الوقت- في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبرز اليمن لاعبًا فاعلًا في معادلة الأمن الإقليمي، لا سيما في الممرات البحرية الاستراتيجية. فبعد فترة من الهدوء النسبي، جاءت الرسالة التحذيرية المصوّرة التي وجهها اليمن إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لتؤكد أن صنعاء لا تزال تملك زمام المبادرة، وأن خياراتها الاستراتيجية لم تُستنزف. هذه الرسالة لم تكن استعراضًا إعلاميًا عابرًا، بل إعلانًا مدروسًا يعكس ثقة متنامية بالقدرات العسكرية، ووعيًا سياسيًا بطبيعة الصراع وأدواته. من البحر الأحمر إلى باب المندب وخليج عدن، يربط اليمن بين أمنه القومي ومسؤوليته الأخلاقية تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وعليه، فإن التحرك اليمني الأخير يفتح الباب أمام قراءة أعمق لأبعاده السياسية والعسكرية والإنسانية، ودلالاته على مستقبل الصراع في المنطقة.
اليمن كلاعب استراتيجي في الممرات البحرية
يمتلك اليمن موقعًا جغرافيًا فريدًا يمنحه ثقلًا استراتيجيًا استثنائيًا، إذ يشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية. هذا الموقع لم يعد مجرد عامل جغرافي صامت، بل تحوّل إلى ورقة ضغط فاعلة بيد اليمن في مواجهة القوى الكبرى. الرسالة التحذيرية الأخيرة أكدت أن صنعاء تدرك جيدًا قيمة هذا الموقع، وتعرف كيف توظفه سياسيًا وعسكريًا ضمن معادلة الردع. فاليمن لم يتحرك بدافع المغامرة، بل وفق حسابات دقيقة تربط بين أمن المنطقة واستقرارها، وبين وقف العدوان ورفع الحصار. ومن هذا المنطلق، فإن أي تحرك بحري يمني يُقرأ بوصفه دفاعًا مشروعًا عن السيادة، ورسالة واضحة بأن أمن الممرات البحرية لا يمكن فصله عن العدالة السياسية ووقف الانتهاكات بحق الشعوب المظلومة.
الرسالة العسكرية كأداة ردع لا كخيار حرب
التحذير اليمني المصوّر لا يعني بالضرورة التوجه نحو التصعيد العسكري، بل يعكس اعتماد صنعاء على مبدأ الردع الاستباقي. فإظهار القدرات العسكرية، ولا سيما الطائرات المسيّرة والعمليات البحرية السابقة، يهدف إلى إيصال رسالة مفادها أن اليمن جاهز، لكنه غير متعجل للحرب. هذه السياسة تُظهر نضجًا عسكريًا لافتًا، حيث يتم استخدام القوة كوسيلة لمنع الصراع لا لإشعاله. وقد أثبتت التجربة أن هذا النهج فرض معادلات جديدة على الأطراف المعادية، وجعلها تعيد حساباتها قبل الإقدام على أي خطوة تصعيدية. كما أن هذا الخطاب العسكري المتزن يعزز من مكانة اليمن كقوة إقليمية صاعدة، قادرة على حماية مصالحها والدفاع عن خياراتها السياسية دون الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة. بذلك، يتحول الردع اليمني إلى عنصر استقرار مشروط، يربط الهدوء بوقف العدوان واحترام السيادة.
البعد السياسي للتحذير اليمني
سياسيًا، تحمل الرسالة اليمنية أبعادًا تتجاوز الساحة العسكرية، إذ تأتي في توقيت حساس يشهد ضغوطًا أمريكية متزايدة على قوى محور المقاومة. من هنا، يمكن قراءة التحذير كإعلان موقف سياسي مستقل، يرفض منطق الإملاءات الخارجية، ويؤكد أن اليمن ليس ساحة هامشية في الصراع الإقليمي. كما أن توجيه الرسالة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل معًا يعكس فهمًا يمنيًا لطبيعة التحالفات القائمة، ودور كل طرف في زعزعة استقرار المنطقة. هذا الموقف يعزز من حضور اليمن في المعادلات السياسية، ويمنحه شرعية شعبية واسعة، كونه يتبنى خطابًا سياديًا مناصرًا لقضايا الأمة. والأهم أن هذا الخطاب يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، مفاده أن تجاهل المظالم المستمرة، وعلى رأسها ما يجري في غزة، سيؤدي حتمًا إلى اتساع رقعة التوتر، وأن الحل يبدأ من معالجة جذور الصراع لا نتائجه.
اليمن وغزة… وحدة الموقف والمصير
لا يمكن فصل التحرك اليمني عن سياقه الإنساني والأخلاقي المرتبط بدعم الشعب الفلسطيني في غزة. فاليمن، رغم سنوات الحرب والحصار، اختار أن يكون حاضرًا في معركة الكرامة العربية، معتبرًا أن الصمت تجاه الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في غزة تواطؤ غير مقبول. العمليات البحرية السابقة، وكذلك التحذير الأخير، جاءت في إطار هذا الموقف المبدئي، الذي يربط بين الأمن البحري ووقف العدوان على الفلسطينيين. هذا الربط أكسب اليمن احترامًا واسعًا في الشارع العربي والإسلامي، ورسّخ صورته كدولة تتحرك بدافع القيم لا المصالح الضيقة. ومن هذا المنظور، فإن الرسالة اليمنية ليست مجرد تهديد عسكري، بل صرخة سياسية وأخلاقية في وجه نظام دولي عاجز عن حماية الأبرياء. إنها محاولة لإعادة التوازن إلى معادلة اختلّت طويلًا لصالح القوة على حساب الحق.
آفاق المرحلة المقبلة ودور اليمن
تشير المعطيات الراهنة إلى أن اليمن مقبل على مرحلة جديدة من الحضور الإقليمي المؤثر، حيث بات رقماً صعبًا لا يمكن تجاهله في حسابات الأمن البحري والسياسة الدولية. فإذا استمرت القوى الكبرى في سياساتها التصعيدية وتجاهلها لمطالب الشعوب، فإن اليمن يمتلك من الأدوات ما يمكّنه من فرض معادلات ردع أكثر تأثيرًا. وفي المقابل، يظل الباب مفتوحًا أمام التهدئة المشروطة بوقف العدوان واحترام السيادة ورفع الحصار. هذا التوازن بين القوة والانفتاح السياسي يعكس رؤية يمنية تسعى إلى الاستقرار العادل، لا الاستسلام ولا الفوضى. وفي النهاية، يثبت اليمن أن الإرادة السياسية، حين تقترن بالصبر والقدرة، قادرة على تحويل دولة محاصرة إلى فاعل إقليمي مؤثر، يدافع عن نفسه وعن قضايا أمته بثقة واقتدار.
