الوقت- يشكل طلب بنيامين نتنياهو العفو الرئاسي من التهم الموجهة إليه في قضايا الفساد حدثاً غير مسبوق في التاريخ السياسي الإسرائيلي، فنتنياهو، الذي واجه اتهامات بالرشوة وخيانة الأمانة واستغلال منصبه، يسعى للحصول على حماية قانونية قبل صدور أي حكم قضائي. هذه الخطوة لا تعكس حرصاً على النظام أو القانون، بل محاولة لتجاوز المحاسبة والتهرب من المسؤولية، المجتمع الإسرائيلي يواجه اختباراً حقيقياً لمفهوم سيادة القانون، إذ إن منح العفو قبل الحكم يرسل رسالة بأن بعض القادة فوق القانون، ما يقوض الثقة في المؤسسات الديمقراطية، موقفه هذا يشير إلى أن نتنياهو يعتبر مصالحه الشخصية والسياسية فوق أي اعتبار أخلاقي أو قانوني، ويكشف عن مدى تعقيد الأزمة السياسية في "إسرائيل"، التي لم تعد مجرد خلاف سياسي بل أزمة أخلاقية تهدد جوهر الديمقراطية.
شروط لابيد: خطوة نحو استعادة العدالة
وضع يائير لابيد، زعيم المعارضة، شروطاً صارمة لأي دراسة جدية لموضوع العفو، أبرزها الاعتراف بالذنب، إظهار الندم، والاعتراف بعار القضية، هذه الشروط تمثل محاولة لمنع الانتهاك الكامل للمبادئ القانونية، وتوضح أن العفو لا يمكن أن يكون مجرد وسيلة لتبييض السلوك السياسي غير القانوني، لابيد أراد أن يرسل رسالة واضحة بأن القانون لا يمكن تجاوزه بحيلة سياسية أو شعارات عن الوحدة الوطنية أو الأمن، وأن أي مساس بالمساءلة سيقوض أساس الديمقراطية الإسرائيلية، هذه الخطوة تظهر الدور الحاسم للمعارضة في الضغط على المؤسسات لمنع التجاوزات، وتبرز ضرورة الفصل بين السلطة السياسية والعدالة، وخصوصاً حين يكون رئيس الوزراء طرفاً في قضايا فساد خطيرة تؤثر على سمعة الدولة واستقرارها السياسي.
البعد القانوني: العفو قبل المحاكمة تهديد للديمقراطية
طلب نتنياهو العفو قبل صدور الحكم النهائي يمثل تهديداً واضحاً للمبادئ القانونية التي تحكم أي دولة ديمقراطية، العفو المبكر يتيح له تجاوز المحاكمة، وبالتالي يفقد القضاء صلاحيته في فرض العدالة، هذا الإجراء لا يقتصر على حماية نتنياهو فقط، بل يخلق سابقة خطيرة لأي مسؤول سياسي مستقبلي يمكنه المطالبة بالعفو لتجنب العقوبة، ما يضعف الفصل بين السلطات ويهدد استقلال القضاء، علاوة على ذلك، فإن هذا السلوك يعكس عدم احترام نتنياهو للقانون ومؤسسات الدولة، ويعكس أن طموحه السياسي الشخصي أعلى من أي اعتبار وطني أو أخلاقي، المجتمعات التي تسمح بتجاوز القانون على هذا النحو تفقد مصداقية النظام السياسي بأكمله، وتصبح بيئة خصبة للفساد والمحسوبية.
الانقسام السياسي: أزمة ثقة بين الشعب والقيادة
تطلب القضية اهتمام المجتمع الإسرائيلي ليس فقط من الناحية القانونية بل أيضاً من الناحية السياسية والاجتماعية، الانقسام بين مؤيدي نتنياهو ومعارضيه أصبح واضحاً جداً، حيث يرى أنصاره أن العفو ضرورة للحفاظ على استقرار الحكومة، بينما يرى المعارضون، بقيادة لابيد، أنه محاولة لتجاوز المحاسبة والقانون، هذا الانقسام يعكس أزمة ثقة عميقة بين الشعب وقيادته، ويطرح تساؤلات عن مدى قدرة المؤسسات الديمقراطية على حماية مصالح المواطنين عندما يكون رئيس الوزراء طرفتً في قضايا فساد، استمرار هذه الأزمة يؤدي إلى تآكل الثقة بالمؤسسات، ويشجع سلوكاً سياسياً يضع السلطة الشخصية فوق القانون والعدالة، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لاستقرار الدولة ونزاهتها.
الأبعاد الأخلاقية: تجاوز المسؤولية وعبث بالثقة العامة
من الناحية الأخلاقية، فإن محاولة نتنياهو الحصول على العفو دون الاعتراف بالذنب أو إظهار ندم صادق تمثل عبثاً بالثقة العامة، القادة السياسيون مسؤولون أمام شعوبهم، وطلب العفو قبل المحاكمة هو محاولة للتهرب من المحاسبة، ما يعكس انعدام النزاهة والشفافية، هذا التصرف يرسل رسالة سيئة إلى المجتمع بأن الفساد يمكن تجاوزه إذا امتلك المسؤول النفوذ أو القوة السياسية، ويضعف المبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها أي دولة ديمقراطية، علاوة على ذلك، فإن استمرار هذه المحاولات يعزز الانقسامات السياسية ويجعل النقاش حول العدل والمساءلة مجرد شعار يستخدم لتحقيق مصالح شخصية، بدلاً من أن يكون جزءاً من التزام حقيقي بالقانون والأخلاق.
ضرورة حماية القانون والديمقراطية
القضية تكشف أن العفو الذي يسعى نتنياهو للحصول عليه ليس مجرد إجراء قانوني، بل صراع على جوهر الديمقراطية وسيادة القانون في "إسرائيل"، أي تنازل أو تساهل سيخلق سابقة خطيرة تهدد نزاهة المؤسسات السياسية والقضائية، المجتمع الإسرائيلي يحتاج إلى موقف حاسم يحمي العدالة، ويضع القانون فوق أي شخصية سياسية مهما بلغت قوتها أو تأثيرها، رفض الشروط أو تجاوزها سيكون كارثة أخلاقية وقانونية، بينما الالتزام بشروط الاعتراف بالذنب والندم يمثل خطوة نحو استعادة ثقة المواطنين في الدولة، هذه الأزمة تؤكد أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على مساءلة الجميع أمام القانون، وأن أي محاولة للتهرب من هذه المساءلة يجب أن تواجه بحزم لمنع تدمير مؤسسات الدولة واستقرارها.
تداعيات العفو على السياسة الإسرائيلية والمشهد الدولي
منح العفو لنتنياهو، حتى لو تم وفق شروط شكلية، سيكون له تأثيرات عميقة على السياسة الإسرائيلية والعلاقات الدولية، داخلياً، سيزيد من انقسام المجتمع ويضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية، إذ سيشعر جزء كبير من الشعب أن القانون يمكن تجاوزه بتدخل سياسي، أما على المستوى الدولي، فقد يؤدي العفو إلى توتر العلاقات مع حلفاء "إسرائيل" الذين يراقبون نزاهة مؤسساتها، وقد يُساء فهمه كضعف في الالتزام بالمعايير الديمقراطية، كما أن أي تقاعس عن فرض المساءلة سيحفز السياسيين المستقبليين على محاولات مشابهة لتجنب المحاكمة، ما يخلق دورة فساد ممتدة، لذا، فإن رفض العفو أو ربطه بشروط صارمة ليس مجرد مسألة محلية، بل حماية لمصداقية "إسرائيل" دولياً، وحماية للديمقراطية داخلياً، ما يجعل هذه الأزمة اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على مواجهة الطموحات الشخصية على حساب القانون والمصلحة العامة.
