الوقت - عندما تُلغى زيارة، لا يكون الأمر مجرد زيارة. أحيانًا يكون تأجيل اجتماع دبلوماسي مؤشرًا على وجود فجوات لا يمكن إخفاؤها.
على الرغم من أن الرواية الرسمية بررت إلغاء بنيامين نتنياهو لزيارته إلى واشنطن بإقامة جنازة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، إلا أن التقارير التي نشرتها مصادر سياسية في تل أبيب تشير إلى واقع مختلف؛ واقع يُظهر اتساع الفجوة بين دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني، ودخول العلاقات بين الحليفين التقليديين مرحلة من انعدام الثقة والخلاف حول أهم القضايا الإقليمية.
كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن تأجيل زيارة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، التي كان من المقرر أن تتم هذا الأسبوع، لم يكن بسبب جنازة ليندسي غراهام فحسب، بل يعكس رغبة مشتركة بين الجانبين الإسرائيلي والأمريكي في تأجيل الاجتماع المزمع بين نتنياهو ودونالد ترامب.
ووفقًا لهذه المصادر، فقد ازدادت الأجواء السياسية في واشنطن حساسية وتوترًا في الأسابيع الأخيرة فيما يتعلق بنتنياهو، ويراقب المسؤولون الأمريكيون، علنًا وسرًا، مواقف الحكومة الصهيونية وتصريحات مسؤوليها عن كثب. وفي ظل هذه الظروف، يدرك نتنياهو تمامًا حساسية الوضع الراهن، ويخشى أن يؤدي وجوده في البيت الأبيض إلى مواجهة علنية مع ترامب، وهو ما قد يُضعف موقفه السياسي عشية الانتخابات الإسرائيلية.
ويتفاقم هذا القلق نظرًا لأن نتنياهو لا يرغب في تكرار تجربة فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماعه المثير للجدل مع ترامب، والذي تحول إلى مواجهة إعلامية وألحق خسائر سياسية فادحة بالرئيس الأوكراني.
من جهة أخرى، ازدادت حدة الانتقادات الموجهة لرئيس الوزراء الإسرائيلي في الأوساط السياسية الأمريكية. فبحسب هذه الأوساط، بات نتنياهو عقبة أمام أجندة ترامب الإقليمية بدلاً من أن يكون عوناً لها، لا سيما فيما يتعلق بإيران وإدارة التوترات الإقليمية.
وكان نائب الرئيس الأمريكي، جيه. دي. فانس، أبرز المنتقدين في هذا الصدد. ففي مقابلة مع بودكاست جو روغان، زعم أن إسرائيل تشن "حملة واسعة النطاق" داخل الولايات المتحدة بهدف إطالة أمد الحرب مع إيران وتخريب المفاوضات. ووفقاً لفانس، يعارض المسؤولون الإسرائيليون أي اتفاق نووي محتمل، ويسعون إلى عرقلة التوصل إلى اتفاق من خلال التأثير على الرأي العام الأمريكي.
وأكد فانس أيضاً امتلاكه أدلة على هذه الجهود، وأوضح أن الحكومة الأمريكية لن تنفذ إلا السياسة التي وضعها دونالد ترامب، وأن أولويتها القصوى هي ضمان مصالح الشعب الأمريكي، لا مطالب الحلفاء الأجانب.
تشير مصادر سياسية إلى أن نظرة ترامب إلى نتنياهو أصبحت موضع شك منذ التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في 16 يونيو/حزيران. فرغم ترحيب نتنياهو ظاهريًا ببعض جوانب الاتفاق، وصفه عدد كبير من أعضاء حكومته بأنه اتفاق ضعيف، وهو موقف كان له صدى واسع في المناخ السياسي الإسرائيلي، ومثّل، من وجهة نظر واشنطن، مؤشرًا على ابتعاد تل أبيب عن استراتيجية البيت الأبيض.
في الوقت نفسه، تشير نتائج بعض استطلاعات الرأي إلى تراجع ملحوظ في شعبية ترامب في الأراضي المحتلة؛ إذ انخفضت نسبة تأييده من 74% إلى 32%، ويعتقد 62% من الصهاينة أن الرئيس الأمريكي لم يعد يولي مصالح الكيان الأولوية الكافية.
وترى الأوساط الأمريكية في هذا التغيير في الموقف انعكاسًا لمعارضة شريحة من المجتمع الإسرائيلي والنخب لسياسات ترامب، لا سيما بعد مطالبته نتنياهو بإبداء مزيد من المرونة في القضايا الإقليمية، بما في ذلك إعادة نشر القوات في أجزاء من جنوب سوريا ولبنان، ودعم تنفيذ خطة السلام في غزة، وبدء عملية إعادة الإعمار في المنطقة.
بحسب هذه المصادر، طلب ترامب من نتنياهو، خلال اتصالاته معه، أن يتصرف كقائد حاسم ومستقل، وألا يسمح للضغوط الداخلية بتحديد مسار قراراته. كما أكد أنه لا يرغب في دخول إسرائيل في مواجهة عسكرية جديدة في ظل الظروف الراهنة.
إلا أن ردود فعل نتنياهو دفعت ترامب إلى استنتاج أنه غير مستعد لتنفيذ هذه المطالب؛ وهو أمر تعتقد مصادر صهيونية أنه يعود إلى حسابات نتنياهو الانتخابية وقلقه من فقدان دعم اليمين المتطرف.
في المقابل، يبدو أن ترامب يعتقد أنه إذا تبنى نتنياهو موقفًا أكثر استقلالية، وقدم صورة القائد الحازم، فإنه سيتمكن من استقطاب أصوات الفصائل الأكثر اعتدالًا في اليمين، وتعزيز موقفه الانتخابي.
في غضون ذلك، ولتخفيف حدة التوتر، عهد نتنياهو بإدارة العلاقات مع واشنطن إلى مستشاره المقرب رون ديرمر، أكثر من ذي قبل، لعله يعيد العلاقات بين الجانبين إلى مسارها السابق. خاصة وأن هناك مخاوف في تل أبيب بشأن احتمال دعم ترامب لمنافسي نتنياهو في الانتخابات المقبلة.
تُظهر هذه التطورات أن العلاقات بين واشنطن وتل أبيب قد دخلت مرحلةً لم يعد فيها الخلاف حول إيران وغزة ومستقبل النظام الأمني الإقليمي مجرد خلاف تكتيكي، بل أصبح فجوةً في الأولويات الاستراتيجية للطرفين؛ فجوةٌ يُعدّ تأجيل الزيارة الدبلوماسية أحد أبرز مؤشراتها.
عشية الانتخابات البرلمانية الحاسمة، يسعى ترامب إلى تحقيق انفراجة في سياسته الخارجية أمام الرأي العام الأمريكي، ولا يرى في الحرب الشاملة في المنطقة أمرًا مرغوبًا فيه؛ بينما لا يزال بقاء نتنياهو السياسي مرتبطًا باستمرار الوضع الأمني الراهن واستمرار حالة الحرب؛ وهي مسألةٌ تُشير إلى أن الخلاف الحالي ليس مجرد سوء فهم مؤقت، بل هو انعكاسٌ لتحوّلٍ تدريجي في ميزان المصالح والأولويات بين الحليفين التقليديين.
