الوقت - الحرب التي بدأها الصهاينة والأمريكان ضد إيران، لا تمت بأي شكل من الأشكال إلى الأساس القانوني أو الشرعي، بل تجاوزت ذلك، حيث انتهك المعتدون حتى القواعد الدولية للحرب، فلم تكتفِ ضرباتهم بتشويه مدارس ومستشفيات ومرافق عامة، بل امتدت إلى تدمير التراث التاريخي العالمي لإيران، دون رحمة.
وأشار العديد من المراقبين إلى دور الوحدة والافتخار الذي تلعبه الآثار التاريخية الإيرانية، ووصفوا هجمات الصهاينة على هذه الآثار بأنها هجوم نفسي على الشعب الإيراني، هجوم لم ينجح حتى الآن في إحداث تشقق في الوطنية والحب الوطني الإيراني.
كم عدد المباني التاريخية التي تأثرت بالحرب حتى الآن؟
بحسب التقارير الصادرة عن وزارة الثقافة والسياحة والصناعة الحرفية في إيران، فإن ما لا يقل عن 114 مبنى ثقافيًا وتاريخيًا في إيران تأثرت بهجمات الأخيرة.
وزير الثقافة الإيرانية وصف هذه الهجمات بأنها "خرق واضح للقانون الدولي" و"تهديد مباشر للذاكرة التاريخية للبشرية"، ودعا المؤسسات الدولية، وخاصةً اليونسكو، إلى أداء دور أكثر نشاطًا وردعًا في حماية التراث الثقافي.
وأفادت التقارير أن المباني المتضررة تشمل المباني الثقافية والتاريخية، خاصةً المواقع المسجلة عالميًا، والآثار المسجلة وطنيًا، والمواقع والمباني ذات القيمة.
وبحسب هذه التقارير، فإن من بين الآثار المتضررة، 48 متحفًا و6 مناطق تاريخية في المدن مثل طهران، إصفهان، سنندج، كرمانشاه، قم، وخيانس، كما شملت الأضرار جغرافياً مناطق واسعة من البلاد، حيث بلغ عدد المواقع المتضررة في طهران 60، وإصفهان 20، وكردستان 12، بينما شملت أيضًا محافظات لرستان، كرمانشاه، بوشهر، قم، البرز، أذربيجان الشرقية والغربية، مازندران، سيستان وبلوشستان، جيلان، إيلام، خوزستان، وفارس.
خرق فادح لمعاهدة لاهاي
الهجوم على الآثار التاريخية في الحروب هو خرق فادح للقانون الدولي. وقد أوضحت معاهدة لاهاي لعام 1954 أن أي إجراء عسكري يؤدي إلى تدمير أو إتلاف التراث الثقافي، هو خرق واضح للالتزامات الدولية، وتهديد مباشر للذاكرة التاريخية للبشرية، وهي ذاكرة تُعد تراثًا مشتركًا لجميع البشر عبر التاريخ.
كما أن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2347، الذي أُصدر في عام 2017، يدين تدمير التراث الثقافي، وخاصةً المواقع الدينية، وهو قرار حظي بدعم الولايات المتحدة. وبناءً على ذلك، طالبت إيران المؤسسات الدولية، وخاصةً اليونسكو، بالابتعاد عن المواقف الدنيا، وأداء دور أكثر نشاطًا وتأثيرًا وردعًا في حماية التراث الثقافي المهدد.
إلى جانب اليونسكو، هناك منظمات أخرى مثل اتحاد تراث آسيا الثقافي، والجمعية العالمية للمتاحف (ICOM)، ومنظمة ICOMOS، والمجلس العالمي للحضارات القديمة، ومنظمة السياحة العالمية، التي تُعد مؤسسات دولية في حماية الآثار التاريخية، ويمكن لهذه المؤسسات أيضًا أن تزيد الضغط الثقافي على الکيان الصهيوني بسبب هجماته على الآثار التاريخية الإيرانية من خلال إدانة فعالة.
ماذا يقول الخبراء؟
يرى العديد من الخبراء أن الكيفية التي يتعامل بها العالم اليوم مع الهجمات الصهيونية على الآثار التاريخية الإيرانية، ستشكل معياراً حاسماً لقياس مدى الالتزام الحقيقي بمبادئ القانون الدولي والمسؤولية المشتركة تجاه التراث الإنساني.
وفي سياق متصل، ذكرت وسيلة إعلامية صينية في تقرير تحليلي لها حول العدوان الأمريكي-الصهيوني على إيران، الذي ألحق أضراراً واسعةً بعشرات المعالم التاريخية والمسجلة في قائمة اليونسكو، أن هذه الإجراءات الإجرامية تمثل ضربةً لتاريخ البشرية جمعاء. وأوضحت مجموعة "سي جي تي إن" الإخبارية الصينية في تقريرها التحليلي، أن إيران بصفتها دولةً تمتد جذورها عبر آلاف السنين، تحتضن ٢٩ معلماً مسجلاً في قائمة التراث العالمي لليونسكو، فضلاً عن عدد كبير من الآثار الثقافية المهمة الأخرى، وعلى رأسها مجمع ميدان "نقش العالم" في أصفهان. وتُعرف هذه المدينة بلقب "نصف العالم"، وترمز إلى عظمة وإشراق الثقافة الإيرانية.
وتتابع "سي جي تي إن" القول بأن هذه الاشتباكات ليست مجرد منافسة جيوسياسية، بل هي أزمةٌ تتزايد تكلفتها وتوزعها في أنحاء العالم يوماً بعد يوم. وقد استعرضت هذه الوسيلة الإعلامية الصينية، ضمن ملف خاص، التداعيات الواسعة لهذه الأزمة في مجالات الطاقة، والغذاء، والسياحة، والتبادل الثقافي، داعيةً إلى طرح التساؤل: في عالمٍ مترابطٍ الأوصال، من الذي يتحمل في نهاية المطاف فاتورة الحرب؟
علاوةً على ذلك، أكدت "باتي غيرستنبليت"، الأستاذة المتقاعدة للقانون في جامعة "دي بول" في شيكاغو ورئيسة اللجنة الأمريكية لـ "الدرع الأزرق الدولي" التي تعمل في مجال حماية التراث الثقافي أثناء النزاعات، في حديثها مع موقع "إن بي آر" الإخباري، على أهمية الالتزام بقوانين النزاع المسلح.
واستطردت قائلةً إن هذه القوانين تحدد بوضوح ما هو مسموح وما هو ممنوع في الحرب، مضيفةً: "لقد وصف بعض المسؤولين الأمريكيين، ومن بينهم وزير الحرب الأمريكي بيت هيغست، هذه القوانين بأنها 'قوانين صراع حمقاء'؛ وهو أمر قد يثير مخاوف جدية بشأن الالتزام بمبادئ القانون الإنساني".
وقد حذرت غيرستنبليت من أن التجاهل لهذه القوانين قد يضع البنى التحتية الثقافية والمدنية في مواجهة مخاطر متزايدة تهددها بالهجمات.
