الوقت- في الوقت الذي خفتت فيه حدة المعارك العسكرية داخل قطاع غزة مقارنة بالأشهر الأولى من الحرب، بدأت معركة جديدة تتشكل على الحدود الجنوبية للقطاع، وتحديداً عند مدينة رفح ومعبرها الحيوي.
فبعد أن كانت الأنظار تتجه نحو العمليات العسكرية والقصف والمواجهات الميدانية، انتقل الصراع تدريجياً إلى ملف لا يقل أهمية وخطورة: من يسيطر على بوابة غزة؟ ومن يمتلك حق رسم مستقبل القطاع في مرحلة ما بعد الحرب؟
لم يعد معبر رفح مجرد منفذ حدودي يربط غزة بالعالم الخارجي عبر الأراضي المصرية، بل أصبح عنواناً لصراع سياسي وأمني وإقليمي واسع تتداخل فيه الحسابات المصرية والإسرائيلية والدولية والفلسطينية. فكل طرف يدرك أن السيطرة على المعابر تعني امتلاك نفوذ مباشر على مستقبل القطاع، وعلى شكل السلطة التي ستديره، وعلى طبيعة الترتيبات الأمنية التي ستُفرض فيه خلال السنوات المقبلة.
رفح.. عقدة الجغرافيا والسياسة
منذ تأسيسه، شكل معبر رفح أهمية استثنائية للفلسطينيين باعتباره المنفذ الوحيد الذي لا يخضع مباشرة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي. وعلى مدى عقود لعبت مصر دوراً محورياً في إدارة هذا الملف، سواء من خلال التفاهمات الأمنية أو الوساطات السياسية أو الإشراف على حركة الأفراد والبضائع.
لكن الحرب الأخيرة على غزة قلبت المعادلات التقليدية. فمع دخول قوات الاحتلال إلى مناطق حدودية حساسة وسيطرتها لفترات على الجانب الفلسطيني من المعبر، بدأت إسرائيل تطرح تصورات جديدة لإدارة الحدود الجنوبية للقطاع، وهو ما أثار مخاوف مصرية متزايدة من محاولة إعادة رسم قواعد اللعبة الإقليمية بعيداً عن الدور التاريخي للقاهرة.
وتنظر مصر إلى رفح باعتبارها أكثر من مجرد نقطة حدودية، إذ تمثل جزءاً من منظومة الأمن القومي المصري. لذلك فإن أي ترتيبات جديدة تتجاوز القاهرة أو تنتقص من دورها تُعد بالنسبة لصناع القرار المصريين تهديداً مباشراً لمصالح البلاد الاستراتيجية في المنطقة.
لماذا تتمسك القاهرة بمعبر رفح؟
لا يتعلق الموقف المصري بمسألة السيادة الحدودية فقط، بل يرتبط أيضاً بمكانة مصر الإقليمية ودورها التقليدي في القضية الفلسطينية.
فعلى مدار عقود، كانت القاهرة الوسيط الأكثر تأثيراً بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، كما لعبت دوراً رئيسياً في اتفاقات التهدئة وصفقات تبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية. ومن هذا المنطلق، تدرك مصر أن أي تراجع في دورها داخل رفح قد ينعكس مباشرة على نفوذها في مجمل الملف الفلسطيني.
كما تخشى القاهرة من أن تؤدي الترتيبات الجديدة التي يطرحها الكيان الإسرائيلي إلى خلق واقع دائم يسمح له بالتحكم في البوابة الجنوبية لغزة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما قد يهمش الدور المصري ويجعل القاهرة مجرد طرف ثانوي في قضية لطالما كانت أحد أبرز الفاعلين فيها.
وتزداد الحساسية المصرية تجاه الملف في ظل الرفض القاطع لأي مشاريع تتعلق بتهجير الفلسطينيين من القطاع نحو سيناء، وهي الفكرة التي أثارت جدلاً واسعاً منذ بداية الحرب وواجهتها القاهرة بمواقف حازمة أكدت أن أمن مصر القومي خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
الرؤية الإسرائيلية: أمن طويل الأمد
في المقابل، يرى الكيان الإسرائيلي أن الحرب كشفت ما يعتبره ثغرات أمنية خطيرة في إدارة الحدود مع غزة. ولذلك تسعى حكومة الاحتلال إلى بناء منظومة جديدة تضمن رقابة مشددة على حركة الأفراد والبضائع عبر رفح، وتمنع – وفق الرؤية الإسرائيلية – إعادة بناء القدرات العسكرية لفصائل المقاومة.
وتقوم هذه الرؤية على إنشاء آليات تفتيش ومراقبة متقدمة، وإشراك أطراف دولية أو إقليمية في إدارة المعبر، مع الحفاظ على حق إسرائيل في التدخل الأمني عند الضرورة.
غير أن هذه المقاربة تثير اعتراضات واسعة، ليس فقط من جانب مصر والفلسطينيين، بل أيضاً من أطراف دولية ترى أن أي ترتيبات لا تستند إلى توافق سياسي شامل قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر وعدم الاستقرار.
ويرى مراقبون أن الهدف الأبعد لتل أبيب لا يقتصر على ضبط الحدود، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية داخل غزة، بما يضمن إضعاف نفوذ فصائل المقاومة وخلق واقع أمني جديد يتناسب مع المصالح الإسرائيلية طويلة المدى.
المعبر بوابة الصراع على إدارة غزة
في جوهر الخلاف القائم اليوم يكمن سؤال أكبر من المعبر نفسه: من سيدير قطاع غزة بعد الحرب؟
هذا السؤال أصبح محوراً رئيسياً للنقاشات الإقليمية والدولية. فهناك أطروحات تتحدث عن دور متجدد للسلطة الفلسطينية، وأخرى تشير إلى إمكانية تشكيل إدارة تكنوقراط فلسطينية، بينما تدعو بعض التصورات إلى إشراف عربي أو دولي مؤقت على القطاع.
وسط هذه السيناريوهات، تتمسك مصر بضرورة وجود إطار فلسطيني واضح يتولى إدارة غزة، وترفض أي حلول تتجاوز الإرادة الفلسطينية أو تفرض واقعاً جديداً بالقوة.
أما الكيان الإسرائيلي فيسعى إلى إيجاد صيغة تمنع عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب، مع الاحتفاظ بهامش واسع من التأثير الأمني والسياسي في القطاع.
ومن هنا تتحول رفح إلى مفتاح رئيسي في معركة تحديد هوية الجهة التي ستملك القرار السياسي والإداري في غزة خلال المرحلة المقبلة.
البعد الإنساني للأزمة
بعيداً عن الحسابات السياسية، يبقى سكان غزة الطرف الأكثر تأثراً بكل ما يجري. فالمعابر تمثل شريان الحياة الوحيد لأكثر من مليوني فلسطيني يعتمدون على المساعدات الإنسانية والإمدادات الغذائية والطبية القادمة من الخارج.
وخلال الشهور الماضية، أدى تعطل المعابر أو فرض قيود على عملها إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة. وأصبحت كل شاحنة مساعدات تدخل القطاع جزءاً من معركة سياسية معقدة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الاعتبارات الإنسانية.
وتحذر منظمات دولية باستمرار من أن أي تأخير في تشغيل المعابر بشكل طبيعي قد يؤدي إلى تعميق الأزمة الإنسانية ويزيد من معاناة المدنيين الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية نتيجة الحرب والدمار الواسع.
أبعاد إقليمية تتجاوز غزة
لا تقتصر أهمية رفح على مصر وغزة فقط، بل تمتد إلى مجمل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط. فالدور الذي ستلعبه القاهرة في المرحلة المقبلة سيؤثر على شكل التحالفات الإقليمية وعلى مسار التسويات السياسية المحتملة.
كما أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدداً من الدول العربية يتابعون عن كثب النقاشات المتعلقة بإدارة المعبر، باعتبارها جزءاً من ترتيبات أوسع تخص مستقبل القضية الفلسطينية وإعادة إعمار القطاع.
ويعتقد خبراء أن الصراع الحالي حول رفح يعكس مواجهة غير معلنة بين رؤيتين مختلفتين: الأولى تسعى للحفاظ على الأطر التقليدية التي حكمت الملف الفلسطيني لعقود، والثانية تحاول استغلال نتائج الحرب لفرض معادلات جديدة على الأرض.
معركة المستقبل
قد تبدو رفح في ظاهرها مجرد بوابة حدودية صغيرة على أطراف قطاع غزة، لكنها في الواقع أصبحت مركزاً لصراع استراتيجي يتجاوز حدود الجغرافيا. فالمعركة الدائرة اليوم ليست حول حركة المسافرين أو عدد الشاحنات العابرة، بل حول مستقبل غزة وهوية الجهة التي ستديرها وشكل النظام السياسي والأمني الذي سيولد من رحم الحرب.
ومع استمرار الخلافات بشأن ترتيبات المعبر، تبدو القاهرة مصممة على الدفاع عن دورها التاريخي ومصالحها الأمنية، بينما يواصل الكيان الإسرائيلي السعي لفرض واقع جديد ينسجم مع رؤيته للمرحلة المقبلة.
وبين هذين المسارين تبقى رفح نقطة الاشتباك الأكثر حساسية في معركة ما بعد الحرب، ومعها يتحدد جزء كبير من مستقبل القطاع والقضية الفلسطينية بأكملها. فكما كانت المدينة شاهدة على الحروب والصراعات العسكرية، تبدو اليوم شاهدة على معركة من نوع آخر؛ معركة النفوذ والشرعية والسيطرة على مفاتيح غزة في القرن الحادي والعشرين.
