الوقت - بعد مرور أسبوع واحد على إبرام الهدنة بين إيران والولايات المتحدة، ساد الصمتُ أخيراً جبهة لبنان عصر يوم الخميس؛ حيث قبل الكيان الصهيوني —رغم معارضته الشديدة لأي ربط بين وقف الحرب مع إيران وحزب الله— بوقف هجماته على الأراضي اللبنانية. وعلى غرار المشهد الذي تلا إعلان الهدنة التي استمرت أسبوعين بين إيران وأمريكا، يشن الکيان الصهيوني في الساحة اللبنانية حرباً نفسيةً وإعلاميةً شرسةً، تهدف إلى صرف الأنظار الدولية عن حقيقة اضطرار الأطراف لقبول شروط المقاومة.
وتكتسب هذه المناورة أهميةً قصوى، لا سيما فيما يتعلق بتأثيراتها على مسار المفاوضات الثلاثية في واشنطن بين مسؤولي بيروت وتل أبيب، وسعيها لتحييد الضغوط الداخلية الواقعة على الكابينة الأمنية لنتنياهو.
وفيما يخص مفاوضات واشنطن —التي أثارت معارضةً حادةً من جانب المقاومة والرأي العام اللبناني تجاه قرار حكومة عون بقبول لقاء مباشر مع مسؤولي سلطة الاحتلال في ظل استمرار العدوان على السيادة اللبنانية— فإن الأطراف الثلاثة في واشنطن (الولايات المتحدة، حكومة جوزيف عون، وتل أبيب) يسعون جاهدين لتسويق وقف الحرب وكأنه ثمرة وإنجاز للمفاوضات المباشرة مع الكيان. إنهم يحاولون، في واقع الأمر، إيهام الشعب اللبناني بأن التفاوض والتنازل خيرٌ من المقاومة في تأمين مصالح لبنان وأمنه وسلامة أراضيه، بل ويحثّون على استمرار المفاوضات، حتى لو استلزم الأمر القبول بما يروّج له الصهاينة والأمريكيون كـ "معاهدة سلام"؛ وهي معاهدة لا تعدو كونها اعترافاً بالكيان الصهيوني ومساراً نحو قبول شروطه في نزع سلاح المقاومة ولبنان ككل.
بل إن المسؤولين الأمريكيين والصهاينة تحدثوا عن احتمال إجراء حوار مباشر غير مسبوق بين جوزيف عون ونتنياهو، وهو ما يعد "هدفاً ذهبياً" لصالح تل أبيب في دورها كمعتدٍ ومحتل.
ويزعم الصهاينة، بدعم أمريكي، أن هدفهم الرئيسي من جولة العدوان الجديدة على لبنان، هو الضغط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح المقاومة تنفيذاً لبنود اتفاق هدنة 27 نوفمبر 2024. وللأسف، فقد أظهرت حكومة جوزيف عون مسبقاً تعاونها مع أمريكا والسعودية والكيان الصهيوني عبر تقديم مهلة محددة تتمثل في منح فرصة حتى نهاية عام 2025 لنزع سلاح حزب الله. والمفارقة هنا أن حكومة جوزيف عون، التي ولدت من رحم الظروف الاستثنائية لما بعد حرب الـ 66 يوماً، ومن رحم مرونة المقاومة لإنهاء الجمود السياسي الذي دام عامين في اختيار رئيس للجمهورية لتمهيد الطريق لإعادة الإعمار واستقرار البلاد، قد تحولت عملياً إلى "حكومة رهينة" لدى تيار بعينه، ولم تعد تمثّل التعددية السياسية التي يتسم بها المجتمع اللبناني.
ويتجلى هذا الموقف بوضوح في تصريحات مسؤولي حزب الله؛ حيث صرح "محمد رعد"، رئيس كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني، بشأن المفاوضات الجارية بين لبنان والكيان الصهيوني في واشنطن قائلاً: "إن جلسة المفاوضات في واشنطن بين الممثلين اللبنانيين والكيان الصهيوني، تعكس تراجع مكانة لبنان في الأجندة الأمريكية".
وأضاف رعد: "هذا الأمر ينقض ادعاءات أولئك الذين يسعون بلهفة لاتباع أمريكا، وهي الدولة التي تقف صراحةً خلف الكيان الصهيوني المجرم والمارق".
وشدّد رعد على أن: "البيان الصادر عن هذا الاجتماع، شكلاً ومضموناً، يبعث على الخزي؛ فهو لا يكتفي بوضع ادعاءات الحكومة اللبنانية —التي ربطت التفاوض بوقف إطلاق النار— موضع تساؤل فحسب، بل يقوّض أيضاً كافة المزاعم المتعلقة بالحفاظ على سيادة لبنان، ويُكرّس التبعية والاستسلام لمطالب العدو وحليفه".
وفي خضم هذا المشهد المأساوي، لم يكن نهج حكومة عون هو المحرك، بل كانت إيران هي من فرضت شرط استمرار الهدنة بوقف اعتداءات الكيان على الأراضي اللبنانية، مما دفع ترامب —على حد تعبيره— إلى إجبار الصهاينة على وقف هجماتهم فوراً.
لقد كانت طهران صريحةً منذ البداية، إذ أعلنت أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يشمل وقف الهجمات على كافة فصائل المقاومة في المنطقة. وتُشير الأنباء إلى أن مسؤولي الجمهورية الإسلامية قد قدموا "إنذاراً أخيراً" للجانب الأمريكي، مفاده أن إيران ستشن هجوماً صاروخياً على الأراضي المحتلة مساء الخميس ما لم تتوقف اعتداءات الكيان على لبنان. كما يتضح من تصريحات المسؤولين الإيرانيين، ومن بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي، أن طهران قد منحت —بشرط وقف الحرب في لبنان— إذناً بمرور محدود للسفن التجارية عبر مضيق هرمز.
بناءً على ذلك، وبعد جولات من المقاومة الأولية، وجدت واشنطن وتل أبيب نفسيهما مضطرتين للاستجابة للمطالب الإيرانية. ومن ثم، فإن النهج التوافقي لحكومة عون لم يكن له أي دور في انتزاع تنازلات من حکومة نتنياهو المتشددة؛ تماماً كما أن أشهراً من المقاربة الاسترضائية التي أظهرتها وزارة الخارجية اللبنانية بقيادة يوسف رجي لإرضاء الصهاينة، لم تنجح في دفع الجيش الصهيوني للتراجع عن خمس نقاط احتلها بعد هدنة عام 2024.
علاوةً على ذلك، كان نتنياهو يدرك تمام الإدراك أن قبول وقف الحرب سيواجه موجةً عاتيةً من الاحتجاجات، سواء من المتشددين داخل كابينته أو من المستوطنين النازحين على الحدود الشمالية مع لبنان. ووفقاً لتقارير وسائل إعلام صهيونية، فإن المتشددين في حكومة نتنياهو يستشيطون غضباً من قراره بالاستجابة لضغوط ترامب لوقف الحرب في لبنان، ويعتبرون ذلك خيانةً لعشرات الآلاف من المستوطنين المهجرين في المناطق الشمالية، وتراجعاً وهزيمةً في مخطط نزع سلاح المقاومة.
ونقلت القناة 12 العبرية أن موجةً من الغضب تجتاح "إسرائيل"، لأن ترامب أعلن هدنة لبنان قبل انعقاد تصويت الكابينة. كما اعترفت القناة 13 الإسرائيلية بأن إيران قد سجلت أولى إنجازاتها في المفاوضات مع أمريكا من خلال هدنة لبنان.
وقد بلغت حدة هذه الضغوط حداً أجبر نتنياهو —في محاولة منه لتهدئة الهجمات السياسية وطمأنة المستوطنين النازحين— على الظهور في خطاب مسجل عبر الفيديو، يتباهى فيه بـ"نجاحه" في إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود اللبنانية، من جبل الشيخ وصولاً إلى حدود الجولان المحتل. بيد أن هذا الادعاء العسكري سرعان ما تبخر، ولم يصمد أمام الضربات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيرة التي شنتها المقاومة في الدقائق الأخيرة من الهدنة على المدن الصهيونية الحدودية.
