الوقت - إن استمرار إغلاق "مضيق هرمز" للأسبوع الثالث على التوالي بعد اعتداء الولايات المتحدة والکيان الصهيوني على إيران، والذي تصفه وسائل الإعلام بـ "وادي الموت" بالنسبة لأمريكا، قد جعل الأمور في غاية الصعوبة على دونالد ترامب، ولم يعد لديه خيار سوى أن يطلب علنًا المساعدة من الدول الأخرى.
ففي خطاب له ليلة السبت، طلب ترامب من جميع الدول، وبشكل خاص من الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا، إرسال سفن إلى هذه المنطقة لضمان عودة حركة السفن عبر مضيق هرمز. ورغم هذه الطلبات الملحة، لم يتقدم أي طرف حتى الآن لقبول هذه الدعوة.
وقد رفضت الحكومة الفرنسية طلب ترامب للمساعدة العسكرية في الحرب ضد إيران، ونفت الشائعات المتعلقة بإرسال سفن حربية فرنسية إلى مضيق هرمز، مطالبةً بوقف إثارة الجدل في هذا الشأن. كما أن بريطانيا قد صرحت في وقت سابق أنها لن ترسل أي قوات إلى الخليج الفارسي.
وعلاوةً على الشركاء الغربيين، فإن حلفاء واشنطن الآسيويين لا يظهرون أي رغبة في الانخراط في السياسات المعادية لإيران. فقد أعلنت مصادر حكومية يابانية أن القرارات المتعلقة بهذا الشأن ستُتخذ بشكل مستقل، وأنه لن يتم إرسال أي سفن لمجرد طلب ترامب. وقد صرح تاكيوكي كوباياشي، رئيس سياسة حزب الليبراليين الديمقراطيين الحاكم في اليابان، قائلاً: "أعتقد أن إرسال سفن البحرية اليابانية إلى هذه المنطقة تحت القوانين الحالية لليابان، أمرٌ بالغ الصعوبة".
أما كوريا الجنوبية، فقد أعلنت في ردٍ حذر أنها "ستكون على اتصال وثيق مع الولايات المتحدة في هذا الشأن، وسنتخذ قرارًا بشأن إرسال السفن بعد دراسة دقيقة". بينما أكدت الصين، مشددةً على أن هرمز جزء من السيادة القانونية لإيران، على ضرورة وقف الأعمال العدائية في المنطقة بشكلٍ فوري.
عجز ترامب أمام إيران
مع تلقي ترامب ردودًا سلبيةً من الفاعلين الغربيين والشرقيين، أصبح الآن وحيدًا وعاجزًا أمام إعادة فتح مضيق هرمز، بلا استراتيجية للخروج من هذا الوضع. إن استجداء ترامب الملح من الدول لإرسال قوات إلى مضيق هرمز يتناقض مع ادعاءاته بأنه دمّر 100% من القدرة العسكرية الإيرانية، وأن إيران لم تعد قادرةً على إطلاق أي صاروخ أو طائرة مسيرة. لكن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية، بعد هذه التصريحات السخيفة، قد وسّعت نطاق عملياتها لتشمل قواعد الولايات المتحدة والأراضي المحتلة، بل وكشفت عن إنجازات جديدة في مجال الصواريخ، مما أثار دهشة وحيرة الصهاينة.
كان ترامب قد زعم سابقًا أن القوات العسكرية الأمريكية ستقوم بمرافقة السفن في مضيق هرمز، لكنه أعلن لاحقًا، بعد التهديدات الإيرانية، أن هذا الأمر غير ممكن. إن استجداء رئيس الولايات المتحدة للدول الأخرى يدل على أنه يبحث الآن عن مخرج من الصراع مع إيران، كما أن مستشاريه الاقتصاديين في البيت الأبيض يحثّونه باستمرار على الخروج من هذه الحرب.
إن عدم تعاون الأوروبيين والآسيويين مع السياسات الحربية لترامب يعود إلى أنهم، استنادًا إلى حقائق الحرب والمعادلات الميدانية، أدركوا أن إعادة فتح مضيق هرمز لا يمكن أن تتم عبر الحلول العسكرية، وأنهم مهما زادوا من قواتهم العسكرية، لن يتمكنوا من فتح هذا المضيق. إنهم يدركون جيدًا أنه عندما تعجز أمريكا، التي تعتبر أقوى منهم، عن إعادة فتح هذا الممر المائي، فلن يتمكن الآخرون من تحقيق أي نجاح في هذا الصدد، وإذا دخلوا في صراع مباشر مع إيران، فسيدفعون ثمنًا أكبر. لذا، مؤخرًا، قامت بعض الدول بإظهار العقلانية وأجرت مفاوضات مع إيران للسماح لتلك السفن وناقلات النفط بالعبور عبر مضيق هرمز.
ونظرًا لأن إغلاق مضيق هرمز قد وضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة خطيرة وزاد من أسعار الطاقة، فإن واشنطن تسعى جاهدةً لإيجاد حلول قد تخفّف من تداعيات هذه الحرب. وفي ظل هذه الظروف، يكافح ترامب بشدة للسيطرة على وضع سوق الطاقة من خلال الكلام المعالج، مدعيًا أن الاستقرار سيعود قريبًا إلى أسواق النفط. كما أن وزارة الخزانة الأمريكية تحاول من خلال التلاعب في أسواق الطاقة منع ارتفاع الأسعار.
تشير نتائج التطورات إلى أن ترامب كان حتى الآن الخاسر الأكبر في الحرب مع إيران، وكلما طالت هذه الحرب، فإن مسكّناته المؤقتة لاستقرار أسواق الطاقة لن تعود مجديةً، ولهذا السبب فقد زاد من حدة لهجته في الأيام الأخيرة، مهددًا ليس فقط حكومة إيران بل جميع الشعب الإيراني.
إن نظرةً سريعةً على ردود الفعل والإجراءات الأمريكية بشأن إغلاق مضيق هرمز، تُظهر أن ترامب ليس لديه أي خطة أو استراتيجية عسكرية لإعادة فتح المضيق. إنه الآن في وضع محاصر، لا يستطيع فتح المضيق بنفسه، ولا يمكنه خلق ظروف تجبر إيران على إعادة فتحه. لذا، فإن الدول الأوروبية ودول المنطقة، بعد أن أدركت أن الجيش الأمريكي غير قادر على إعادة فتح هذا المضيق، تسعى بطرق مختلفة للضغط على ترامب لوقف الحرب وبدء المفاوضات من أجل إعادة فتح مضيق هرمز.
مضيق هرمز: معادلة اقتصادية معقدة
يُعتبر مضيق هرمز مسارًا حيويًا لعبور جزء كبير من صادرات النفط للدول الخليجية إلى الأسواق العالمية، وقد أدی إغلاق هذا الممر خلال السبعة عشر يومًا الماضية إلى عدم قدرة جزء كبير من النفط المنتج في المنطقة على الخروج من الخليج الفارسي، مما تسبب في ضغط شديد على العرض العالمي للطاقة.
إن إغلاق مضيق هرمز، نظرًا للأبعاد الاقتصادية التي يحملها للعالم، قد جعل الأمر صعبًا على المعتدين. ومن النقاط المهمة في الاقتصاد العالمي أن الولايات المتحدة، خاصةً في فترة ترامب، كانت تدعي أنه لا يحدث أي تحول دون إرادتها، حيث كان ترامب يسعى من خلال التعريفات الجمركية إلى السيطرة على نبض الاقتصاد العالمي، ولكن في الحرب مع إيران، تلاشت كل هذه الأوهام، وأدرك العالم ضعف واشنطن في إدارة الاقتصاد والطاقة العالمية.
في الوقت الحالي، لم تقم إيران بإغلاق مضيق هرمز، بل تديره بذكاء، حيث يمكن للدول التنقل فيه فقط بإذن من إيران. وهذا يعني أن القرار بشأن جزء حيوي من اقتصاد العالم، وهو الطاقة، يتم اتخاذه بإدارة إيران، المستمدة من قوتها العسكرية المحلية.
وعلى الرغم من أن ترامب يسعى من خلال إلغاء العقوبات النفطية على فنزويلا وروسيا لتخفيف تبعات إغلاق مضيق هرمز، إلا أن هذه الحلول لم تحقق نجاحًا، حيث تجاوز سعر نفط برنت في بحر الشمال 103 دولارات، وتجاوز سعر النفط الخام الأمريكي 100 دولار، ويتوقع بعض المحللين أنه إذا لم يُفتح هذا الممر الدولي خلال أسبوعين، فقد يصل سعر النفط إلى 200 دولار.
ونظرًا للموقع الجغرافي لمضيق هرمز ودور إيران في تأمين أمن هذا الممر الاستراتيجي، حذرت السلطات الإيرانية من أنه في حال وقوع حرب ضد إيران، فإن هذا المضيق سيُغلق تلقائيًا. لكن الأمريكيين ارتكبوا خطأً كبيرًا في حساباتهم بشأن رد فعل إيران. فقد كان ترامب، بناءً على تقديرات سابقة، يعتقد أنه رغم الهجوم على إيران، ستظل الجمهورية الإسلامية تؤمّن سلامة مرور السفن عبر مضيق هرمز، ولكن في اليوم الأول من الحرب، تم إغلاق المضيق.
لذا، فإن السبب الرئيسي للأزمة والتداعيات الاقتصادية في مضيق هرمز هو الولايات المتحدة والکيان الصهيوني، اللذان بسبب مصالحهما الطموحة، قدّما للعالم أزمةً جديدةً. لقد أظهرت إيران أنها لن تعود إلى المعادلات السابقة لمضيق هرمز كما كانت قبل الحرب. فعلى مدى 47 عامًا، استخدمت إيران هذا الامتياز المهم والاستراتيجي بحذر، لكنها الآن، في ظل المخططات الخبيثة للولايات المتحدة والکيان الصهيوني ضد وجودها وسلامة أراضيها، قد قرّرت تجسيد الحقائق الجيوسياسية الخاصة بها، وإقامة علاقات حقيقية في المنطقة والعالم. واليوم، لم يعد اقتصاد النفط العالمي يُرسم بناءً على إرادة الولايات المتحدة، بل وفقًا لمعادلات إيران، وهي التي تحدّد اليوم أي سفن من أي دولة يمكنها عبور مضيق هرمز، وأي دولة يجب أن تتوقف.
اليوم، تُرسم المعادلات بناءً على مصالح "الكل أو لا شيء" بسلطة إيران، ويجب على دول المنطقة أن تدرك أن زمن الاعتماد على وهم الدعم الأمريكي قد انتهى، وعليها أن تسعى نحو معادلة جديدة تُعرف بالتكامل الإقليمي، مع الاعتماد على قدرات إيران وقوتها، وهو ما سيؤدي إلى تحقيق الأمن المستدام من خلال إخراج الولايات المتحدة من المنطقة، ومواجهة موحدة ضد الکيان الصهيوني.
