الوقت – إن إعلان وقف إطلاق النار في اليوم الأربعين من الحرب والاعتداء الأمريكي والصهيوني المشترك على إيران، أظهر أن المعتدين، رغم كل الجهود القصوى التي بذلوها، واجهوا في العمليات العسكرية ضد إيران حالةً من الإحباط والتعثر.
وفيما يتعلق بتفاصيل وقف النار وظروف ما بعده، أجری موقع "الوقت" التحليلي حواراً مع الدكتور أحمد زارعان، مدير معهد "أندیشه سازان نور" للدراسات الاستراتيجية والخبير البارز في القضايا الإقليمية. وفي هذا الحوار، أكد الدكتور زارعان أن إيران بعد الحرب أصبحت مختلفةً تمامًا عن إيران قبل الحرب، وأن الحرب كانت سببًا في تثبيت قوة إيران في المنطقة وفي النظام الدولي. إليکم تفاصيل هذا الحوار:
الوقت: ما هي الظروف التي أدت إلى قبول وقف إطلاق النار من قبل الأمريكيين والصهاينة؟
الدكتور زارعان: بالطبع، يجب أن نشير إلى أن وقف إطلاق النار هذا تم قبوله من جانب الأمريكيين، بينما لم تلعب دولة الاحتلال الإسرائلي أي دور في تبادل الرسائل الخاصة بوقف النار. لهذا السبب، شهدنا بعد وقف النار تصريحات نتنياهو العدائية ضد إيران، وهاجم الصهاينة لبنان بشكل وحشي بعد يوم واحد من إعلان وقف إطلاق النار. إذًا، وقف إطلاق النار هذا تم قبوله من جانب الأمريكيين فقط، بينما لم يكن الصهاينة راضين عنه بشكل كبير.
أما فيما يتعلق بأسباب قبول الأمريكيين لوقف إطلاق النار، فيجب أن نشير إلى أن الأمريكيين، بعد اندلاع الحرب، كانوا يعتقدون أنهم يستطيعون تحقيق أهدافهم في فترة قصيرة، وأنه بإسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يمكنهم إقامة نظام موالٍ لهم في إيران. بل كانوا حتى يعتقدون أنه إذا لم يحققوا هذا الهدف، فعلى الأقل يمكنهم إحداث فوضى في البلاد، واحتلال مناطق نفطية، وإهمال بقية مناطق إيران في أتون الحرب الداخلية. هذا كان الهدف الذي كان يدور في تصور الأمريكيين، لكن في الواقع، لم تسقط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل على العكس، نجحت في جعل الحرب إقليميةً، وفرضت سيطرتها على مضيق هرمز، مما وضع الأمريكيين تحت ضغط شديد.
من ناحية أخرى، ارتفعت أسعار الوقود والسلع الأخرى في أمريكا، مما أدى إلى نفور واسع بين المواطنين الأمريكيين. كما وجدت واشنطن نفسها تحت ضغط من حلفائها، لأنه لم توافق أي دولة على دعم أمريكا في هذه الحرب ضد إيران، ولم تتمكن واشنطن من تشكيل ائتلاف إقليمي أو دولي لخوض الحرب ضد إيران. وبالتالي، تراكمت هذه العوامل ودفعت الأمريكيين إلى التفكير في إنهاء الحرب، لكي لا يواجهوا المزيد من العار، خاصةً بعد العملية الأمريكية المزيفة التي ادعت إنقاذ حياة الطيارين، والتي انتهت بتحطم عدة طائرات أمريكية.
لذلك، قرّر الأمريكيون قبول وقف إطلاق النار من منطلق العجز والفشل في تحقيق أهدافهم، ليخرجوا من الحرب بوجه مشرّف. وقد جعلوا وقف إطلاق النار مشروطًا بفتح مضيق هرمز، ليبدو خروجهم من الحرب مشرفًا في نظر الرأي العام.
الوقت: ما هي فرص واحتمالات استمرار وقف إطلاق النار؟ هل سيتحول هذا الهدوء إلى إطار تعاوني قابل للتطوير، أم أنه سيبقى مجرد توقف مؤقت عن العدوان؟
الدكتور زارعان: بشكل عام، يجب النظر إلى وقف إطلاق النار هذا بنظرة تشاؤمية، لأنه بعد أقل من 24 ساعة بعد إعلانه، طرحت الولايات المتحدة شروطًا جديدةً، وقد أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض هذه الشروط الجديدة. بالطبع، كان من المتوقع مسبقًا أن تلجأ الولايات المتحدة إلى نوع من خيانة العهد أو تهيئة الأعذار، أي ما يُعرف بـ"الدهاء" السياسي. نحن نرى مؤشرات واضحة على هذا النهج بعد وقف إطلاق النار، ورغم تصريح إيران بوقف النار في جميع الجبهات، فإن الأمريكيين أعادوا إطلاق اليد الصهيونية في لبنان، وسقط مئات المدنيين اللبنانيين الأبرياء شهداء في هجمات صهيونية بعد وقف النار مباشرةً.
ومن ناحية أخرى، نشهد انتهاك حرمة الأجواء الإيرانية من قبل الکيان الصهيوني، كما استهدفت بعض الجزر الإيرانية مثل لارك وسیری بطائرات معتدية. ومن جانب آخر، تسعى الولايات المتحدة إلى طرح أهداف جديدة، وتريد متابعة ما لم تحققه في الحرب عبر المفاوضات. لذلك، يجب أن نكون تشاؤميين جدًا حيال هذا وقف إطلاق النار، وحتى لو استمر، فإنه لن يؤدي إلى إطار واضح للانسحاب من العدوان، أو إلى إلغاء العقوبات، أو إلى حصول إيران على تعويضات، أو إلى حماية حلفائها من اعتداءات الکيان الصهيوني.
من المتوقع أن تعود الأمور إلى وضع مشابه لما بعد الحرب التي استمرت 12 يومًا، أي حالة "لا حرب ولا سلام"، حيث تعود الولايات المتحدة إلى تهديد إيران مجددًا، وتسعى لفرض الضغط عليها، وتحافظ على ظل الحرب فوق رأسها. بالطبع، تمتلك إيران وسيلةً قويةً وقيّمةً تُسمى "مضيق هرمز"، ونظرًا لأن إيران تسيطر حاليًا على دخول وخروج السفن من وإلى المضيق، فإن هذه الأداة تتيح لإيران تطبيق سيادتها في المضيق، وتعويض بعض الخسائر الناتجة عن الحرب.
في النهاية، وبما أننا نعرف طبيعة ترامب وروحية فريقه، وبما أن اللوبي الصهيوني ونتنياهو يتمتعان بنفوذ كبير عليه، ونتنياهو لا يرغب في استقرار المنطقة أو تحقيق أمنها، فإن الحالة الأکثر تفاؤلاً هي أن تعود الأمور إلى ما بعد الحرب الـ12 يومًا، أي حالة "لا حرب ولا سلام".
الوقت: ما الفرق بين إيران قبل وبعد الحرب؟
الدكتور زارعان: خلال هذه الحرب، ظهرت إيران كقوة كبرى، ونجحت في تقديم مقاومة مشرفة أمام الأمريكيين، وتمكن نظام الجمهورية الإسلامية من عكس موازين القوى لصالحه، وحقّق إنجازات مهمة في تثبيت قوته، ونقل توازن القوى إلى موقع أكثر توازناً لمصلحته. فعلى الجانب الآخر، رغم ادعاءات العدو بتحقيق بعض النتائج التكتيكية، مثل اغتيال قادة وعلماء وضرب بعض البنية التحتية الصناعية، إلا أنه لم يحقق أي إنجاز استراتيجي يُذكر، في حين نجحت إيران في تحقيق إنجازات استراتيجية حقيقية.
أول هذه الإنجازات هو تثبيت السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وهو ما يشكّل ضمانةً أمنيةً واقتصاديةً هائلةً. ثاني إنجاز كبير هو استهداف قوي للقواعد الأمريكية في المنطقة، حيث نجحت إيران في جعل هذه القواعد غير قابلة للعمل لفترة طويلة، مما يمنحها نوعًا من الأمان الاستراتيجي. ففي الحقيقة، نجحت إيران في إظهار قوتها أمام العالم، وبدأ العالم اليوم ينظر إلى قوة إيران بنظرة مختلفة. وكل الادعاءات التي تمت عبر الحملات الإعلامية والنفسية ضد إيران، والتي زعمت وجود فجوة بين الشعب والقيادة، أو وجود ضعف في النظام، قد بُطل جميعها، وثبُت أن الشعب الإيراني يدعم نظامه السياسي بقوة.
إحدى النتائج المهمة الأخرى للحرب هي أن إيران أظهرت أن الأمن ليس سلعةً قابلةً للشراء، بل يجب أن يكون داخليًا ومستقلًا. فكثير من الدول الخليجية، التي تفتقر إلى الأمن الداخلي، تبين أنها هشة وعرضة للخطر، بينما إيران، التي تملك قدرات دفاعية وتقنيات محلية، أظهرت قدرةً عاليةً على التحمل والدفاع عن نفسها. وهذا الإنجاز سيكون له تأثير عميق في المستقبل، حيث سيطالب الشعب من النظام الاستثمار أكثر في مجالات الدفاع والأمن.
الوقت: ما تأثير وقف إطلاق النار الحالي على توازن القوى في المنطقة؟ وهل ستكون إيران هي من يملك المبادرة في تحولات المنطقة بعد وقف إطلاق النار؟
الدكتور زارعان: لقد تغيّر توازن القوى لصالح إيران، وظهرت إيران كقوة إقليمية متميزة. وبعد وقف إطلاق النار، وباستقرار نسبي للوضع، يجب أن نعيد بناء علاقاتنا مع بعض دول المنطقة، خصوصًا قطر، ونوضح لهم أن بعض الدول العربية تعرضت للاستهداف بسبب استضافتها للقواعد الأمريكية، وليس بسبب أي خلاف مع الدول العربية الجارة. وإذا نجحنا في إنشاء نظام أمني محلي في المنطقة، خالٍ من تواجد القوى الخارجية، فهذا سيكون أمراً مثاليًا.
