الوقت- في واحدة من أكثر القضايا التي تكشف طبيعة السلوك السياسي والأخلاقي للكيان الصهيوني، برز ملف جثمان آخر أسير صهيوني في قطاع غزة باعتباره نموذجاً صارخاً لاستغلال المعاناة الإنسانية في خدمة الحسابات السياسية والعسكرية، فبينما يفترض أن يكون التعامل مع الجثامين مسألة إنسانية بحتة، بعيدة عن المساومات والابتزاز، أظهرت الوقائع والتصريحات الصادرة عن أطراف متعددة، من ضمنها سرايا القدس وحتى مسؤولون أمريكيون، أن الكيان الصهيوني تعامل مع هذا الملف بعقلية المماطلة المتعمدة، هذا التعاطي لم يكن منفصلاً عن السياق العام للعدوان المستمر على قطاع غزة، ولا عن محاولات" تل أبيب" الدائمة لاستخدام كل ورقة ممكنة للضغط السياسي وعرقلة أي مسار تفاوضي لا يخدم مصالحها، فالجثمان، في هذا الإطار، نظر اليه كورقة مساومة تُستخدم لشراء الوقت، ومراكمة المكاسب، وتغطية الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين.
المماطلة كسياسة ممنهجة لا كحادث عابر
لم تكن مماطلة الكيان الصهيوني في البحث عن جثمان آخر أسير مجرد خلل إداري أو تقصير ميداني، بل جاءت كجزء من سياسة ممنهجة دأبت تل أبيب على اتباعها في ملفات مشابهة. فالتجربة التاريخية تؤكد أن الاحتلال يستخدم عامل الزمن كسلاح ضغط، سواء في قضايا الأسرى الأحياء أو الجثامين، بهدف استنزاف الطرف الآخر سياسياً ومعنوياً.
تصريحات أبو حمزة، المتحدث العسكري باسم سرايا القدس، كشفت بوضوح أن الفصائل الفلسطينية أبلغت الوسطاء منذ أسابيع بمعلومات دقيقة حول الجثمان، ما ينفي أي ادعاء بعدم المعرفة، ومع ذلك، اختار الاحتلال التباطؤ، في خطوة تعكس رغبة واضحة في التحكم بإيقاع الملف بما يخدم حساباته الداخلية والخارجية، هذه السياسة تندرج ضمن عقلية استعمارية ترى في كل ملف فرصة للمساومة، لا التزاماً أخلاقياً، وهو ما يفضح زيف الخطاب الصهيوني الذي يدّعي الحرص على “قيمة الإنسان”، بينما يتعامل مع الجثامين كأدوات تفاوضية.
الجثمان كورقة ابتزاز في مسار المفاوضات
أحد أبرز دوافع المماطلة الصهيونية يتمثل في توظيف جثمان الأسير كورقة ابتزاز خلال المفاوضات غير المباشرة مع المقاومة، فالاحتفاظ بالجثمان يمنح الاحتلال هامشاً إضافياً للمناورة، ومحاولة فرض شروط جديدة أو تعطيل أي تقدم لا ينسجم مع رؤيته.
في هذا السياق، لم يكن الهدف فقط استعادة الجثمان، بل استخدامه كوسيلة ضغط لإجبار الفصائل الفلسطينية على تقديم تنازلات سياسية أو أمنية، هذا السلوك يعكس فهماً صهيونياً للتفاوض باعتباره عملية قسرية، لا تبادلية، تقوم على الإكراه بدل الاحترام المتبادل، كما أن إطالة أمد الملف يخدم الاحتلال داخلياً، عبر إظهار الحكومة بمظهر “المنشغلة” بمصير أسراها، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة، وهكذا، يتحول الجثمان إلى أداة دعائية تُستخدم لامتصاص غضب الشارع الصهيوني.
التغطية على الجرائم عبر تشتيت الانتباه
لا يمكن فصل المماطلة في ملف الجثمان عن محاولة الكيان الصهيوني تشتيت الأنظار عن جرائمه المستمرة في قطاع غزة، ففي كل مرة يتصاعد فيها الضغط الدولي بسبب المجازر والانتهاكات، تسعى تل أبيب إلى خلق ملفات جانبية تُعيد توجيه النقاش الإعلامي، قضية الجثمان، في هذا الإطار، استُخدمت لإعادة إنتاج رواية “الضحية”، وإخفاء حقيقة أن الاحتلال هو الجهة التي تمارس القتل والتدمير بشكل ممنهج، فبدلاً من محاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين والبنية التحتية، يجري تسويق قصة مجتزأة تخدم الرواية الصهيونية، هذا الأسلوب ليس جديداً، بل هو جزء من استراتيجية إعلامية قائمة على قلب الحقائق، وتحويل الجلاد إلى ضحية، والضحية إلى متهم، والمماطلة هنا تؤدي وظيفة مزدوجة: سياسية وإعلامية في آن واحد.
الاعترافات الدولية تفضح الرواية الصهيونية
اللافت في هذه القضية أن الرواية الصهيونية لم تتهاوَ فقط بفعل تصريحات المقاومة، بل أيضاً بسبب اعترافات صادرة عن أطراف دولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فإقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعاون حماس في تحديد مكان الجثمان شكّل ضربة مباشرة لمحاولات تل أبيب التنصل من مسؤوليتها.
هذه الاعترافات تؤكد أن المشكلة لم تكن في غياب التعاون الفلسطيني، بل في تعمّد الاحتلال إطالة أمد العملية، وهو ما يضع الكيان الصهيوني في موقع الاتهام أمام الرأي العام الدولي، حتى من قبل حلفائه التقليديين، كما تكشف هذه التصريحات حدود القدرة الصهيونية على التحكم بالرواية الإعلامية، وخاصة عندما تتقاطع الوقائع مع شهادات متعددة المصادر، ما يجعل سياسة التضليل أقل فاعلية.
ازدواجية المعايير وسقوط الخطاب الإنساني الصهيوني
تكشف قضية جثمان آخر أسير صهيوني عن مستوى عميق من ازدواجية المعايير التي تحكم الخطاب الصهيوني، سواء على الصعيد الداخلي أو في مخاطبة المجتمع الدولي، ففي الوقت الذي تُشنّ فيه حملات إعلامية واسعة للمطالبة باستعادة جثمان أسير واحد، يتجاهل الكيان الصهيوني بشكل منهجي آلاف الجثامين الفلسطينية المحتجزة في مقابر الأرقام، في انتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين الإنسانية، هذه الازدواجية لا تعكس فقط عنصرية متجذرة، بل تؤكد أن “الإنسانية” في القاموس الصهيوني مفهوم انتقائي يُفعّل حين يخدم المصالح السياسية، ويُهمَل حين يتعلق بالفلسطينيين، فكيف يمكن لكيان يدّعي احترام كرامة الموتى أن يبرر احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين لسنوات، أو المساومة عليها في صفقات سياسية وأمنية؟ إن هذه المفارقة تسقط القناع عن خطاب الاحتلال، وتظهره كخطاب دعائي أجوف، يفتقر لأي التزام أخلاقي حقيقي، كما تعزز قناعة متزايدة لدى الرأي العام العالمي بأن الكيان الصهيوني لا يتعامل مع القانون الدولي إلا كأداة انتقائية، تُستخدم حين تخدمه وتُداس حين تعيق جرائمه، ما يضع شرعيته الأخلاقية في موضع تساؤل دائم.
في المحصلة، تكشف قضية جثمان آخر أسير صهيوني عن جوهر السياسة التي ينتهجها الكيان الصهيوني في تعاطيه مع القضايا الإنسانية، حيث تتحول المبادئ الأخلاقية إلى شعارات فارغة تُستدعى عند الحاجة، وتُهمَل عندما تتعارض مع المصالح السياسية والعسكرية، فالمماطلة المتعمدة، والابتزاز التفاوضي، ومحاولات التضليل الإعلامي، ليست ممارسات طارئة، بل عناصر ثابتة في سلوك احتلال اعتاد إدارة الصراع بمنطق القوة لا القانون.
لقد أظهرت هذه القضية، كما غيرها، أن الاحتلال لا يتردد في استغلال الموت نفسه لإطالة أمد العدوان وشراء الوقت، في محاولة للهروب من الاستحقاقات السياسية والإنسانية المفروضة عليه، وفي المقابل، تبرز حقيقة ثابتة مفادها بأن الرواية الصهيونية، مهما أُنفِق عليها من أدوات إعلامية، تبقى هشّة أمام الوقائع والاعترافات، حتى الصادرة عن حلفائه.
إن التعامل مع الجثامين كورقة مساومة يفضح أزمة أخلاقية عميقة داخل منظومة الاحتلال، ويؤكد أن هذا الكيان لا يمكن أن يكون شريكاً نزيهاً في أي مسار سياسي أو إنساني، ومن هنا، فإن فضح هذه الممارسات، وتسليط الضوء على حقيقتها، لا يُعد فقط واجباً إعلامياً، بل مسؤولية أخلاقية تضع العالم أمام اختبار حقيقي: إما الانتصار للقيم الإنسانية، أو الاستمرار في الصمت على ابتزازٍ يُمارَس باسم السياسة.
