على مساحة شاسعة من هذا الممر المائي. وتمنح هذه الجزر طهران القدرة على رصد حركة السفن ولعب دور حاسم في إرساء دعائم الأمن في هذا المسار.
علاوةً على ذلك، فإن مسارات الملاحة الرئيسية (Traffic Separation Scheme) التي تسلكها السفن للدخول إلى الخليج الفارسي والخروج منه، تقع في أجزاء منها ضمن المياه الإقليمية لكل من إيران وعُمان. بناءً على ذلك، ومن منظور عملياتي، لا يمكن لأي آلية أمنية أو اتفاق بحري في مضيق هرمز، أن يُكتب له النجاح أو الاستدامة بمعزل عن المشاركة الإيرانية.
وتتجلى الحقيقة الجيوسياسية في أن إيران، بفضل امتلاكها لأطول شريط ساحلي في شمال المضيق، وتمركز قواتها البحرية، وسيطرتها على الجزر الاستراتيجية، تُعد اللاعب الأكثر تأثيراً في هذا الممر المائي. ولهذا السبب تحديداً، طوال العقود الأربعة الماضية، كلما تصاعدت حدة التوتر بين إيران والغرب، تحولت مسألة أمن مضيق هرمز إلى إحدى أهمّ أوراق الضغط وأدوات الردع في يد طهران.
المحور الأساسي للاتفاق المرتقب
استناداً إلى تقارير وكالة “رويترز” وشبكة “الجزيرة”، يرتكز المشروع المطروح على طاولة المفاوضات على استحداث مسار ملاحي جديد، بحيث تُقسم مسؤولية إدارة حركة السفن فيه بين إيران وسلطنة عُمان.
ووفقاً لهذا المشروع، وبناءً على تكهنات إعلامية لا تصريحات رسمية، فإن السفن الوافدة ستعبر من مسار محاذٍ للمياه الإيرانية، على أن يتم الاتفاق على إحداثيات هذا المسار بين طهران ومسقط.
في الوقت ذاته، طالما أكدت إيران أن أمن الخليج الفارسي يجب أن يكون بعهدة دول المنطقة، ومن شأن المشاركة الرسمية في إدارة مسارات عبور السفن أن تكون، من وجهة نظر طهران، ترسيخاً وتثبيتاً لهذا الدور.
ومع ذلك، ورغم أجواء التفاؤل السائدة، لا تزال هناك تباينات تنتظر الحسم؛ ويشمل ذلك آلية تفتيش السفن، والشروط التنفيذية للاتفاق، والضمانات المتبادلة، وبعض التفاصيل الاقتصادية والأمنية. كما أشارت بعض التقارير إلى وجود خلاف حول الرسوم المحتملة للعبور أو الخدمات المرتبطة به، غير أن هذه الأمور لم تُحسم بعد.
وفي حال تكلل الاتفاق بالنجاح وأُبرم بصيغته النهائية، فمن المتوقع أن تُستأنف حركة عبور ناقلات النفط والسفن التجارية، وتتراجع تكاليف التأمين والشحن البحري، فضلاً عن تخفيف وطأة الضغوط عن كاهل سوق النفط العالمية.
لماذا يكتسي الاتفاق المحتمل بين إيران وعمان والولايات المتحدة كل هذه الأهمية؟
يرى الكثيرون أن الاتفاق المحتمل بين إيران وعُمان والولايات المتحدة بشأن مضيق هرمز يتجاوز كونه مجرد اتفاق بحري؛ بل قد يمثّل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة نحو التهدئة وخفض التوتر في مياه الخليج الفارسي.
ورغم أن التفاصيل النهائية للاتفاق الإيراني-العُماني حول إدارة مضيق هرمز لم تتضح معالمها بعد، إلا أن طهران قد تكون على شفا بسط سيطرة أوسع على هذا الممر المائي الاستراتيجي مقارنةً بما كانت عليه الأوضاع قبل هجوم إدارة دونالد ترامب في أواخر شهر فبراير.
وفي هذا السياق، كشف دبلوماسي شرق أوسطي رفيع المستوى، مُطلع عن كثب على مجريات المفاوضات بين إيران وعُمان، للشبكة الأمريكية “إم إس ناو” (MS Now)، أن الولايات المتحدة وأوروبا تمارسان ضغوطاً مكثفةً على مسقط لحثّها على قبول اتفاق مؤقت مع إيران بهدف إعادة فتح مضيق هرمز. وادعى هذا الدبلوماسي أن النسخة الحالية من الاتفاق المؤقت، حال إقرارها نهائياً، ستمنح إيران زمام السيطرة على مسارات دخول وخروج السفن العابرة للمضيق. وتُشير المعطيات إلى أن النقاشات تتركز بالأساس على مسار الدخول عبر مضيق هرمز، والذي يمر بأكمله داخل المياه الإقليمية الإيرانية.
من جهة أخرى، يرى الخبراء أن الضغوط الأمريكية والأوروبية الممارسة على عُمان للقبول بالاتفاق مع إيران، تشي بأن “ترامب” قد وقع في مأزق عصيب أمام إيران، وبات يتوجّس خيفةً من الانزلاق مجدداً إلى أتون الحرب مع طهران. ومن هذا المنطلق، تُكثف واشنطن ضغوطها على مسقط للتعجيل بوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق مع طهران بشأن السيطرة على هرمز في أقرب وقت ممكن.
