الوقت- في خضم مشهدٍ إقليمي يتأجج بنيران التوتر المتصاعد، أطلقت وزارة الخارجية في حكومة صنعاء تحذيرات مدوّية تكشف عن أبعاد كارثية للعدوان الأميركي المتواصل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فعلى الرغم من الإعلان الأميركي عن وقف لإطلاق النار مع طهران، لم تتوقف الضربات العسكرية الأميركية، في سابقةٍ تكشف عن ازدواجية فاقعة في الخطاب والممارسة. صنعاء، التي تواجه هي الأخرى منذ سنوات وطأة الحصار والعدوان، لم تقف مكتوفة الأيدي، بل أعلنت بصوتٍ عالٍ وقوفها إلى جانب إيران ضد ما وصفته بمحاولات كسر إرادة شعبٍ حرّ يرفض الإذعان.
العدوان الذي لا ينتهي .. واشنطن بين وقف النار والقصف المتواصل
تُجسّد الضربات الأميركية المستمرة على إيران نموذجاً فاضحاً لما باتت تمارسه واشنطن من سياسة الكيل بمكيالين على الصعيد الدولي؛ إذ أعلنت من جهة عن وقف لإطلاق النار مع طهران، بينما واصلت من جهة أخرى شنّ هجماتها العسكرية متذرعةً بـ"الدفاع عن النفس"، في غياب تام لأي سند قانوني أو أخلاقي يُسوّغ هذا التناقض الصارخ. وقد أدانت وزارة الخارجية في صنعاء هذه الازدواجية بصراحة غير مسبوقة، مؤكدةً أن استمرار العدوان لن يُحقق للولايات المتحدة أيّاً من أهدافها المُعلنة أو المُضمرة. فالشعب الإيراني، الذي صمد في وجه عقود من الحصار والضغوط المتراكمة، يُثبت يوماً بعد يوم أن إرادته لا تُقهر بالقنابل ولا بالعقوبات. بل على النقيض من ذلك، فإن كل ضربة جديدة تُضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى المستنقع الاستراتيجي الذي تغوص فيه واشنطن بإرادتها. الفشل الذريع ليس احتمالاً مقبلاً، بل هو حليف أميركا الثابت في كل مغامرة عسكرية تخوضها في الشرق الأوسط منذ عقود. ومع كل تصعيد جديد، يتعمق الجرح الاستراتيجي الأميركي، ويتوسع نطاق الأزمة لتطال أطرافاً إقليمية ودولية لم تكن في حسابات مهندسي الحروب في واشنطن.
انزلاق نحو الهاوية .. سيناريو الحرب الإقليمية الواسعة
التحذير الذي أطلقته صنعاء من "الانزلاق نحو حرب أوسع" ليس مجرد بيانٍ دبلوماسي روتيني، بل هو تقييمٌ استراتيجي مدروس يستند إلى قراءة معمّقة للديناميكيات الإقليمية المتشابكة. فالمنطقة تقف اليوم على حافة انفجارٍ متعدد المحاور: في اليمن جبهة مشتعلة، وفي لبنان خيوط التوتر لا تزال مشدودة، وفي العراق قواعد أميركية تمثل أهدافاً محتملة أعلنت إيران صراحة حقها في استهدافها رداً على أي عدوان. وما تقوله صنعاء في بيانها هو أن سلسلة ردود الفعل هذه قد لا تكون قابلة للسيطرة إذا تجاوزت الأحداث عتبة بعينها. الولايات المتحدة تدفع بشبابها إلى منطقة تتكاثر فيها أوجه المواجهة وتتعقد معها حسابات الربح والخسارة. والأخطر من ذلك أن التصعيد العسكري في مواجهة دولة بحجم إيران وعمقها الاستراتيجي وشبكة حلفائها الممتدة لا يعني ضربة محدودة وانسحاباً نظيفاً، بل يعني الدخول في متاهة بلا خروج. وقد أثبتت التجارب الأميركية في أفغانستان والعراق وليبيا أن هامش الخطأ في الحسابات العسكرية يُفضي دائماً إلى كوارث إنسانية وانهيارات سياسية لا تُعوّض.
السيادة الإيرانية وحق الدفاع ..الموقف القانوني والأخلاقي
في خضم عالمٍ يتشدق بمبادئ القانون الدولي وحقوق الدول في الدفاع عن سيادتها، تبدو المعايير الأميركية المطبّقة على إيران منحازة انحيازاً فجّاً لا يخفى على أحد. فما يُحرَم على إيران من حق الدفاع المشروع عن نفسها، يُباح "لإسرائيل" وحلفائها بلا قيود. وقد جاء بيان وزارة الخارجية في صنعاء ليُعيد الاعتبار لمبدأ قانوني راسخ في ميثاق الأمم المتحدة: حق كل دولة ذات سيادة في صون أمنها وردّ الاعتداء عن أراضيها وشعبها ومقدراتها. إيران لم تشنّ حرباً ابتداءً، بل وجدت نفسها تحت وطأة حصارٍ اقتصادي خانق ومنظومة ضغوط متواصلة تهدف إلى تركيع شعبها. وحين تواجه ضرباتٍ مباشرة على أراضيها، يكون ردّها جزءاً من حقها الطبيعي المكفول دولياً لا تجاوزاً عليه. أما الذريعة الأميركية بـ"الدفاع عن النفس"، فتنهار لحظة أن نتساءل: من المعتدي ومن الضحية في معادلةٍ تُشنّ فيها ضربات على أراضٍ سيادية لدولة مستقلة؟ التاريخ سيحكم، وحكمه لن يكون لصالح من يُدمّر ويدّعي في الوقت ذاته أنه يحمي السلام
الاقتصاد العالمي رهينة الغطرسة الأميركية .. من مضيق هرمز إلى أسواق النفط
حين تُشعل واشنطن نيران عدوانها على إيران، فإنها لا تستهدف دولةً بعينها فحسب، بل تُطلق شرارةً في برميل بارود يمتد من مضيق هرمز إلى بورصات النفط الكبرى، ومن خطوط الشحن الدولية إلى الأسواق الاستهلاكية في أوروبا وآسيا. فإيران تتحكم بممرٍ مائي تعبره ما يزيد على خُمس احتياطيات النفط العالمية يومياً، ومجرد التلويح بإغلاقه يكفي لزلزلة الاقتصادات الكبرى. أما وقد تجاوزت الضربات الأميركية حدّ التلويح إلى التنفيذ الفعلي، فإن التداعيات الاقتصادية لا تعود مجرد احتمالٍ نظري، بل تصبح واقعاً يُقلق كبار المستثمرين وحكومات دول النفط وشركات الشحن العملاقة في آنٍ واحد. سلاسل الإمداد العالمية، التي لم تكد تتعافى من صدمات جائحة كورونا والأزمات المتتالية، تقف اليوم على حافة اضطرابٍ جديد يُهدد بإعادة رسم خريطة التجارة الدولية بالكامل. ومن المفارقات الصارخة أن واشنطن تتحدث عن صون الاستقرار العالمي بينما هي بعدوانها المتواصل تُفجّر هذا الاستقرار من داخله، وتُحوّل أسواق الطاقة إلى ساحة حرب اقتصادية تدفع فاتورتها شعوب العالم لا صانعو القرار في البيت الأبيض.
صنعاء الصامدة تقف مع طهران
ليس من قبيل الصدفة أن تكون صنعاء، المحاصَرة، المقصوفة، التي دفعت ثمن صمودها دماءً ودماراً لسنوات طويلة، هي التي ترفع صوتها اليوم أعلى من سواها دفاعاً عن إيران في مواجهة الغطرسة الأميركية. فهذا التضامن ليس مجرد موقفٍ سياسي مرحلي، بل هو وليد تجربة مشتركة في مواجهة آلة الحرب ذاتها، والحصار ذاته، والمنطق الاستعماري الذي يُعاقب الشعوب على رفضها الاستسلام. صنعاء تعرف جيداً ما معنى أن تُقصف وأنت تُعلن أن وقف النار قائم؛ تعرف ما معنى الادعاء بالدفاع عن النفس بينما القنابل تسقط على المدنيين. وحين تُعلن اليمن وقوفها إلى جانب إيران قيادةً وحكومةً وشعباً، فإنها تُرسل رسالةً مدوّية إلى واشنطن مفادها أن مشروع إخضاع شعوب المنطقة قد فشل فشلاً ذريعاً، وأن محاور الرفض تتوسع لا تنكمش. الإمبراطوريات لا تُهزم دفعةً واحدة، لكنها تنهار حين يقرر المستضعفون أن ثمن الكرامة يستحق كل تضحية. وما يجري اليوم من تضامن يمني-إيراني في مواجهة العدوان الأميركي هو صفحةٌ جديدة في ملحمة شعوبٍ قررت أن التاريخ لن يُكتب في واشنطن وحدها.
في نهاية المطاف، ما يجري اليوم من عدوانٍ أميركي سافر على إيران ليس مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل هو علامةٌ فارقة في مسيرة انهيار الهيمنة الأحادية التي أرادت واشنطن أن تفرضها على العالم بالقوة والترهيب. كل ضربة تشنّها الطائرات الأميركية على الأراضي الإيرانية تُعمّق الجرح الأخلاقي للولايات المتحدة أمام الرأي العام العالمي، وتُسقط ورقةً أخرى من أوراق شرعيتها المتآكلة. وكل بيانٍ تُطلقه صنعاء تضامناً مع طهران يُثبت أن محور الإباء لا يُستأصل بالقنابل ولا يُركَّع بالحصار.
إيران التي صمدت أربعة عقود في وجه أشرس حملة ضغوط في التاريخ الحديث، لن تنكسر تحت وطأة عدوانٍ يفتقر إلى السند القانوني والغطاء الأخلاقي. والشعب الإيراني الذي أثبت للعالم أن الإرادة الوطنية أمتن من كل سلاح، سيُخرج هذه المحنة أقوى وأكثر تماسكاً. أما واشنطن، فستجد نفسها أمام مستنقعٍ استراتيجي جديد تُضاف إلى سجلّها الحافل بالهزائم، من فيتنام إلى أفغانستان إلى العراق. التاريخ لا يرحم المعتدين، والمنطقة ماضيةٌ في رسم مستقبلها بأيدي أبنائها بعيداً عن وصاية الإمبراطورية المتهالك.
