الوقت - مرّت قرابة اثني عشر عامًا منذ أن فرض التحالف الغربي والعربي بقيادة السعودية حصارًا شاملًا ووحشيًا على اليمن، وأغلق موانئ البلاد ومطاراتها أمام جميع السلع الأساسية، لكن الورقة انقلبت الآن. أعلنت أنصار الله، التي كانت تحت ضغط الحصار البحري والجوي والبري لسنوات، يوم الاثنين الماضي أنها فرضت حصارًا بحريًا على الرياض؛ وهو تطور، بحسب محللين دوليين، وضع أسواق الطاقة العالمية على حافة واحدة من أخطر الأزمات في العقد الماضي.
بدأت سلسلة جديدة من الاشتباكات في 13 يوليو/تموز، عندما استهدفت قوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية مطار صنعاء الدولي؛ وهو عمل، بحسب متحدث باسم القوات الموالية للسعودية، كان يهدف إلى منع هبوط طائرة إيرانية.
شكّل هبوط الطائرة الإيرانية لحظةً رمزيةً مثّلت نهاية الهيمنة العسكرية والسياسية للسعودية وحلفائها على المشهد السياسي في اليمن وباب المندب. وبعد يوم، تحدث قادةٌ حوثيون بارزون علنًا عن إمكانية فرض حصار على السعودية، وردّت صنعاء بضربة صاروخية وطائرة مسيّرة قوية على مطار أبها الدولي جنوب السعودية.
لكنّ نقطة التحوّل الرئيسية جاءت يوم الاثنين 20 يوليو/تموز، عندما أعلن المتحدث العسكري اليمني يحيى سريع رسميًا فرض حظر بحري على السعودية، العدوّ المجرم، استنادًا إلى مبدأ العين بالعين. وجاء في البيان أن القادة السعوديين فرضوا حصارًا ظالمًا وقمعيًا على اليمن لما يقرب من اثني عشر عامًا، وأغلقوا موانئ البلاد ومطاراتها برًا وبحرًا وجوًا.
وبناءً على هذا السابقة، أقرّ اليمنيون بحقّهم في الردّ على الحصار بحصار مماثل، وهدّدوا أيّ ردّ سعودي بردٍّ شامل وحاسم.
ما يُميّز هذا التهديد عن حالات مماثلة سابقة هو توقيته وموقعه في سياق الصراعات الإقليمية الدائرة بين إيران والولايات المتحدة.
منذ 29 مارس/آذار، مع بدء الحرب غير الشرعية بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، أُغلق مضيق هرمز فعلياً، واضطرت الرياض إلى نقل معظم صادراتها النفطية عبر طريق بديل، وهو خط أنابيب النفط بين الشرق والغرب المعروف باسم "بترولاين"، إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر. وقد بلغت صادرات ينبع، التي كانت تُقدّر بنحو 973 ألف برميل يومياً قبل الحرب العراقية الإيرانية، أكثر من أربعة ملايين برميل يومياً، ما يُمثّل أكثر من 70% من صادرات السعودية من النفط الخام. إلا أن مسار هذه الشحنات إلى الأسواق الآسيوية يمرّ تحديداً عبر مضيق باب المندب، وهو الممرّ الذي يُستهدف الآن من قِبل التهديد اليمني.
بحسب بيانات شركة كيبلر لتحليلات الشحن، بلغ إجمالي حجم النفط ومشتقاته المارة عبر مضيق باب المندب 7.4 مليون برميل يوميًا في يونيو، أي ما يعادل نحو 7% من إمدادات النفط العالمية.
ويحذر الخبراء من أنه في حال إغلاق المضيق، المجاور لمضيق هرمز، بشكل كامل، فإن أكثر من 25% من إمدادات النفط والغاز العالمية قد تتعطل تمامًا. وعلى عكس مضيق هرمز، حيث تمتلك السعودية خط أنابيب بترولين كبنية تحتية بديلة لتجاوز الانسداد منذ ثمانينيات القرن الماضي، لا يوجد عمليًا أي طريق بديل جاهز لمضيق باب المندب؛ فالخيار الوحيد المتبقي هو الالتفاف الطويل عبر قناة السويس ورأس الرجاء الصالح، الأمر الذي سيضيف أسابيع إلى مدة الرحلة وتكاليف باهظة إلى سعر النفط النهائي.
وتتضح بوادر هذا التهديد تدريجيًا، حيث غيّرت سبع سفن على الأقل كانت متجهة إلى موانئ سعودية مساراتها وعادت أدراجها في الأيام الأخيرة. انعطفت ناقلتا النفط "رودس" و"شينلونغيانغ"، اللتان تحملان معًا 2.8 مليون برميل من النفط من ينبع، فجأةً شمالًا في منتصف مضيق باب المندب.
وفي يوم الخميس، هاجمت أنصار الله أيضًا ناقلتي نفط سعوديتين، "أنسيلية" و"ليلى"، وأطلقت صواريخ على ميناء ينبع للتصدير، نقطة انطلاق شركة "بتروليام"، وهو هجوم رفع أسعار خام برنت إلى ما فوق 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ أشهر.
لا يمكن فهم هذا الوضع دون النظر إلى وضع الحرب الإيرانية الأمريكية في مضيق هرمز. تدرك السعودية جيدًا أن أي عمل جاد ضد اليمن قد يضعها في موقف مكلف، وهو موقف قد يُضعف بسرعة قدرة السعودية الاقتصادية والاجتماعية على الصمود بسبب انخفاض عائدات النفط السعودي في الأشهر الأخيرة.
كما أدركت السعودية أنها لا تستطيع الاعتماد على حلفائها أيضًا؛ تسعى الولايات المتحدة منذ أشهر إلى فتح مضيق هرمز، بينما تفتقر دول الخليج فعلياً إلى القدرة على الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الصاروخية الإيرانية، أما باكستان، التي من المفترض أن تتعاون مع السعودية في مواجهة اليمن بموجب اتفاقية دفاعية، فقد حاولت منذ أشهر إبقاء الحرب خارج المنطقة متسترةً بدور الوسيط، دون جدوى تُذكر. وبذلك، وضعت السعودية نفسها فعلياً في مأزق استراتيجي من شأنه أن يدفعها على الأرجح إلى توخي المزيد من الحذر في ردها على اليمن.
وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من إعلان وزارة الخارجية السعودية أنها ستتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية سفنها، إلا أنه لم تتمكن أي قوة بحرية من تحييد قدرة أنصار الله على استخدام صواريخ مضادة للسفن من قواعد برية في اليمن.
نتيجةً لذلك، تجد الرياض، التي تستخدم الحصار ضد اليمن منذ سنوات، نفسها الآن عالقةً بين اثنين من أهم ممرات الطاقة في العالم، وهما مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وهو وضع يراه المراقبون رمزًا واضحًا لتغير موازين القوى في غرب آسيا.
