الوقت – لقد انتهت مرحلة الغموض السياسي التي ظلت تحيط ببغداد لأشهر، بانعطاف استراتيجي مفاجئ. لم يكن اختيار نزار أميدي، المرشح الرئيسي لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، لرئاسة الجمهورية العراقية مجرد تغيير في قائمة المسؤولين الوطنيين، بل يمثّل نقطة تحول في معادلات السلطة الداخلية، وفي التنافس بين أحزاب إقليم كردستان، كما يعيد رسم النفوذ الإقليمي على المستوى الدولي. وهذا التحول يُظهر تغيرًا في نموذج التحالفات الإلزامية في الإقليم، ويمهد الطريق أمام إطار تنسيقي جديد لتجاوز الجمود الحكومي في بغداد.
انتصار استراتيجي للاتحاد الوطني الكردستاني على الكتلة المنافسة
أولاً وقبل كل شيء، مثّل انتخاب نزار أميدي انتصارًا استراتيجيًا لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني. ولفهم عمق هذا الانتصار، يجب العودة إلى الأجواء الداخلية لإقليم كردستان.
خلال الأشهر الماضية، وصل التنافس بين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) والحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) إلى طريق مسدود. سعى الحزب الديمقراطي، من خلال تبني نهج متشدد وتقديم مرشح منافس، إلى الحصول على تنازلات واسعة في القضايا الداخلية للإقليم (مثل إدارة الموارد والميزانية وحكومة أربيل) عبر "المساومات السياسية" واستخدام حق النقض (الفيتو) في البرلمان. إن استراتيجية الديمقراطيين كانت مبنيةً على "عرقلة التقدم"؛ حيث كانوا يعلمون أنهم بمنع وصول الأصوات اللازمة إلى نصاب الثلثين من أعضاء البرلمان (وهو شرط لانتخاب الرئيس) يمكنهم إبقاء الاتحاد الوطني الكردستاني في حالة جمود.
ولكن ما شهدناه في الأيام الأخيرة، كان عرضًا للمهارات الدبلوماسية و"السياسة" (Politics) التي تجاوزت حدود الإقليم. لقد نجح الاتحاد الوطني الكردستاني في قلب المشهد من خلال نقل ساحة المعركة من أربيل إلى بغداد. هذا الحزب، بإدراكه الصحيح للفجوات الموجودة في التحالفات المنافسة، تمكن من خلال لعبة معقدة ومفاوضات خلف الأبواب المغلقة، من إيجاد شركاء جدد في البرلمان لم يكونوا بحاجة لاتحاد مع الحزب الديمقراطي.
هذا يعني أن الاتحاد الوطني الكردستاني نجح في تحويل "قانون الثلثين"، الذي كان سابقًا أداةً لشلّ العملية، إلى أداة لتجاوز عتبة المعارضين. هذا الانتصار لا يثبّت فقط مكانة الاتحاد الوطني في التركيبة السياسية العراقية، بل يرفع أيضًا بشكل كبير من قوته السياسية في مواجهة منافسه التاريخي في كردستان العراق.
فشل دبلوماسية الضغط؛ تراجع البيت الأبيض
على المستوى الكلي، يمثّل انتخاب نزار أميدي، إلى جانب كونه انتصارًا حزبيًا، فشلًا استراتيجيًا للولايات المتحدة الأمريكية وسياسات الضغط التي يتبعها البيت الأبيض. خلال الأشهر الماضية، كانت الولايات المتحدة تسعى بوضوح تام إلى توجيه مسار تشكيل الحكومة في العراق بعيدًا عن محور المقاومة، ووضعها تحت النفوذ المباشر لمصالح واشنطن. وكان التهديد بفرض عقوبات صارمة في حال عدم تشكيل حكومة "خارج دائرة المقاومة"، مؤشرًا على المستوى العالي للضغط الدبلوماسي والاقتصادي الأمريكي على اللاعبين العراقيين.
كانت واشنطن تأمل في ترسيخ حكومة في بغداد، من خلال استخدام أداة العقوبات ودعم تيارات معينة، تكون بمثابة سدٍّ منيع في وجه نفوذ جبهة المقاومة. ومع ذلك، أظهر انتخاب نزار أميدي أن التماسك السياسي بين التيارات التي تطالب بالحفاظ على السيادة الوطنية واستمرار دور محور المقاومة، قد تغلب على الضغوط الخارجية. وهذا الانتخاب يرسل رسالةً واضحةً إلى البيت الأبيض: إن بنية السلطة في العراق، خلافًا لحسابات واشنطن، تتشكل بمنطق إقليمي وتوازن القوى الداخلية، وليس بإملاءات خارجية.
تغيير معادلة منصب رئاسة الوزراء
إن الانتخاب المفاجئ لنزار أميدي، خاصةً دون المرور بالمسارات المعتادة للاتفاقيات في أربيل، يغير بدوره معادلات اختيار رئيس الوزراء. بهذا الاختيار، أصبح الطريق للوصول إلى منصب رئيس الوزراء، بصفتة المرشح الرئيسي للإطار التنسيقي وزعيم ائتلاف القانون، صعبًا للغاية. كان المالكي قد تحالف سابقًا مع مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، في المنافسات البرلمانية لتشكيل الحكومة المقبلة، ونتيجةً لذلك، كان من بين مقاطعي جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، برفقة ممثلي الحزب الديمقراطي.
الآن، تتجه كل الأنظار مجددًا نحو الإطار التنسيقي الشيعي لإعلان مرشح جديد، أو على الأرجح، استمرار الالتزام بترشيح المالكي. تشمل الخيارات المحتملة الأخرى شخصيات بارزة مثل شياع السوداني، وحيدر العبادي، باسم الدري، محسن المنداوي، حميد الشطري، قاسم الأعرجي، وعلي شكري. ومع هذا التطور، يبدو من غير المرجح حدوث انقسام كبير داخل الإطار التنسيقي الشيعي، باعتباره ائتلاف الأغلبية في البرلمان.
التداعيات وآفاق المستقبل
سيترتب على هذا التحول السياسي تداعيات رئيسية مستقبلية للعراق:
أولًا، إعادة تعريف السلطة في إقليم كردستان: انتصار الاتحاد الوطني الكردستاني في بغداد سيعزّز بشكل كبير ثقله السياسي في المفاوضات المستقبلية لتشكيل حكومة أربيل. الحزب الديمقراطي، الذي فشل باستراتيجيته "العرقلة"، يجد نفسه الآن في موقف صعب للعودة إلى طاولة المفاوضات؛ لأن القوة الرئيسية لتحديد مستقبل الإقليم قد عادت الآن من بغداد. بناءً على ذلك، لم تُحل العقدة السياسية للخلافات في أربيل فحسب، بل من المحتمل أن يزداد الانقسام السياسي بين أربيل والسليمانية، بسبب تصاعد حدة التنافس حول القضايا الرئيسية مثل رئاسة الإقليم، ومنصب رئيس وزراء الإقليم، والحكومة، وقضايا الميزانية والنفط، أكثر من أي وقت مضى.
ثانيًا، ترسيخ مكانة جبهة المقاومة: إن تشكيل حكومة تتعارض مع رغبة البيت الأبيض، يعني فشل دبلوماسية الضغط. وهذا الأمر يمكن أن يمهّد الساحة السياسية العراقية لوجودٍ أقوى للقوى المتحالفة مع المقاومة في المستقبل، ويمنع عزلة هذه التيارات السياسية.
في الختام، على الرغم من أن عملية تشكيل الحكومة لا تزال في مراحلها الأولى، إلا أنه بعد انتخاب الرئيس، تحددت كتل القوة، وسيصبح مسار تشكيل الحكومة متجهًا بشكل أكبر ليتوافق مع مكانة العراق المقاومة في المنطقة، بدلًا من منطق الاندماج الأمريكي والعربي لهذا البلد.
