الوقت- في السادس من مايو/أيار 2025، انتهى الوجود العسكري الأمريكي على ساحل البحر الأحمر في اليمن، واضطرت السفن الأمريكية إلى الفرار أمام القوات المسلحة اليمنية.
أثبتت مقاومة اليمن في هذا الصراع للعالم أن ميزان القوى لم يعد يُقاس بحجم القوة العسكرية وعدد حاملات الطائرات، بل بإرادة جيش وأمة لا تعرف التراجع ولا تُقهر.
فشل الردع العسكري الأمريكي في باب المندب وهرمز
تُذكّرنا تناقضات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وارتباك إدارته، اليوم في عدوانها على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بتناقضات وارتباك إدارته خلال عدوانها العسكري على اليمن. فترامب، الذي توهم في الأشهر الأخيرة أنه سينهي الحرب مع إيران في غضون أسابيع، كان قد توهم سابقًا بإمكانية غزو اليمن في غضون أسابيع قليلة لفتح ممر بحري للعدو الصهيوني في البحر الأحمر.
في ذلك الوقت، حددت إدارة ترامب، انطلاقاً من وهم القوة والردع، إطاراً زمنياً محدوداً لغزوها اليمن، مدعيةً أن الهجمات لن تتجاوز "بضعة أسابيع"، لكن مسار الحرب لم ينقلب لصالحها.
بعد غزو عسكري لليمن دام 52 يوماً العام الماضي، نفذت خلاله أكثر من 1700 غارة جوية وقصف بحري، واجه الأسطول العسكري الأمريكي الضخم واقعاً صعباً على الأرض فرضته صنعاء.
خلال هذه الفترة، فاجأ الجيش اليمني واشنطن بقدراته العسكرية الفعالة، وأسقط سبع طائرات تجسس من طراز MQ9. والأهم من ذلك، أنه أجبر حاملة الطائرات هاري ترومان على الفرار قبل الأوان، كما أجبر حاملتي الطائرات فينسون وإيزنهاور بصواريخه وطائراته المسيرة، لدرجة أن سرعة هذه السفن أثناء فرارها تسببت في تحطم طائرة مقاتلة متطورة من طراز F-18 في المياه الدافئة للمنطقة وغرقها.
عندما أدركت واشنطن أخيرًا أن شنّ هجوم على اليمن لن يحقق النتائج المرجوة، وأنه سيُكبّد اقتصادها وصناعاتها العسكرية خسائر فادحة، فضّلت الانسحاب من المنطقة والتوجه نحو حل سياسي، ووساطة دولية، واتفاق.
كان الاتفاق الذي دعمته عُمان "ضروريًا" لخروج الولايات المتحدة من أزمة البحر الأحمر، حتى تتمكن من الخروج من الحرب بأقل قدر من العار. جاء ذلك في الوقت الذي كان فيه ترامب يحاول إقناع الرأي العام بأن صنعاء قد استسلمت. شكّل هذا الاتفاق في نهاية المطاف انتصارًا لليمن واعترافًا بميزان الردع الجديد الذي فرضه اليمن على المنطقة، وفي مواقفه الداعمة لغزة وفلسطين، لم يُقدّم أي تنازلات للعدو، واستمر في الحصار البحري المفروض على الكيان الصهيوني.
شكّل اتفاق وقف إطلاق النار بين صنعاء وواشنطن في عُمان تطورًا هامًا في مسار النزاع، إذ بدّد وهم الغطرسة والهيمنة الأمريكية في المنطقة، وهو ما نتوقع تكراره في سياق الصراع الأمريكي الصهيوني مع إيران في المرحلة الراهنة. وقد قضى هذا الاتفاق على الردع الأمريكي في المنطقة، وفرض معادلات جديدة ومعقدة على القوات البحرية الأمريكية، ووضع حدًا جديدًا لعصر حاملات الطائرات الأمريكية. وقد تناولت مجلة "أمريكان أتلانتيك" هذا الموضوع، ووصف العديد من أفراد البحرية الأمريكية، من جنود وضباط، بل وحتى الرئيس ترامب نفسه، اليمنيين بالشجاعة.
درسٌ منسيّ وفضيحةٌ تتكرر
خلال غزو اليمن، قرر ترامب عدم الدخول في حرب أو مهاجمة إيران. صرّح حينها بوضوح: "لن يجرّني نتنياهو إلى حرب مع إيران". يُعدّ هذا التصريح اعترافًا صريحًا من ترامب بأنه سيخوض حربًا نيابةً عن الكيان الصهيوني. مع ذلك، نسي ترامب الدرس الذي استخلصه من معركة البحر الأحمر، ونجح نتنياهو في نهاية المطاف في جرّه إلى حربين فاشلتين مع إيران.
في خضمّ تطورات الحرب التي استمرت أربعين يوماً عقب العملية العسكرية الأمريكية الصهيونية المشتركة في يونيو الماضي، مُنيت الولايات المتحدة بهزيمةٍ لم يستطع أحدٌ إخفاءها. وقد اعتبر جميع المحللين الأمريكيين، باستثناء المسؤولين الحكوميين، العملية العسكرية التي شنّها ترامب ضد إيران فاشلة، ورأوا أنه لم يفشل فقط في تحقيق أهدافه المعلنة المتمثلة في تغيير النظام في إيران والقضاء على قدراتها الصاروخية والنووية، بل إن مقارنة الأوضاع الإقليمية قبل الحرب وبعدها تُظهر أن مؤشرات الردع الحربي قد تغيّرت لصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
في هذا السياق، سعت إدارة ترامب مرارًا وتكرارًا خلال الأسابيع الأخيرة إلى إعادة المنطقة إلى وضعها قبل حربها على إيران، وإلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام أسطولها العسكري وسفنها التجارية وناقلات النفط الدولية. إلا أن إيران أعلنت أن إعادة فتح مضيق هرمز لن تتم إلا وفقًا للمعادلات التي تراها مناسبة، وقد باءت الجهود الأمريكية في هذا الصدد بالفشل أيضًا.
في هذا السياق، وضع ترامب خطة لحصار السفن التجارية الإيرانية وناقلات النفط في المناطق النائية. وبينما يعتبر المسؤولون الأمريكيون هذه الخطة ناجحة، تُظهر بيانات مراكز الملاحة الدولية وتقارير محللين غربيين وإقليميين بارزين أن خطة ترامب للحصار البحري لم تُحدث تأثيراً يُذكر على الملاحة التجارية وعملية تصدير النفط الإيراني.
في ضوء هذه الهزيمة الجديدة، سعى الرئيس الأمريكي، لكسب الوقت وتقديم نموذج جديد لتهديد إيران، إلى طرح خطة لتحرير الملاحة في مضيق هرمز. إلا أن هذه الخطة مُنيت بفشل مبكر، وبعد فشل العملية العسكرية التي شاركت فيها ثلاث حاملات طائرات و38 طائرة للتزود بالوقود، والتي استمرت 48 ساعة دون تحقيق أي نتائج، اضطر ترامب إلى التراجع عن خطته.
وهكذا، في 6 مايو 2026، وبعد عام واحد بالضبط من 6 مايو 2025، تكرر سيناريو ترامب الفاضح، وهذه المرة استخدم طلب باكستان بخفض التوتر ووقف إطلاق النار كذريعة لتبرير انسحابه الأحادي من مؤامرته الجديدة مرة أخرى.
زعم الرئيس الأمريكي على منصة "تروث سوشيال" أن قراره استند إلى طلب باكستان ودول أخرى، وإلى "النجاح العسكري الهائل" الذي تحقق خلال الحرب ضد إيران! وبالتالي، فإن تزامن هزيمتين أمريكيتين في السادس من مايو/أيار لا يُعدّ دليلاً على هزائم أمريكا المتكررة في المنطقة فحسب، بل يكشف أيضاً جانباً من شخصية ترامب، وهو أنه كلما واجه هزيمة كبيرة، يحاول التغطية عليها بكذبة أكبر.
