الوقت- لقد اتخذ مضيق هرمز بالنسبة لإيران بُعداً دفاعياً، فضلاً عن كونه أداةً استراتيجيةً للردع؛ وبما أن أركان الاقتصاد والأمن العالميين مرتهنةٌ بمصادر الطاقة، فإن ذلك سيُجبر الدول -لا محالة- على مراعاة اعتبارات إيران، وصياغة علاقاتها السياسية والاقتصادية وفقاً لهذا الواقع.
وعلى ضوء البيان الأخير لقائد الثورة الإسلامية في إيران بشأن الأهمية الاستراتيجية للخليج الفارسي ومضيق هرمز، أجرى موقع "الوقت" حواراً مع الدكتور "أحمد زارعان"، الخبير في الشؤون الإقليمية، وفيما يلي نص الحوار:
الوقت: أشار سماحة القائد في جانب من بيانه إلى السجل التاريخي الحافل بنضالات الشعب الإيراني وتضحياته الجسام في سبيل صون أمن الخليج الفارسي ومجابهة القوى الاستعمارية؛ واليوم، إذ يعيد التاريخ نفسه، ما الذي يحمله هذا الاستحضار التاريخي من دلالات -بمعزل عن المناسبة المباشرة لصدور البيان- في تبيان دور إيران ومكانتها بوصفها الحارس الأزلي للأمن والاستقرار في هذه المنطقة؟
الدكتور زارعان: لقد خضع الخليج الفارسي تاريخياً للهيمنة الجيوسياسية الإيرانية؛ فمنذ غابر الأزمان وصولاً إلى عصرنا الراهن، وفي فترات تاريخية متعاقبة، كانت الأراضي الواقعة على ضفتي هذا الممر المائي تابعةً لإيران، مما أتاح لها بسط سيادة مطلقة عليه. ونظراً للمكانة الاقتصادية المرموقة التي تبوأها الخليج الفارسي عبر العصور، لاسيما في القرنين الأخيرين بعد اكتشاف النفط، فقد ظل منطقةً استراتيجيةً تتسابق إليها القوى قاطبةً. وحتى قبل عصر النفط، كان الخليج الفارسي محط أنظار القوى الاستعمارية نظراً لدوره المحوري في حركة التجارة العالمية؛ ومن هنا، رأينا كيف امتدت أطماع الهولنديين والبرتغاليين والبريطانيين، ومن ثم الأمريكيين، نحو هذه المنطقة، فما كان من إيران إلا أن وقفت سداً منيعاً طوال التاريخ للذود عن حياض الخليج الفارسي، والتصدي لتدخلات القوى الاستعمارية والمعتدية.
الوقت: تبرز قضية "مضيق هرمز" كواحدة من أكثر الملفات إلحاحاً اليوم في خضم "حرب الأربعين يوماً" وملف أمن الخليج الفارسي؛ وقد شدّد بيان المرشد الإيراني الأعلی على أن إدارة هذا المضيق في المستقبل ستكون بيد إيران. ومن جهة أخرى، يعلن سماحته عن الجهوزية التامة لـ 90 مليون إيراني -في الداخل والخارج- للذود عن حياض الوطن وحدوده البرية والبحرية. فما هي الرسالة التي يحملها هذا الموقف الصارم والخط الأحمر الجليّ بشأن مضيق هرمز لـ "واشنطن" وحلفائها، وهم الذين عادوا في الأيام الأخيرة للتلويح بعمليات عسكرية جديدة، لاسيما في مياه الخليج الفارسي؟
الدكتور زارعان: كما أسلفتُ، لطالما كان الخليج الفارسي مَحطَّ أطماع القوى الاستعمارية الغربية، التي سعت حثيثاً لبسط هيمنتها عليه رغبةً في تأمين مآربها الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية. ومن الطبيعي أن تتحرك القوى الأجنبية في المنطقة وفق بوصلة مصالحها الذاتية فحسب؛ بل إن دعمها للأنظمة القائمة في بعض دول الجوار إنما يصبُّ في نهاية المطاف في خانة تأمين أجنداتها الخاصة.
من هنا، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ترفض، مبدئياً، أي تدخل أجنبي في الترتيبات السياسية والأمنية والاقتصادية للمنطقة، وتؤمن يقيناً بأن التدخل الخارجي هو بؤرة عدم الاستقرار وموئل انعدام الأمن. فإذا ما طُويت بساط التدخلات الأجنبية، فستكون دول المنطقة قادرةً -بلا ريب- على هندسة أمنها الخاص عبر إرساء منظومة أمنية ذاتية نابعة من إرادتها.
لقد برهنت "حرب الأربعين يوماً" الأخيرة أن الغاية الأمريكية من التواجد في الخليج الفارسي وتشييد القواعد العسكرية ليست حماية مصالح دول المنطقة، بل صون مصالح أمريكا والكيان الصهيوني حصراً. ففي أتون هذه الحرب، اتخذ الأمريكيون اقتصاد المنطقة وأمنها "رهينةً" لديهم، وشاهدنا عياناً حجم الأضرار التي تجرعتها دول المنطقة جراء ذلك. لذا، فإن رحيل أمريكا من المنطقة -وهو هدف استراتيجي للجمهورية الإسلامية- سيسهم في إرساء دعائم الاستقرار الإقليمي.
وعليه، ستسعى إيران في مرحلة ما بعد حرب الأربعين يوماً، وبكل جدية، إلى تحقيق استراتيجية "منطقة خالية من الوجود الأمريكي"، لاسيما في حوض الخليج الفارسي. وإيران، عبر ممارستها لسيادتها على مضيق هرمز وإشرافها على هذا الشريان المائي الحيوي، تعمل على تقليص النفوذ الأمريكي وتجفيف منابع سطوته. وبالطبع، فإن الأمريكيين لا يستسيغون هذا الواقع، ويحاولون عبر فرض "حصار بحري" على إيران أن يفتحوا ثغرةً في مضيق هرمز لصالحهم، لكن هذه الاستراتيجية باءت بالفشل حتى الآن؛ ومع ذلك، يتحتم علينا الرد بحزم على هذه التحركات لمنع تحول السلوك العدواني الأمريكي إلى نهجٍ روتيني تجاه إيران.
أما تلك التهديدات المتكررة التي يطلقها الأمريكيون، فهي محاولة يائسة لممارسة "سياسة الضغوط القصوى" بغية التأثير على الأوضاع الداخلية لإيران، لاسيما في الشق الاقتصادي، ومحاولة واهمة لإحداث شرخٍ في صفوف الشعب والقيادة عبر هذه التهديدات والبهلوانيات الكلامية. لكن، وبصرف النظر عن هذه الأهداف التضليلية، إذا ما سوّلت للأمريكيين أنفسهم الإقدام على مغامرة عسكرية حقيقية ضد السواحل أو الجزر الإيرانية، فإن الرد الإيراني سيكون "موجعاً" لدرجةٍ لا يتصورونها، وسيتجلى الخليج الفارسي "مقبرةً" للغزاة الأمريكيين.
قد تملك أمريكا قرار البدء بحرب جديدة، لكن إيران هي من سيخطُّ "قواعد الاشتباك" ويحدد نهايتها. إيران تمتلك ساحلاً يمتد لـ 1400 كيلومتر على الخليج الفارسي، ويرتفع هذا الرقم إلى أكثر من 1800 كيلومتر باحتساب شواطئ الجزر؛ لذا فإن "الحرب غير المتكافئة" التي تدربت عليها قوات حرس الثورة -بما تملكه من زوارق مسيرة، وقوارب سريعة خاطفة، وصواريخ "كروز" بحرية قصيرة المدى، وغيرها من أسلحة الردع- ستقلب موازين الحرب وبالاً على الأمريكيين، ليجروا ذيول الخيبة في هزيمةٍ تاريخية أخرى.
الوقت: ثمة محورٌ جوهري آخر في نداء المرشد الإيراني الأعلی، يكمن في تأكيده على أن الوجود الأمريكي غدا هو العامل الأساس لزعزعة استقرار شعوب المنطقة وتضليل الرأي العام العالمي في الحرب الأخيرة، مع استشرافه لمستقبلٍ مشرق لمنطقة الخليج الفارسي يرفل فيه أهلها بنعيم التقدم والازدهار. فما هو تقييمكم لمدى استفادة دول المنطقة وشعوبها من جلاء القوات الأجنبية عن حوض الخليج الفارسي؟
الدكتور زارعان: إن الأمريكيين يبررون تواجدهم في الخليج الفارسي -وكافة المناطق الجيوسياسية الحساسة- بفرض "الهيمنة" ومتابعة مصالحهم الذاتية ومصالح حلفائهم. وفي منطقتنا تحديداً، يلهثون وراء مآربهم الخاصة ومصالح الكيان الصهيوني، ويراودهم حلم الاستحواذ المطلق على هذا الممر المائي الاستراتيجي الذي لا يُقدر بثمن. فغايتهم القصوى من السيطرة على هذا الشريان الملاحي ومنطقة الخليج الفارسي -باعتبارها أكبر مخزنٍ للنفط في العالم- هي امتلاك أوراق الضغط اللازمة لـ "إدارة" منافسيهم الدوليين وكبح جماحهم.
وعليه، فإن الوجود الأمريكي ليس ضامناً لرفاهية دول المنطقة أو أمنها، بل إن هذه الدول باتت هي من تدفع فاتورة السياسات والاستراتيجيات الأمريكية من كيسها الخاص. وقد كشفت الحرب الأخيرة بوضوح أن التواجد الأمريكي لا يسهم في استتباب أمن هذه الدول، بل إنه -وفق "معادلة عكسية"- يضعها في مهب الأخطار والتهديدات المباشرة.
ومن الطبيعي، إذا ما وصلت دول الخليج الفارسي إلى ذاك المستوى من "البصيرة والوعي" الذي تدرك معه أن الوجود الأمريكي يتناقض تماماً مع مصالحها القومية ومصالح جيرانها، وعملت على التمهيد لرحيل أمريكا أو إخراجها من المنطقة، فإنها ستتمكن حينها من تسخير مواردها الوفيرة في سبيل رقيّ شعوبها ورفاهيتها. كما ستستطيع دول المنطقة، عبر التآزر والتنسيق الوثيق، ابتكار "منظومات أمنية ودفاعية واقتصادية" متطورة، والخطو بثبات نحو تحقيق تطلعات الشعوب عبر أوسع آفاق التعاون الاقتصادي المشترك.
الوقت: سؤالٌ أخير؛ أعلنت بعض الدول الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا، مؤخراً عن نيتها تشكيل تحالفٍ للمشاركة في تأمين الملاحة في الخليج الفارسي، متذرعةً بما تسميه "ضمان حرية الملاحة" في مضيق هرمز. أولاً: لماذا أحجمت أوروبا عن مشاركة "ترامب" في هكذا مهمة رغم "توقه" الشديد لتشكيل تحالفٍ دولي آنذاك؟ وثانياً: هل سيُكتب لهذا التحالف النجاح فعلياً، وهل بمقدوره تبديد مخاوف القادة العرب في الخليج الفارسي؟
الدكتور زارعان: لقد أثبت الأوروبيون في أتون "حرب الأربعين يوماً" أنهم ليسوا في واردِ دفع فواتير الطموحات الجامحة لـ "ترامب"؛ لذا، ورغم استعطاف واشنطن وتهديداتها المتلاحقة، نأى الأوروبيون بأنفسهم عن الانخراط في مواجهةٍ عسكرية ضد إيران.
أما فيما يخصُّ المزاعم حول تشكيل تحالفٍ لتأمين الملاحة، فلا بد من التنويه بأن حركة السفن في الخليج الفارسي لم تكن يوماً مهددةً من قِبل إيران؛ بل إن الطرف الأمريكي هو من يزرع الأشواك في هذا المضمار ويعطّل انسيابية الحركة. فإذا كان الأوروبيون صادقين في مسعاهم لتأمين الملاحة، فعليهم أولاً كبح جماح الإجراءات العدائية الأمريكية.
إن واشنطن تفرض حالياً حصاراً بحرياً مطبقاً، وتمارس "حرباً ناعمةً" بكل أبعادها؛ بل إن الهدنة التي أُعلنت في الثامن من نيسان (أبريل) الماضي، تُخرَق جهاراً نهاراً عبر هذا الحصار واستهداف السفن الإيرانية؛ ومن الطبيعي أن يكون لإيران حق الرد في ظروف الحرب هذه.
وبمجرد وضع أوزار هذه الحرب، سيعود أمن الملاحة تحت الإدارة الإيرانية المقتدرة في مضيق هرمز. ولكن، واهمٌ من يظن من الأوروبيين أن بإمكانهم العبور بسفنهم بعيداً عن الرقابة والإشراف الإيراني؛ فوفقاً لـ "اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار"، تمتلك الجمهورية الإسلامية حق السيادة على مياهها الإقليمية (بعمق 12 ميلاً بحرياً)، ولها الحق أيضاً في ممارسة الرقابة والسيطرة في "المنطقة المتاخمة" (الـ 12 ميلاً التالية) لضمان سلامة المرور البريء والتأكد من عدم المساس بأمنها القومي.
علاوةً على ذلك، تملك إيران الحق القانوني في تحصيل "رسوم عبور" مقابل خدماتها في تأمين هذا الممر المائي، وهو عرفٌ دولي متبع ولا يتنافى مع القوانين الدولية. فإذا ما كفّ الأمريكيون أيديهم وانقشعت غيوم الحرب، فستعود الملاحة إلى طبيعتها تحت الإدارة السيادية الإيرانية.
والنقطة الجوهرية التي يجب أن يدركها الجميع هي أن "مضيق هرمز لن يُفتح بالقوة العسكرية"؛ فبالنظر إلى ضيق عرض هذا الممر المائي والإشراف الإيراني المطلق عليه، لا توجد حلول عسكرية لهذه المعضلة. لذا، إذا أرادت الدول الأوروبية لمضيق هرمز أن يظل شرياناً مفتوحاً أمام سفنها، ولأزمات الطاقة والغذاء أن تنتهي، فعليها لزاماً التصدي للعنجهية الأمريكية.
إن الطريق الوحيد أمام الأوروبيين للاستفادة من مزايا هذا المضيق يمرّ عبر بوابة الاعتراف بحقوق الشعب الإيراني، واحترام السيادة الوطنية، وإلغاء العقوبات الجائرة. أما إذا استمروا في ممالأة واشنطن والاكتفاء بمطالبة إيران بالتنازلات مع مواصلة النهج العدائي، فسيظل المضيق موصداً في وجوههم، ولن تزيد تحالفاتهم العسكرية الأمر إلا تعقيداً واشتعالاً في المنطقة.
