الوقت ـ استيقظ سكان المناطق الشرقية من مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، صباح السبت، على واقع ميداني جديد فرضته قوات الاحتلال الإسرائيلي، بعدما تقدمت آلياتها العسكرية إلى ما بعد الساتر الترابي القائم في المنطقة، وشرعت في تثبيت مكعبات إسمنتية صفراء قرب الأحياء السكنية، في خطوة اعتبرها الأهالي امتداداً لسياسة التوسع التدريجي لما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي بات يلتهم مزيداً من الأراضي والمنازل منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار قبل نحو تسعة أشهر.
ففي تقاطع شارع السلطاني مع شارع مصنع الدواء قرب مطحنة بن سعيد، ثبتت قوات الاحتلال مكعباً إسمنتياً جديداً، فيما وضعت مكعباً آخر عند تقاطع شارع الرن مع شارع السلطاني بمحاذاة مسجد الريان، ما أدى عملياً إلى توسيع نطاق المنطقة الخاضعة للقيود العسكرية الإسرائيلية ودفع عشرات العائلات إلى مغادرة منازلها خشية استهدافها.
نزوح جديد تحت وقع النار
لم يحتج السكان إلى وقت طويل لفهم دلالات التحرك الجديد. فمع اقتراب الآليات العسكرية وتصاعد إطلاق النار، بدأت عائلات من بينها سعيد وأبو غرابة وأبو بليمة وأبو غليبة بإخلاء منازلها، بينما تحولت شوارع كاملة إلى مناطق شبه معزولة يصعب الوصول إليها.
يقول المواطن عطا أبو غليبة إن عائلته اضطرت إلى مغادرة منزلها ليلاً بعد ساعات من إطلاق النار المتواصل في محيط المنطقة، مضيفاً أن الصدمة الحقيقية كانت مع حلول الصباح عندما اكتشف أن منزله والشارع الذي يقطنه أصبحا داخل حدود "الخط الأصفر"، ما يجعل العودة إليهما مخاطرة قد تنتهي بالموت.
ويعبر أبو غليبة عن استغرابه من استمرار التوسع العسكري رغم مرور أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار، وفي وقت ما زالت فيه المفاوضات تتناول مستقبل المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال داخل القطاع، معتبراً أن ما يجري يمثل اتجاهاً معاكساً لأي مسار يفترض أن يؤدي إلى تقليص الوجود العسكري لا تعزيزه.
كيف يتمدد "الخط الأصفر"؟
تحول "الخط الأصفر" خلال الأشهر الماضية من إجراء أمني مؤقت إلى واقع جغرافي جديد داخل قطاع غزة. ويُستخدم المصطلح للإشارة إلى الشريط الذي حددته قوات الاحتلال بواسطة مكعبات إسمنتية صفراء تنتشر على امتداد مناطق واسعة، وتفصل بين المناطق المسموح للفلسطينيين بالوصول إليها وتلك التي يمنع الاقتراب منها.
ومنذ تثبيت هذا الخط عقب اتفاق وقف إطلاق النار، واصلت قوات الاحتلال تحريكه تدريجياً نحو الغرب، مقتطعة مساحات إضافية من الأراضي الزراعية والأحياء السكنية. ولم يقتصر الأمر على توسيع حدود السيطرة العسكرية، بل رافقته عمليات تجريف ونسف واسعة للمنازل والبنية التحتية الواقعة خلف الخط، ما أدى إلى محو معالم أحياء كاملة وتحويلها إلى مناطق غير صالحة للسكن.
وبذلك أصبح تحريك المكعبات الصفراء أكثر من مجرد إجراء ميداني؛ إذ تحول إلى أداة لإعادة رسم الخريطة الجغرافية للقطاع وفرض وقائع جديدة على الأرض.
من نصف القطاع إلى أغلبه
تشير تقديرات وتقارير متقاطعة إلى أن المساحة الخاضعة لسيطرة الاحتلال داخل غزة شهدت توسعاً متسارعاً منذ وقف إطلاق النار. فبينما كان "الخط الأصفر" يفصل عند بداية الاتفاق نحو نصف مساحة القطاع تقريباً، ارتفعت نسبة الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية خلال الأشهر التالية بشكل متواصل.
وزادت هذه المخاوف مع تصريحات مسؤولين إسرائيليين تحدثوا عن اتساع نطاق السيطرة العسكرية داخل القطاع، في ظل استمرار التحركات الميدانية التي تشمل إنشاء مواقع جديدة وتحريك الحدود المفروضة على السكان.
ومع تقلص المساحات المتاحة للفلسطينيين، بات أكثر من مليوني مواطن يعيشون في نطاق جغرافي محدود، وسط دمار واسع في البنية التحتية وأزمة متفاقمة في المأوى والخدمات الأساسية.
عزل جغرافي وتغيير ديموغرافي
ويرى مراقبون ومنظمات حقوقية أن ما يجري يتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، ليأخذ طابعاً مرتبطاً بإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية للقطاع.
فالمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان يعتبر أن سياسة توسيع المناطق المعزولة داخل غزة تؤدي إلى حصر السكان في مساحات ضيقة تفتقر إلى المقومات الأساسية للحياة، بينما تُمنع العودة إلى مناطق واسعة خلف "الخط الأصفر"، الأمر الذي يعمق الأزمة الإنسانية ويكرس واقعاً جديداً من العزل الجغرافي.
كما أن تمدد الخط لم يقتصر على دير البلح، بل شمل مناطق واسعة في شمال القطاع وشرقه، إضافة إلى أجزاء من محافظة خانيونس جنوباً، حيث تسببت التحركات العسكرية المتكررة في موجات نزوح متتالية مع كل تقدم جديد للآليات الإسرائيلية.
الاستيطان يعود إلى الواجهة
يتزامن هذا التوسع مع تصاعد الأصوات داخل الحكومة الإسرائيلية الداعية إلى إعادة طرح مشاريع استيطانية في قطاع غزة، وهو ما يثير مخاوف فلسطينية من أن تكون التحركات الميدانية الحالية جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي للقطاع.
ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية سليمان بشارات أن الاحتلال يتعامل مع الحرب باعتبارها فرصة لإحداث تغييرات طويلة الأمد على الأرض، عبر توسيع مناطق السيطرة ودفع السكان نحو مزيد من النزوح، مستفيداً من انشغال المجتمع الدولي بأزمات إقليمية ودولية أخرى.
ويحذر بشارات من أن استمرار الصمت الدولي يمنح إسرائيل هامشاً أوسع لترسيخ هذه الوقائع، خاصة في ظل تنامي الخطاب الداعم للتوسع والاستيطان داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية.
حدود تُرسم بالقوة
لم يعد "الخط الأصفر" مجرد علامة عسكرية أو إجراء أمني مؤقت بالنسبة لسكان غزة، بل تحول إلى حاجز يفصل آلاف الفلسطينيين عن منازلهم وأراضيهم ومصادر رزقهم. ومع كل مكعب إسمنتي جديد يُثبت على الأرض، تتقلص مساحة الحياة المتاحة للسكان، وتتسع رقعة النزوح والدمار.
وفي ظل غياب أي مؤشرات على تراجع هذا المسار، يبدو أن المعركة لم تعد تدور فقط حول السيطرة العسكرية، بل حول رسم حدود جديدة للقطاع على الأرض، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات السياسية في المستقبل.
