الوقت - في يوم القدس العالمي لهذا العام، وقد شكّل محطةً تاريخيةً خالدةً في الذاكرة الإيرانية، خرج الملايين من المواطنين في طهران وشتى أرجاء البلاد، رغم وابلِ المطر المتهاطل كنعمةٍ سماوية، وتحت وطأة سياطِ كراهية العدو المعتدي المتربّص، ليشقّوا الطرقات ويصوغوا ملحمةً أخرى من ملاحم العزّ والاعتزار.
لقد اكتسبت مسيرة يوم القدس لهذا العام طابعها التاريخي الباهر، في حين عجز العدو الصهيوأمريكي، رغم تهديداته وغاراته الجوية، عن أن يُضعف عزيمة الصامدين أو يُحطم صمودهم في مسار المسيرة. فخرجت الجماهير الإيرانية من جديد لتعلن للعالم أجمع، رغم فداحة الجرائم التي ترتكبها قوى الاستكبار الصهيوني والأمريكي، أنها ثابتةٌ لا تحيد عن الذود عن مقدسات القدس والدفاع عن نظام الجمهورية الإسلامية.
وقد خرج الشعب الإيراني، وهو يغالب لوعة الفقدان لقائده الشهيد، إلى الساحات وهم صائمون، ليرسموا مشهداً تاريخياً آخر من مشاهد الصمود والصبر في سجلّ الثورة الإسلامية. فلبّى الإيرانيون نداء سماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي، القائد الجديد للبلاد، فأحاطوا مسيرة يوم القدس بهالةٍ من البهاء أشدّ وأبهى، ليُرسلوا برسالةٍ واضحةٍ إلى العالم مفادها أنهم السند والعماد للقيادة.
فشعب إيران، الذي طالما ذاد عن أهداف الثورة الإسلامية بالحضور في الساحات عند كلّ المفاصل الحاسمة، بادر اليوم في أصعب المحطات التاريخية إلى النزول للميدان، ليُثبت للعالم أنّ الرابطة بين الشعب ونظام الجمهورية الإسلامية رابطةٌ وثقى لا انفصام لها، وأنّ الفتنة وأهوال الحرب لن تقدرا على أن تُحدثا أيَّ صدعٍ في هذا البنيان المتين.
شجاعة تُضرب بها الأمثال في قلب الغارة
في يوم القدس العالمي، خرج ملايين الإيرانيين، وبشكل يفوق ما ألفناه في الأعوام الخالية، وهم يواجهون طوفاناً من الحملات الإعلامية والنفسية الهوجاء، فضلاً عن شراسة العدوان العسكري، فاستبسلوا في النزول إلی الشوارع، وسخروا من الخوف والموت، وهتفوا بصوت مدوٍّ يعلن هزيمة العدو ويظهر يأسه وانهيار معنوياته.
في الساعات التي سبقت انطلاق المسيرة، وجّه جيش الاحتلال الصهيوني تحذيرات لسكان مناطق من طهران، لا سيما تلك القريبة من مسارات المسيرة مثل "جامعة طهران" و"مسرح المدينة"، داعياً إياهم إلى إخلائها. بيد أن الجماهير، أعرضت عن تلك التهديدات ولم تلتفت إليها، ومضت في مسيرتها في هدوء وسكينة واثقة، فكانت الشعارات التي أطلقوها والقنابل تتساقط هنا وهناك، تضفي على هذه الملحمة الشعبية رونقاً فريداً ومشهداً من البطولة النادرة.
لقد أذهلت شجاعة الإيرانيين في يوم القدس المحللين وشعوب العالم، حتى كتب ناشطون في فضاء التواصل الاجتماعي أن قنابل العدو عجزت عن أن تثني الشعب الإيراني عن الخروج إلى الشوارع. وهذا المشهد يقف في تناقضٍ صارخ مع حال ملايين الصهاينة في الأراضي المحتلة، الذين بمجرد أن يسمعوا دوي صفارات الإنذار، يهرعون مذعورين إلى الملاجئ، وحتى -وفقاً للإعلام العبري- فقد لجأ آلاف المستوطنين إلى اتخاذ تلك الأماكن النسبية الأمان مسكناً دائماً لهم، هاربين من بيوتهم وديارهم.
لقد كان حضور الملايين في مسيرة يوم القدس العالمي درعاً معنوياً وسنداً قوياً للمسؤولين والقوات المسلحة الإيرانية، ليثبتوا في وجه عدوان المعتدين بصلابة وعزم. فخلال الأسبوعين الماضيين، وبفضل تواجدهم في الساحات والشوارع، لم يسمح الإيرانيون للأعداء ودعاة التقسيم بأن يستغلوا ظروف الحرب لتحقيق مآربهم الخبيثة، وفي مسيرة القدس أيضاً، جسّدوا هذا الدعم بحضور ملحمي.
إن حضور الجماهير بكثافة هائلة في ساحة المواجهة، يجعل المهمة أقسى وأشقّ على الأعداء. فزعماء أمريكا والکيان المحتل، كانوا قد راهنوا قبل الاعتداء على إيران كل الرهان على اندلاع احتجاجات شعبوية ضد الجمهورية الإسلامية، بيد أن هذا السيناريو ذهب أدراج الرياح، وتحوَّل إلى فشل ذريع؛ فالشعب لم يكل ولم يمل من ضراوة الهجمات الواسعة، بل إن تواجده في الشوارع للدفاع عن السيادة ووحدة الأراضي الإيرانية يكتسب أبعاداً متسعةً يوماً إثر يوم. لقد أثبت شعب إيران أنه رغم أي اختلافات في الرأي قد تظهر في الداخل، فإنه لن يسمح أبداً بأن يسلب شبر واحد من تراب الوطن، ولن يسمح للمجرمين بأن يصنعوا المصير أو يفرضوا إرادتهم عليه.
جاء المسؤولون.. فكانوا في الصفوف
لعلَّ العالم بأسره كان يظنُّ، في ظلِّ هذه الظروف الأمنية العصيبة، وتزامناً مع تجربة اغتيال القادة وكبار المسؤولين في النظام في اليوم الأول للحرب، أن مسؤولي الجمهورية الإسلامية سيغيبون عن مسيرة يوم القدس. بيد أن خلاف توقعات العالم كان صارخاً؛ فقد حضر المسؤولون السياسيون والأمنيون كتفاً بكتف مع الجماهير في الساحة.
على خلاف ادعاءات واشنطن وتل أبيب، التي كانت تدَّعي أن المسؤولين الإيرانيين يتخفَّون في الملاجئ ويعقدون اجتماعاتهم في الأقبية السفلية، جاء المسؤولون وقبضاتهم مرفوعة، وهم يرتجزون للعدو، وتحت وابل القصف الصاروخي، ليثبتوا أنهم لا يعبأون بالعدوان ولا يخشون غائلة المعتدي.
رغم أن إيران تتعرض لعدوانٍ واسعٍ من الأعداء، إلا أن التزام المسؤولين بالوقوف صفّاً واحداً مع الشعب في الشوارع، وما بدا بينهم من تبادلٍ للحديث والابتسامات، قد رسم لصورة إيران ملامحَ دولةٍ راسخةٍ هادئة، وعزّز أواصر التلاحم والتعاطف بين الإيرانيين وحكومتهم. وقد تناقلت بعض وسائل الإعلام الأجنبية صور الرئيس الإيراني وسط الناس دون حرسٍ شخصي، معلِّقةً باستفهامٍ ساخر: هل يمكن أن نجد في الدول الغربية رئيساً يتجاسر على الظهور وسط الجماهير بهذه الصورة في قلب معركةٍ حامية الوطيس؟
لقد كانت الملحمة المليونية للشعب الإيراني في مسيرة القدس العالمي بمثابة جرس إنذارٍ للأعداء، تخبرهم أنهم سيواصلون هذا المسار حتى تحقيق النصر الحاسم عليهم؛ وحتى لو اشتدَّت أوتار الحرب وطال أمدها، فسيظلون حاضرين في الميدان للذود عن إيران والجمهورية الإسلامية، تماماً كما أحبطوا مخططات العدو وأفشلوا أهدافه خلال التجمعات الليلية التي نشطت في الأسبوعين الماضيين.
لقد كانت مسيرة يوم القدس لهذا العام بشارةً واضحةً لانتصار إيران في ساحة المعركة، ودليلاً قاطعاً على صلابة نظام الجمهورية الإسلامية؛ نظامٍ امتدَّت جذوره في أرواح الناس وعقيدتهم، ولا تملك أيُّ قوةٍ أو سلاحٍ في الأرض أن تفصله عن نسيج المجتمع الإيراني.
بالنسبة لكثيرين من الناس، لم يكن يوم القدس لهذا العام، وتحت وطأة القصف الأمريكي الصهيوني، مجرد مراسم مسيرة عابرة؛ بل إنهم قطعوا هذا الطريق ليس لمجرد الحضور فحسب، بل ليجيبوا الدعوة ويُلبّوا نداء قائدهم، وليُوصلوا رسالةً صريحةً وشفافةً إلى العالم.
رسالةٌ يتردد صداها بين الهتافات وأمواج الأعلام في الشوارع، يريد شعب إيران أن يسمعها العالمُ مفادها: إن الکيان الصهيوني، الذي احتلَّ فلسطين لعقودٍ طويلةٍ وارتكب مجازر بحقِّ الأطفال الأبرياء، يسعى اليوم بعدوانه الوحشي على إيران إلى إكمال جرائمه الدامية. بيد أن شعب إيران الشجاع لن يمنح هؤلاء المجرمين الفرصة أبداً لتُمدَّ أيديهم الملوثة بالدماء لتصل إلى أرض إيران الغالية.
