الوقت – إن استعراض تصريحات الأشهر القليلة الماضية لبعض الشخصيات الصهيونية البارزة مثل نتنياهو، وترامب، وبن غفير، وسفير الولايات المتحدة في "إسرائيل" وغيرهم، تشير جميعها إلى أن التيار الصهيوني-الأمريكي يسعى رسمياً لتنفيذ الحلم القديم للصهاينة، ألا وهو توسيع "إسرائيل" من النيل إلى الفرات. وفي هذا السياق، زعم ترامب أن "أرض الميعاد" صغيرة ويجب أن تتسع، بينما ادعى نتنياهو أنه يتحمل "مهمة دينية" لترجمة الرغبات الإقليمية للصهاينة إلى واقع ملموس. كما اعتبر ابن غفير التوسع الجغرافي في غرب آسيا حقاً للصهاينة، وذهب السفير اليهودي للولايات المتحدة إلى الادعاء ذاته.
إن تكرار هذه التصريحات الوقحة التي تُقال عمداً وبهدف محدد بعد حرب السابع من أكتوبر ويتم تأجيجها، لقي للأسف ردود فعل ضعيفة وغير مسؤولة من الدول العربية والإسلامية، مما أدى إلى زيادة جرأة هذا التوسع، ووصل بالتيار الصهيوني التوسعي الخبيث إلى قناعة مفادها أنه لا توجد عقبات أو إرادة جدية للمواجهة من قبل الدول العربية والإسلامية في طريق هذا التوسع غير المشروع.
من وجهة نظر الصهاينة، إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي العائق القوي الوحيد الذي يقف في وجه تطلعاتهم التوسعية، والذي يمتلك القدرة على مواجهتهم. وكان نتنياهو، زعيم هذا التيار التوسعي، يرى وجود ترامب في البيت الأبيض فرصةً تاريخيةً لتحقيق هذه الرغبة التي لم يرَ إمكانيةً لتكرارها في الأوقات القريبة. ومن منظور نتنياهو، فإن تغيير النظام في إيران كان سيمهّد الطريق لالتهام بعض الدول العربية من قبل "إسرائيل" وتشكيل "إسرائيل الكبرى"؛ ولهذا السبب، كان الهدف الأهم لنتنياهو من الحرب التي استمرت 12 يوماً، هو تغيير النظام في إيران، وهو هدف أعلنه نتنياهو، وإن كان قد أزاله لاحقاً بهدوء من قائمة أهدافه المعلنة وسط تغيرات الأحداث لغير صالحه، إلا أنه حافظ عليه كهدف رئيسي للعودة إليه في الوقت المناسب.
إن مفاوضات إيران والولايات المتحدة بعد عدة أشهر من الحرب التي استمرت 12 يوماً، والتي بدأت في أواخر شهر فبراير، كان بمثابة التمهيد لأعمال إرهابية يقوم بها مرتزقة صهاينة أمريكيون في إيران لاستئناف مخطط الإطاحة بالنظام الإسلامي، بهدف تجزئة إيران في النهاية. ومن وجهة نظر نتنياهو، كان السبب الرئيسي لفشل العملية العدوانية للحرب المفروضة التي استمرت 12 يوماً، هو شخص قائد الثورة المعظم، الذي تمكن في ذلك الوقت، رغم استشهاد جزء مهم من قادة الحرس الثوري الإيراني، من تغيير مسار ساحة المعركة بسرعة من خلال تهدئة المجتمع والحفاظ على مختلف أجزاء الحكم عبر بدائل سريعة وذكية، مما أجبر العدو على البحث عن وسيلة لوقف "الألعاب النارية" والضربات الإيرانية.
في الواقع، إن ما فهمه نتنياهو كان جزءاً من القصة وليس كاملها؛ ولهذا، وبناءً على فهم ناقص للحدث المصيري، وبناءً على أنباء يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر فبراير، أقنع ترامب في محادثاته بأنه إذا قمنا هذه المرة في بداية الهجوم بإقصاء القادة العسكريين والقيادة، فسنحقق هدف تغيير النظام وتجزئة إيران في وقت قصير جداً.
وبحسب نقل الدكتور لاريجاني، أمين المجلس الأعلی للأمن القومي، يبدو أن همسات نتنياهو الخبيثة والشيطانية قد أغرت ترامب، وأوقعت هذا الجاهل في السياسة والحكم في فخ خداع طفولي، ومشاركة لا يُعرف حقاً ما إذا كان يمتلك القدرة على دفع ثمنها.
إن وعد نتنياهو الـ 14 يوماً لتحقيق أهداف الحرب، والذي فُرض على ترامب بالخداع، يقف اليوم على حافة اليوم العاشر. وفي حين يرى ترامب تدمير قواعده العسكرية باهظة الثمن الواحدة تلو الأخرى في الدول الخليجية، ويصبح المناخ السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة أكثر اضطراباً وضيقاً تدريجياً، ويُدمّر الکيان الصهيوني تحت الضربات القاصمة لإيران أكثر من أي وقت مضى، نجد ترامب بأسلوبه المعتاد مشغولاً بالمهاترة والحديث عن تقلص خريطة إيران بعد الحرب. وهو ادعاء يعلم جيداً أنه منتفٍ، ولا يُطرح إلا لكي لا يلاحظ أحد أن ترامب يخوض حرباً ضد "ترامب" أكثر من الحرب ضد التغيير. لقد تغيّر ترامب المتعجرف الذي ذهل من عظمة قوة إيران، وكما يقول المثل الفارسي: "لون الوجه يخبر عما في الضمير". إنه يقول بلغة الحال: نادمٌ بشدة على ذهابي إلى البيت الأبيض.
