الوقت - إن إغلاق مضيق هرمز في وجه العدو المعتدي وحلفائه، وعجز ترامب عن السيطرة على الأسعار الجامحة للطاقة والسلع الأخرى في الأسواق العالمية بسبب شحّ حاد في إمدادات النفط، قد أوصل سلطات البيت الأبيض إلى نقطة اليأس، حتى إن الرئيس الأمريكي المتوهم والكاذب تراجع عن مواقفه الأولى بشأن فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية وتدمير البنية التحتية الإيرانية، ولتبرير هذا التراجع وقبول الهزيمة، أنكر بشكل قاطع أنه قدّم مثل هذا الالتزام في الحرب، مُعلناً أن الطاقة الأمريكية لا تعتمد على مضيق هرمز.
رغم أن عقد الحرب مع إيران لترامب تكاد تكون بنفس حجم جميع الأهداف الاستراتيجية التي يسعى لتحقيقها منذ بدء هذه الحرب، إذ تُظهر التقييمات الأخيرة للاستخبارات الأمريكية أن القدرة الصاروخية والطيران المسير الإيرانية لم تُدمر كما يدّعي وزير الحرب ورئيس هيئة الأركان وقائد القيادة المركزية الأمريكية، ولا توجد أي علامة حقيقية على استسلام طهران غير المشروط في مسألة التخصيب والصواريخ، إلا أن إغلاق مضيق هرمز (وفقاً لادعاء البيت الأبيض) يُعدّ بالتأكيد أهمّ وأصعب عقدة حرب بالنسبة للرئيس الأمريكي المولع بإظهار نفسه، لأن عجز ناقلات النفط عن المرور من المضيق والازدحام الشديد في بحر عُمان والخليج الفارسى أمام أعين العالم والسوق العطشى للنفط، قد أغلق أمامه كل باب للتسويق الإعلامي وتزوير الإحصائيات.
إن العالم يواجه الآن هذا المبدأ الدائم والحقيقة الساطعة التي مفادها أن مضيق هرمز يقع ضمن السيادة الوطنية والإقليمية لإيران، وأن الجمهورية الإسلامية وقواتها المسلحة قادرة على ممارسة هذه السيادة بشكل كامل وحاسم متى شاءت، والدفاع عن المصالح الوطنية في هذا المضيق الاستراتيجي. ومن المؤكد أن حرب رمضان ستُغيّر كثيراً من قواعد اللعبة والنظم الأمنية والسياسية في المجالات المحلية والإقليمية والدولية، بحيث أصبح من المستحيل تصوّر عودة معادلات القوة إلى ما كانت عليه قبل الحرب مع إيران.
وفي هذا السياق، من أهمّ هذه القواعد المتغيرة التي يستعد لها العالم بالفعل، هو المجال القانوني والأمني للخليج الفارسى وبخاصة مضيق هرمز، حيث أصبح النظام القانوني والعرفى السابق، عقيماً وعاطلاً عن العمل بعد الحرب الأخيرة، وعجز عن الحفاظ على المصالح المشروعة لإيران بوصفها فاعلاً صاحب سيادة على هذا المضيق وقوة تاريخية حارسة للأمن في الخليج الفارسى.
وفي هذا الإطار، قدّم نواب مجلس الشورى الإيراني، بأغلبية ساحقة، مشروع قانون جديد يتناسب مع المستجدات الرامية إلى الحفاظ على المصالح الوطنية والحقوق المشروعة للشعب الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب المفروضة الأخيرة، والتّهديدات الناجمة عن خيانة الدول المعادية وحلفائها لحُسن نيّة إيران في العبور الحر والآمن للسفن التجارية والعسكرية لهذه الدول عبر هذا الممر الاستراتيجي، وذلك من أجل إعادة النظر في كيفية ممارسة السيادة على مضيق هرمز، ليُدرس ويُقرّ ويتحول إلى قانون نافذ. ويُقال إن الاستعدادات لعقد اتفاقية مع سلطنة عُمان، بوصفها فاعلاً آخراً ذا مصلحة في مضيق هرمز، جارية من قِبل وزارة الخارجية الإيرانية.
إن أبرز ما يتضمنه هذا القانون وأهمه، تأكيد حق إيران في إلغاء الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق البحار والملاحة الحرة في نطاق مياهها وسواحلها الإقليمية، والتي تشمل مضيق هرمز الاستراتيجي، على غرار ما فعلته مصر منذ عقود بتأميم قناة السويس. هذا القانون، فضلاً عن معاقبة المعتدين والدول العربية الإقليمية التي استضافت أولاً القواعد والقوات الأمريكية، وثانياً أتاحت فضاءها الإقليمي للعدو لشن الهجمات على الأراضي الإيرانية، وثالثاً دعمت وحثّت على مهاجمة إيران بما يخالف علاقات الجوار التاريخية ومبدأ حُسن الجوار، يمكن أن يُحقق أيضاً إيرادات طائلة من خلال فرض رسوم الترانزيت.
ويُقدّر بعض الخبراء الاقتصاديين، نظراً للحجم السنوي لحركة السفن التجارية والنفطية، إمكانية تحقيق إيرادات تصل إلى نحو مئة مليار دولار سنوياً لإيران. ويُعزى هذا الأمر إلى الميزة النسبية المهمة لإيران في مياه الخليج الفارسى ومضيق هرمز نتيجة الجزر الإيرانية المتعددة، بحيث تضطر السفن العملاقة النفطية والحاويات للمرور من الجزء الأعمق من المضيق الذي يقع ضمن المياه الإقليمية الإيرانية.
فضلاً عن الفوائد الاقتصادية والأمنية المذكورة، فإن السيطرة على مضيق هرمز سترتقي بالموقع الإقليمي والدولي لإيران بشكل كبير مقارنةً بما كان عليه قبل الحرب، وستُثبت إيران نفسها كلاعب مؤثّر وقطب جديد في معادلات تشكيل النظام الدولي الجديد في مرحلة الانتقال. وبشكل أساسي، لم يعد هذا الفاعل الذي ارتقت مكانته بهذا المستوى من المكانة العسكرية والميزات الجيوسياسية في الخليج الفارسى، قابلاً للعقوبات والتهديد فحسب، بل سينشأ فضاء جديد من تطلع الدول إلى تعزيز التعاون والتفاعل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إنه انتصار عظيم للشعب الإيراني المقاوم، وهزيمة كاملة لمخططات العدو الرامية إلى إضعاف وتفتيت إيران في هذه الحرب.
