الوقت - في وقت تعيش فيه الساحة اللبنانية، أكثر من أي وقت مضى، تحت تأثير التحولات الإقليمية المتسارعة، وبينما تتسع دائرة المواجهة بين حزب الله والكيان الصهيوني يوماً تلو الآخر، يرى منتقدو "نواف سلام" في الداخل أن الحكومة وبدلاً من تسخير كافة طاقاتها للدفاع عن السيادة الوطنية وحماية وحدة الأراضي، تنحو عملياً باتجاه تقويض التماسك الداخلي، وبما يتماشى مع مصالح وأهواء الأطراف الخارجية وأعداء لبنان.
وفي هذا السياق، وبعد جولات من المفاوضات المباشرة بين ممثلي بيروت وتل أبيب، برزت زيارة "نواف سلام" إلى دمشق ولقاؤه بـ "الجولاني" كحدث استقطب اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية في لبنان والمنطقة على حد سواء.
ورغم أن الوفد اللبناني قد تذرّع بأن الهدف الرسمي للزيارة هو تعزيز التعاون المشترك في مجالات الاقتصاد والطاقة والنقل والمسائل الحدودية، إلا أن توقيت هذه الخطوة في ظل الظروف الحساسة التي يمر بها لبنان والمنطقة، دفع المحللين إلى استشفاف أهداف خفية ومرامي مستترة وراء هذا التحرك.
يأتي هذا في وقت لم يقم فيه لبنان بعد علاقات دبلوماسية رسمية مع "الحكومة السورية المؤقتة"، ولا يزال الغموض وانعدام الثقة يخيّمان على الفضاء السياسي بين البلدين. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار زيارة "نواف سلام" إلى دمشق مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل يمكن قراءتها كجزء من التحركات الجديدة للجبهة "العربية العبرية الغربية" ضد محور المقاومة وحزب الله؛ وهي تحركات قد تفضي في المستقبل إلى تغيير المعادلات السياسية والأمنية في لبنان.
وفي هذا الصدد، قدّم السيد "حسن هاني زاده"، الخبير في شؤون غرب آسيا، إيضاحات حول تفاصيل هذه الزيارة في حوار خصّ به مراسل موقع "الوقت".
ففي معرض تحليله للأسباب التي دفعت الحكومة اللبنانية لاختيار دمشق وجهةً لدبلوماسيتها في هذه البرهة الزمنية، استعرض "هاني زاده" جملةً من الأحداث الأخيرة على الساحة اللبنانية قائلاً: "إن استمرار الهجمات الواسعة والدموية التي يشنها جيش الكيان الصهيوني على مناطق جنوب لبنان، وعجز حكومة نواف سلام عن كبح جماح هذا العدوان، يبرهن على تعمق الفجوة بين التيارات السياسية اللبنانية والسلطة الحاكمة الحالية. هذا المشهد يشي بأن الحكومة اللبنانية، ولاسيما رئيس الجمهورية جوزيف عون ونواف سلام، يرزحون تحت وطأة ضغوط قوى تتماهى مع واشنطن والكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، سعياً لخط مسار جديد في السياسة الخارجية اللبنانية. وفي هذا الإطار، شهدت الأشهر الأخيرة جولات عدة من الحوار والتشاور بين سفراء لبنان والكيان الصهيوني في واشنطن؛ إلا أن المعارضة الصارمة من القوى القريبة من المقاومة والرأي العام المؤيد لحزب الله، حالت دون اتخاذ الحكومة اللبنانية خطوات عملية وأكثر علانيةً في هذا المضمار".
ومن وجهة نظر السيد حسن هاني زاده، فإن نواف سلام يلعب فعلياً في الملعب الأمريكي الصهيوني، محاولاً عبر تأليب الأجواء السياسية والإعلامية النيل من مكانة حزب الله وإضعاف حضوره. ومع ذلك، لا يزال حزب الله يرتكز على قاعدة شعبية صلبة وعريضة في لبنان، وهو ما وضع الحكومة اللبنانية في موقف ضعف، وجعلها عاجزةً عن فرض إرادتها بالكامل على الفضاء الداخلي للبلاد.
وبحسب السيد هاني زاده، فإن "زيارة رئيس الوزراء اللبناني إلى سوريا ولقاءه بأحمد الشرع، تمثّل محاولةً للتنسيق الوثيق بين بيروت ودمشق بما يخدم أجندات الكيان الصهيوني الرامية لتقويض محور المقاومة. كما أن الزيارة المحتملة لجوزيف عون إلى واشنطن والتكهنات المحيطة بلقائه المرتقب مع بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان، قد عزّزت القناعة بأن الحكومة الحالية لا تمثّل بحق كافة المكونات السياسية والاجتماعية في لبنان. ومن هنا، فإن صمت الحكومة إزاء المجازر التي يتعرض لها أهالي الجنوب، يثبت أن المقاربة الحاكمة للدولة تتسم بصبغة طائفية أكثر من كونها وطنيةً؛ إذ لو تعرضت مكونات غير الشيعة لهجمات الجيش الصهيوني، لانتفضت الأنظمة العربية وسلطات بيروت بردود فعل حازمة، لكنهم اليوم يقابلون استباحة دماء الشيعة بتجاهل مريب".
رؤية المقاومة القاتمة حيال الحكام الجدد في دمشق
وفي معرض حديثه عن موقف المقاومة اللبنانية من لقاء "نواف سلام" بحكام دمشق الجدد، أكد السيد هاني زاده قائلًا: "إن المقاومة اللبنانية تنظر بعين الريبة والرفض للسلطة الجديدة في سوريا؛ فهي ترى أن أحمد الشرع يتحرك في فلك السياسات الأمريكية وبعض الأنظمة العربية، ويسعى عبر التقرب من الغرب لتمهيد الأرضية لإرساء علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني. فمن منظور تيار المقاومة، نأت الحكومة السورية المؤقتة بنفسها بعيداً عن محور المقاومة في السنوات الأخيرة، مما أدى إلى اتساع هوة انعدام الثقة بين حزب الله وحكام دمشق الجدد، وبات الشرخ السياسي والاستراتيجي بين الطرفين أعمق من أي وقت مضى".
وجدير بالذكر أن حزب الله، إبان الحرب السورية، كان قد خاض مواجهات ضارية ضد الجماعات التي تتربع اليوم على عرش السلطة، حيث قاتل جنباً إلى جنب مع حلفائه ضد تلك الفصائل المسلحة، وأوقع في صفوفها أعداداً كبيرةً من القتلى. ولا تزال مرارة هذه العداوة حيةً في الذاكرة السياسية لكل من المقاومة وحكام دمشق على حد سواء.
وبناءً على ذلك، ترى المقاومة أن تبدل الأقنعة أو تغير المواقف الظاهرية لهؤلاء "الإرهابيين السابقين" لا يعني تبدلاً حقيقياً في جوهرهم؛ فبالرغم من اعتلائهم هرم السلطة اليوم، إلا أن حزب الله لا يزال متمسكاً بنظرته السلبية تجاههم، ويأبى أن يمنحهم شرعية الاعتراف.
الدور التخريبي لثنائي الرياض وواشنطن
واستطرد خبير الشؤون الدولية في حديثه، واضعاً زيارة نواف سلام إلى دمشق في سياق التحركات الأمريكية والسعودية المستجدة في المنطقة، قائلاً: "إن الولايات المتحدة والسعودية تضطلعان بدور تخريبي في لبنان، حيث تسعيان عبر ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية إلى محاصرة حزب الله في زاوية ضيقة، تمهيداً لنزع سلاحه. وتشير بعض التقارير إلى احتمال تسلل قوات تابعة للحكومة السورية المؤقتة إلى الأراضي اللبنانية للدخول في صدام مباشر مع عناصر حزب الله. إن هذه التحركات برمتها تنبئ عن تبلور مؤامرة (عربية عبرية أمريكية) مشتركة تستهدف المقاومة اللبنانية؛ وهو سيناريو يرمي في جوهره إلى تقويض مكانة حزب الله في المعادلات الداخلية والإقليمية".
تلهث واشنطن والرياض وراء نزع سلاح حزب الله وإقصائه من المشهد السياسي اللبناني بغية بسط نفوذهما وتوسيع سطوتهما في البلاد. وفي ظل هذه الظروف، فإن إضعاف تيار المقاومة من شأنه أن يشرع أبواب لبنان أمام أطماع الاحتلال الصهيوني لتنفيذ مخططاته الخبيثة؛ ولهذا الغرض، تراهن هذه القوى رهاناً خاصاً على الحكومة اللبنانية الحالية لتمرير هذا المشروع.
