الوقت – إن تهدید الرئيس الأمريكي بضرب البنية التحتية للطاقة الكهربائية في إيران ينتهي صباح يوم الأربعاء بالتوقيت المحلي لطهران، وترامب أكد مجدداً على هذا التهديد الجبان والجنائي الذي يهدد حياة ملايين المدنيين العزل.
ففي مساء يوم الاثنين، وفي تصريح صحفي، عاد دونالد ترامب ليؤكد بوضوح على التهديد الذي يُعد اعترافًا صريحًا بعجزه وانعدام التحكم في الموقف، وهو ما يعكس حالةً من الغضب والانفعال نتيجة سلسلة الفشل المتواصل في تحقيق الأهداف العسكرية في مواجهة القوات المسلحة الإيرانية ومقاومة الشعب الإيراني الشجاعة، خصوصًا في أحدث محاولاته اليائسة لفتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية.
ولكن هذه التهديدات، التي تنبثق عن غضب ترامب المتراكم، لم تنجح في إضعاف عزيمة وتصميم الشعب الإيراني على فرض الهزيمة على العدو. فالمؤسسات الإيرانية تؤكد بحزم على الحفاظ على السيطرة الذكية على مضيق هرمز، سواء في الوقت الراهن أو في المستقبل، مشددةً على أن إيران ترى في نفسها الحق المشروع لحماية مصالحها الوطنية في هذا الممر المائي الاستراتيجي الدولي، وفقًا للنظام الأمني والقانوني الجديد في الخليج الفارسي، خصوصًا في مواجهة الدول المعادية.
وبالنظر إلى عدم استسلام طهران أمام التهديدات، يطرح السؤال الآن: هل تمتلك إيران، كما تمتلك في جبهات أخرى من جبهات الحرب، الاستعداد الكافي لمواجهة التهديدات الموجهة إلى البنية التحتية، وخصوصًا البنية التحتية للطاقة مثل شبكة الكهرباء؟
البنية المعقدة وغير المركزة لشبكة الكهرباء في إيران
يُعتبر توزيع واسع ومتفرق ومتعدد لأنظمة إنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية في إيران، من أبرز العوامل التي تجعل تدمير كامل البنية التحتية الكهربائية في أي عملية عسكرية أمراً صعب المنال.
بحسب التقارير، تضمّ إيران ما يقارب 130 محطة حرارية موزعة في مختلف أنحاء البلاد، وبلغ إجمالي قدرتها الإنتاجية حوالي 78 ألف ميغاواط. ومن بين هذه المحطات، هناك نحو 20 محطة بقدرة تزيد على 1000 ميغاواط، وثلاث محطات بقدرة تتجاوز 2000 ميغاواط. أكبر محطة كهربائية في إيران هي محطة "دماوند" في منطقة "باكدشت"، تقع على بعد 50 كيلومترًا جنوب شرق طهران، وتمتلك قدرةً تصل إلى 2900 ميغاواط، وقد بلغت تكاليف إنشائها حوالي ملياري يورو.
إلى جانب ذلك، تضمّ إيران محطة نكا في بهشهر على ساحل بحر قزوين، بقدرة 2200 ميغاواط، ومحطة رجائي في کرج، بقدرة 2000 ميغاواط، وهما من المحطات الكبيرة الأخرى في البلاد.
اللافت للنظر أن شبكة الكهرباء الإيرانية ليست مركزةً أصلاً. إذ يبلغ طول شبكة النقل في إيران حوالي 133 ألف كيلومتر، وإذا أُدخلت الخطوط الحضرية والريفية ضمن الحساب، فإن هذا الرقم يتجاوز 1.3 مليون كيلومتر. وتُدعم هذه الشبكة عبر 857 ألف محول كهربائي وحوالي 5000 محطة كهربائية كبيرة ومتوسطة.
ومن هنا تظهر الصعوبة الكبيرة في تدمير هذه الشبكة عبر بعض الضربات الجوية. فهذا يشبه محاولة تجفيف بحر باستخدام دبة صغيرة. فالتوزيع الواسع والمتفرق يجعل من أي هجوم مركّز على الشبكة الكهربائية عملاً شبه مستحيل.
هل يمكن تدمير شبكة الكهرباء الإيرانية؟
يؤكد الخبراء أن تدمير شبكة الكهرباء الإيرانية بالكامل عبر ضربات جوية محدودة، أمرٌ مستحيل عمليًا. والسبب الرئيسي هو انتشارها الجغرافي الواسع وحجمها الضخم. فعلى سبيل المثال، محطة "دماوند" التي تمتد على مساحة 200 هكتار، أي ما يعادل نحو 30 مرة مساحة ميدان "الحرية" بطهران، تحتوي على عدة أبراج تبريد ووحدات إنتاج موزعة. ولتعطيل هذه المحطة بالكامل، تحتاج إلى هجوم واسع النطاق ومديد، وليس إلى ضربة واحدة.
وحتى لو تم تدمير هذه المحطة بالكامل، فإن ذلك سيؤدي إلى خسارة لا تتجاوز 3.7% من إجمالي قدرة إنتاج الكهرباء في إيران، وهو رقم يمكن تعويضه بسهولة عبر تقليل صادرات الطاقة الكهربائية.
أما ضربات تستهدف محطات التحويل الكهربائي، فربما تؤدي إلى انقطاعات مؤقتة ومحلية، لكن هذه المعدات قابلة للصيانة والتركيب مجدداً بسرعة. فمثلاً، بعد الانفجارات التي طالت محطات التحويل في غرب طهران وكرج، عادت الكهرباء إلى العمل خلال ساعة واحدة فقط.
كما أن إيران، في السنوات الأخيرة، خطت خطوات جادة نحو تنويع مصادر الطاقة واعتماد مصادر نظيفة مثل الطاقة الشمسية، من خلال بناء محطات ضخمة، إلى جانب تركيب لوحات الطاقة الشمسية الصغيرة لتقديم الكهرباء للوحدات السكنية والرسمية والصناعية.
إذن، ما يهدّد به ترامب ليس تدمير شبكة الكهرباء الإيرانية بالكامل، بل هو فقط "ضربة رمزية" تستهدف بضع محطات كهربائية كبيرة.
كل منشآت الطاقة في المنطقة في مرمى الصواريخ الإيرانية
لكن أهم من توزيع شبكات الطاقة الكهربائية في إيران، هو قدرة إيران الرادعة على الرد بقوة على أي هجوم يطال محطات الطاقة أو البنية التحتية للطاقة، أو مراكز تكنولوجيا المعلومات في الدول التي تستضيف قواعد أمريكية أو في الأراضي المحتلة.
أعلن المسؤولون الإيرانيون أن أي هجوم على محطات الطاقة الإيرانية سيقابل برد حاسم وقاس، بحيث ستُدَمَّر "كل منشآت الطاقة في المنطقة" رداً على ذلك. وسيكون الکيان الصهيوني هدفاً واسعاً ومباشراً لهذا الرد. وبهذا، تتحول الحرب من مجرد اشتباك محدود إلى كارثة كبرى تهدد المنطقة بأكملها.
إن منشآت الطاقة في السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين كلها ستكون في مرمى الصواريخ الإيرانية، مما يعني أن سوق الطاقة العالمي سيواجه اضطراباً كاملاً.
وبحسب تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية "6W Research"، فإن سوق الكهرباء في منطقة الشرق الأوسط من أكبر وأسرع الأسواق نمواً في العالم. وتُقدّر قيمة الاستثمارات التي تم تخصيصها لتطوير البنية التحتية للطاقة في المنطقة، بمئات المليارات من الدولارات. فكثير من الدول الخليجية، في السنوات الأخيرة، أنفقت مبالغ هائلة على تطوير محطات الغاز والطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء.
وبحسب تقرير شركة "ضمان" لضمان الاستثمار والتصدير العربي، فقد جذبت الدول الخليجية ما بين عامي 2003 و2024 نحو 360 مشروعاً طاقوياً خارجياً بقيمة تتجاوز 351 مليار دولار. ومن بين هذه الدول، تصدّرت دولة الإمارات هذه الاستثمارات بـ57 مشروعاً بقيمة 88.5 مليار دولار.
وإذا ما دُمرت هذه المنشآت، فإن ذلك لن يدمّر مليارات الدولارات من الاستثمار فحسب، بل سيُضعف قدرة هذه الدول على تلبية احتياجات صناعاتها وسكانها المتزايدة.
وقد تشمل الهجمات الإيرانية حتى منشآت النفط والغاز، مما سيؤدي إلى ارتفاعات انفجارية في أسعار النفط والغاز، ودفع الاقتصاد العالمي نحو تضخم هائل، وركود اقتصادي، وانخفاض حاد في قوة الشراء في جميع أنحاء العالم، مما قد يُغرق الاقتصاد العالمي في أزمة وإفلاس.
