الوقت - لقد قاد الجمود العسكري الذي واجهه كل من أمريكا و"إسرائيل" في مواجهة إيران، والذي استمر لمدة 38 يومًا دون تحقيق نصر، على التفكير في مسار آخر لقادة البيت الأبيض لتكثيف الضغوط على طهران. مسارٌ يدّعي فيه الأمريكيون قدرتهم على فرض حصار شامل على جميع الموانئ الإيرانية في الخليج الفارسي. إلا أن الكثيرين يرون أن قرار إدارة ترامب بفرض حصار بحري على إيران، لن يقدّم أي مساعدة لترامب في حربه ضد إيران، بل سيزيد من أسعار الوقود وناقلات الطاقة أكثر من ذي قبل، وسيرفع الأزمة الناجمة عن تضخم أسعار الوقود في أمريكا ودول أوروبية أخرى إلى مستويات مضاعفة.
بشائر الأزمة المتفاقمة: أولى إشارات الاحتدام
سرعان ما ألقت تصريحات ترامب حول الحصار البحري الإيراني بظلالها على أسواق الوقود العالمية، وبدت أولى إشارات تفاقم أزمة الطاقة تلوح في الأفق الآسيوي. وفقًا للتقارير، فإن تهديد الولايات المتحدة، في سياق سياساتها المحرضة على الحرب والمتسمة بالتوتر في الشرق الأوسط، بفرض حصار على مضيق هرمز، قد أدى إلى ارتفاع أسعار عقود الغاز المسال في آسيا. ففي يوم الاثنين، شهدت الأسواق الآسيوية منحى تصاعدياً. كما هوت أسواق الأسهم في منطقة آسيا والمحيط الهادئ يوم الاثنين، في مؤشرٍ يعكس قلق المستثمرين الشديد إزاء الوضع، لا سيما بعد فشل المفاوضات في إسلام آباد وعدم توصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق، وتهديد "دونالد ترامب" بحصار مضيق هرمز.
بالإضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار النفط الخام بشكل ملحوظ عقب انتهاء المفاوضات العقيمة وتحرك الولايات المتحدة نحو فرض حصار على حركة الملاحة البحرية في الموانئ الإيرانية. فقد بلغ سعر خام "وست تكساس الوسيط" 104.82 دولار للبرميل، بارتفاع قدره 8.54%، بينما تم تداول خام "برنت" بسعر 102.51 دولار للبرميل، بزيادة بلغت 7.27%.
أسواق أوروبا المتضررة: رماد الأزمة يلفّ القارة
لم تقتصر موجة صعود أسعار ناقلات الطاقة، إثر تهديدات ترامب بفرض حصار بحري على إيران، على آسيا فحسب، بل تواجه أوروبا أيضًا ظروفًا أكثر قتامةً. وفقًا لتقرير رويترز، فإن شركات إنتاج المواد الكيميائية الأوروبية، على الرغم من رفعها المتكرر لأسعار منتجاتها، تواجه انخفاضًا في إيرادات الربع الأول؛ وذلك بسبب الزيادة الحادة والمستمرة في أسعار الطاقة والمواد الخام الناتجة عن حرب الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد إيران، حيث لن يكون لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين سوى أثر قصير المدى. وبناءً على هذا النبأ، يُتوقع أن تقدم الشركات الكيميائية الأوروبية نتائج أضعف في تقريرها للربع الأول من العام الميلادي الحالي، مما يعكس الآثار العميقة للعدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران على الصناعات الأوروبية.
من جهته، أعلن اتحاد الصناعات الكيميائية الألماني (VCI) أن القطاع الكيميائي، وبخاصة مقارنةً بالصناعات الأخرى، يتأثر بالزيادة الملحوظة في تكاليف الطاقة والمواد الخام، نظرًا لاعتماده على النفط والغاز كمواد أولية. ولهذا السبب، قامت العديد من الشركات الكيميائية في ألمانيا بزيادة أسعارها، وفي بعض الحالات، كررت هذا الإجراء عدة مرات لمنتجات مختلفة.
وقالت آنا وولف، خبيرة الصناعة من معهد "Ifo" للأبحاث الاقتصادية الألمانية: "الأسعار المرتفعة تضعف من القدرة التنافسية للمنتجين الأوروبيين أمام الموردين الصينيين أكثر فأكثر."
تشير رويترز إلى أنه على الرغم من أن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين قد خفّف الضغط الفوري على أسواق الطاقة، إلا أن مستوى التكاليف والتقلبات لا يزال مرتفعًا. وقد أفادت شبكات إخبارية دولية، وفي مقدمتها "سي إن بي سي 18" و"بلومبرغ"، بحدوث طفرة حادة في أسعار الطاقة؛ حيث قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا، خلال تعاملات يوم الاثنين، بنسبة بلغت 18%، كما شهدت أسعار البنزين في بعض الدول الأوروبية ارتفاعاً بنسبة وصلت إلى 17%.
وتكشف البيانات الصادرة عن هذه الوكالات أن أسعار "الديزل" في أوروبا قد سجلت ارتفاعاً استثنائياً مقارنةً بالمشتقات النفطية الأخرى، إذ تجاوزت قفزتها حاجز الـ 30% خلال الأسابيع الأخيرة. ويعزو الخبراء هذا التفاوت الصارخ إلى الارتهان الهيكلي للقارة العجوز في استيراد الديزل؛ فبينما تنعم أوروبا بالاكتفاء الذاتي في مجال البنزين، تظل عاجزةً في ملف الديزل، حيث تستمد أكثر من نصف احتياجاتها من المصافي في منطقة الشرق الأوسط، وهي المسارات التي باتت الآن معطلةً ومسدودةً.
ترامب يقرّ بتزعزع استقرار أسعار الوقود في الولايات المتحدة
ولم تكن الولايات المتحدة بمنأى عن هذه العاصفة، إذ يسود سوق الوقود فيها وضعٌ شديد القتامة، زادت من حدته تهديدات ترامب بفرض حصار بحري على إيران. وفي مفارقة لافتة، أعقب "دونالد ترامب" أوامره المزعومة بفرض حصار بحري في مضيق هرمز، ليعترف في مقابلة صحفية بأن أسعار البنزين ستظل في تصاعد حتى شهر تشرين الثاني، تزامناً مع موعد الانتخابات النصفية، بل وقد تمضي نحو مستويات أكثر ذروةً. ويُعد هذا الاعتراف بمثابة إقرار ضمني بالتداعيات السياسية المحتملة لقراراته، بدءاً من التلويح بالهجوم على إيران في فبراير 2026، وصولاً إلى قراره الأخير بالحصار البحري. ووفقاً للبيانات المستقاة من تطبيق "GasBuddy"، فقد تجاوز متوسط سعر الجالون الواحد من البنزين في محطات الوقود الأمريكية حاجز الـ 4 دولارات خلال معظم أيام شهر أبريل الجاري. ويأتي هذا الارتفاع الصاعق في ظل مقارنةٍ حادة مع شهر فبراير الماضي، الذي استقر فيه المتوسط عند أقل من 3 دولارات للجالون، كما أن الأسعار لم تتجاوز حاجز الـ 3.25 دولار طوال العام المنصرم. وتتزايد التوقعات بأن تؤدي التهديدات الأمريكية بفرض حصار على الموانئ الإيرانية في الخليج الفارسي, إلى دفع أسعار الوقود نحو مستويات غير مسبوقة من الغلاء.
المسار الوعر: تحديات الحصار البحري الأمريكي المفترض على إيران
في ضوء ادعاءات ترامب بشأن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية في الخليج الفارسي، يبرز تساؤل جوهري ومصيري: هل يمتلك الرئيس الأمريكي حقاً الصلاحية والقدرة على فرض حصار بحري شامل على إيران؟ وتتجلى الصعوبات التي تواجه هذا التوجه في ثلاثة محاور رئيسة:
أولاً: أزمة الطاقة العالمية وتداعياتها المتسلسلة
إن أزمة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود ليست حبيسة الحدود الأمريكية أو القارة الأوروبية، بل امتدت جذوتها لتطال دولاً في أفريقيا وأستراليا؛ ما يعني أن فتيل الحرب والتهديد بفرض حصار على إيران قد يحوّل أزمة الوقود إلى معضلة عالمية عاصفة. ومع ذلك، تمتلك إيران تجربةً تاريخيةً في الصمود أمام أشدّ العقوبات النفطية ضراوةً في عرض البحر؛ فخلال الولاية الأولى لترامب، انخفضت مبيعات النفط الإيراني من مليوني برميل إلى 300 ألف برميل يومياً، إلا أن طهران نجحت في نهاية المطاف في إدارة الأزمة وتجاوزها. ويبدو أن المشهد الحالي يشير إلى أن إيران، حتى في حال فرض حصار على شحناتها النفطية، ستواصل البحث عن مسارات بديلة للالتفاف على هذا الحصار.
ثانياً: غياب الإجماع والتحالف الدولي
تكمن المعضلة الكبرى التي تواجه ترامب، في إخفاقه في حشد دعم دولي أو حتى استمالة شركائه الأوروبيين لهذا التوجه. فقد أعرب "كير ستارمر"، رئيس وزراء بريطانيا وأقرب حلفاء واشنطن في أوروبا، عن رفضه الصريح لخطة الحصار البحري في الخليج الفارسي. وفي السياق ذاته، تبنت فرنسا وألمانيا مواقف تتماشى مع الموقف البريطاني الرافض لهذا الحصار. أما إسبانيا، فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك، مهددةً باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي مشاركة لحلف "الناتو" في عمليات عسكرية في الخليج الفارسي، مما قد يحول دون انزلاق الحلف في صراع عسكري هناك. وهذا الانقسام الدولي يمثّل عائقاً جسيماً أمام أي محاولة أمريكية لفرض حصار بحري في الخليج الفارسي أو بحر عمان.
ثالثاً: حلفاء الشرق إلی جانب إيران
لا يمكن إغفال حقيقة أن إيران، وبالتعاون مع شركائها من القوى غير الغربية، وفي مقدمتهم الصين وروسيا، قادرة على تحييد أثر الحصار البحري في الخليج الفارسي وبحر عمان. فمن خلال سواحل بحر قزوين الشمالية، يمكن لطهران ضخّ شحناتها النفطية إلى الأسواق العالمية بالتعاون مع روسيا، كما يمكنها عبر المسارات البرية في أفغانستان النفاذ إلى الشرايين الاقتصادية الصينية. وبناءً على ذلك، فإن فرض حصار بحري في الخليج الفارسي لا يعني بالضرورة حصاراً شاملاً لإيران؛ فالمزايا الجغرافية وتعدد الحدود مع جيران متنوعين، تمنح طهران أوراقاً قويةً ومرونةً كافيةً للالتفاف على أي حصار بحري مفترض.
