الوقت- في حين شكلت قوة قوات سوريا الديمقراطية، المعروفة باسم "قسد"، في شمال وشرق سوريا تهديداً خطيراً للحكومة الوليدة لأبو محمد الجولاني، رئيس الحكومة الانتقالية للبلاد، يبدو أنه بعد أشهر من الصراع، تم التوصل إلى اتفاقيات بين الجانبين لخفض التوترات.
في هذا السياق، أفادت مصادر إخبارية بأن الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية وقّعتا اتفاقاً شاملاً يوم الأحد بعد فترة من النزاع. وبموجب بنود الاتفاق، سيتم إرساء وقف فوري وشامل لإطلاق النار على جميع الجبهات وخطوط التماس، إلى جانب انسحاب جميع الوحدات العسكرية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية إلى المنطقة الواقعة شرق نهر الفرات كخطوة أولى نحو إعادة انتشار القوات.
وبحسب هذا الاتفاق، سيتم تسليم الإدارة الإدارية والعسكرية لمحافظتي دير الزور والرقة إلى الحكومة المؤقتة، وفي المقابل، ستلتزم دمشق بتعيين موظفين أكراد في الوزارات المعنية والامتناع عن مقاضاة موظفي ومقاتلي قوات سوريا الديمقراطية في هاتين المحافظتين.
ومن بين البنود الأخرى لهذا الاتفاق دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة في الهيئة الإدارية والهيكل الحكومي لسوريا، والتسليم الكامل لجميع المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة إلى الحكومة السورية المؤقتة، وتأمينها من قبل قوات الجيش لإعادة عائدات هذه الموارد إلى خزينة الدولة.
وتؤكد بنود أخرى من هذا الاتفاق أيضاً على دمج جميع القوات العسكرية والأمنية التابعة لـ "قسد" بشكل فردي في هيكل وزارة الدفاع والداخلية بعد إجراء المراجعات الأمنية اللازمة، بحيث يتم تعيين رتب عسكرية لهؤلاء الأفراد، وفي الوقت نفسه، يتم مراعاة الخصائص الخاصة للمناطق الكردية. تقرر إعداد قائمة بقادة قوات سوريا الديمقراطية المقترحين لتولي مناصب عسكرية وأمنية ومدنية رفيعة في الحكومة الانتقالية لضمان المشاركة الوطنية.
بحسب بنود أخرى من الاتفاقية، تلتزم قيادة قوات سوريا الديمقراطية بعدم تجنيد أي من فلول النظام السابق في صفوفها، وتسليم قائمة بأسماء الضباط المنتسبين إلى ذلك النظام والمتواجدين في المناطق الشمالية الشرقية.
إضافةً إلى ذلك، سيصدر مرسوم رئاسي بتعيين محافظ للحسكة كضمان للمشاركة السياسية والتمثيل المحلي.
كما ينبغي إخلاء مدينة عين العرب، أو "كوباني"، من الأسلحة العسكرية الثقيلة، وتشكيل قوة أمنية من سكان المدينة، وبقاء قوة شرطة محلية في المنطقة تحت إشراف وزارة الداخلية السورية.
إن التزام قوات سوريا الديمقراطية بطرد جميع القادة والعناصر غير السورية من حزب العمال الكردستاني من الأراضي السورية للحفاظ على السيادة الوطنية واستقرار جيرانها، والتزام الحكومة السورية المؤقتة بمواصلة الحرب ضد الإرهاب (داعش) كعضو فاعل في التحالف الدولي، والتنسيق مع الولايات المتحدة في هذا الإطار لضمان الأمن الإقليمي، هي بنود أخرى من هذا الاتفاق.
سخط الاكراد
رغم الاتفاقات، يبدو أن قادة قوات سوريا الديمقراطية غير راضين عنها. فقد أكد مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، قبول الاتفاق مع الحكومة السورية لمنع إراقة الدماء وتجنب الحرب الأهلية، لكنه أوضح أن الاتفاق فُرض على قواته، وأشار إلى أنه سيتوجه إلى دمشق لوضع اللمسات الأخيرة عليه قبل الإعلان عن تفاصيله.
على الرغم من عدم نشر تفاصيل قائمة الوسطاء الذين كانوا المبادرين بتوقيع هذا الاتفاق، إلا أن الأدلة تشير إلى أن أربيل وأنقرة لعبتا دورًا فعالًا في هذا الصدد. ولهذا الغرض، وبعد توقيع الاتفاقية، تحدث الجولاني هاتفياً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومسعود بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان، حيث أكد بارزاني وأردوغان على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها.
تم التوصل إلى هذا الاتفاق على الرغم من اندلاع اشتباكات عنيفة في الأسابيع الأخيرة بين قوات سوريا الديمقراطية وعناصر الجولاني في محافظة حلب، وخاصة في منطقة الشيخ مقصود، والتي أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من القوات من كلا الجانبين. في وقت سابق، في مارس الماضي، اتفق مظلوم عبدي وجولاني على دمج القوات الكردية في الهياكل السياسية والأمنية في سوريا، ومن ثم تسليم إدارة المناطق الكردية إلى قوات الحكومة المؤقتة، ولكن في النهاية لم يتم تنفيذ هذا الاتفاق واستمرت الخلافات حول بنوده.
في وقت سابق، هدد توم باراك، المبعوث الأمريكي إلى سوريا، بإمكانية النظر في "خيارات بديلة" إذا لم يتوصل الأكراد إلى اتفاق مع دمشق بحلول نهاية ديسمبر. وهكذا، وبعد عدة أشهر من الصراع والضغوط من واشنطن ودول المنطقة، تم التوصل إلى الاتفاق.
سيطرة دمشق على النفط والغاز
مع استعادة أجزاء كبيرة من شرق سوريا وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من هذه المناطق، عادت قضية النفط والغاز إلى الواجهة كإحدى أهم أدوات الحكم والاقتصاد. وبينما تُحكم الحكومة سيطرتها على حقول الطاقة، يُشدد المسؤولون الاقتصاديون السوريون على ضرورة إعادة الموارد الطبيعية للبلاد بالكامل إلى القطاع الرسمي وتحت إشراف الدولة.
أعلنت شركة النفط السورية، يوم الأحد، سيطرة الجيش السوري على حقول النفط والغاز في محافظة دير الزور، بعد اشتباكات مع قوات سوريا الديمقراطية. وفي هذا السياق، صرّح عبد القادر الحسرية، رئيس مصرف سوريا المركزي، بأن استعادة موارد النفط والغاز إلى سيادة الدولة ستلعب دوراً حاسماً في إعادة بناء النظام المالي للبلاد.
أكد المسؤول السوري أنه مع عودة هذه الموارد، يمكن للبنك المركزي أن يلعب دوره الطبيعي مرة أخرى كذراع مالي للحكومة، ويمكن تلبية جميع احتياجات القطاع الإداري في البلاد، بما في ذلك الائتمان والواردات والتمويل، بشكل مركزي وحصري من خلال هذه المؤسسة.
أعلن مسؤول حكومي مؤقت رفيع المستوى أن فريقاً من وزارة الطاقة السورية ينتشر حالياً في منطقة دير الزور لتقييم حالة العديد من حقول النفط الرئيسية، بالإضافة إلى حقل كونيكو للغاز. وأضاف المسؤول السوري: "على الرغم من أن النتائج النهائية لهذه التقييمات لم تُعلن بعد، إلا أن الحكومة السورية ستشرع قريباً في وضع خطط تطوير لهذه الحقول".
كانت هذه المناطق خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة والأكراد لعقد من الزمان، ولم تكن للحكومة المركزية بقيادة بشار الأسد أي سيطرة على هذه الموارد الحيوية. ولذلك، فإن الأكراد، الذين استفادوا من مبيعات النفط في السنوات الأخيرة بمساعدة أمريكية، سيخسرون هذه العائدات فعلياً بتسليم موارد النفط والغاز إلى دمشق.
ظل الحرب مازال قائما
رغم التوصل إلى اتفاقيات شبه ترسيم للحدود بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق، إلا أن تصريحات مظلوم عبدي تُظهر أن هذه الاتفاقيات تنطوي على العديد من الغموض والثغرات التي لا تضمن وقفًا تامًا للأعمال العدائية. وفي هذا الصدد، أكد عبدي أن قوات سوريا الديمقراطية انسحبت من دير الزور والرقة إلى الحسكة، لكنها لم تُهزم وستحافظ على مكاسبها.
أكد قائد قوات سوريا الديمقراطية: "لا تزال أمامنا خطوات، وسنعود إلى شعبنا ومنظماتنا، وسنحمي مناطقنا". توضح هذه التصريحات أنه لا يمكننا أن نعلق آمالاً كبيرة على الاتفاق الذي تم التوصل إليه، وكما قال عبدي، فقد فُرض هذا الاتفاق على الأكراد، وقد قبلوه حتماً في ظل هذه الظروف.
يرفض الأكراد تسليم أسلحتهم بسبب التهديدات التركية، ويريدون الحفاظ على الهيكل العسكري الحالي في المناطق الشمالية والشرقية من سوريا، في إطار الجيش والمؤسسات الحاكمة، حتى لو تم التوصل إلى اتفاق مع دمشق. يطالب الأكراد بتشكيل قوات كردية مستقلة في إطار جيش وطني يعمل تحت قيادة قادتهم، وليس أولئك الذين عينتهم حكومة جولاني.
علاوة على ذلك، ورغم التنازلات التي قدمتها قوات سوريا الديمقراطية، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الحكومة المؤقتة ستمنح قادة الأكراد مناصب حكومية وأمنية رفيعة. لذا، ثمة احتمال ألا تفي الحكومة المؤقتة بالتزاماتها بعد استعادة مناطق النفط والغاز. لأنه يبدو أنه في ظل هذه الظروف، ومن أجل التغلب على عدم الاستقرار الداخلي الناجم عن الهجمات المستمرة للكيان الصهيوني، وكذلك لزيادة الشرعية السياسية لحكومته، حاول الجولاني التوصل إلى اتفاق أدنى مع الأكراد من أجل السيطرة على الوضع.
من جهة أخرى، يجب على دمشق، بصفتها حليفاً لتركيا، أن تأخذ في الاعتبار مصالح هذا البلد، الذي دعا مراراً وتكراراً إلى نزع سلاح جميع الجماعات الكردية في شمال سوريا خلال العقد الماضي، وربما عدم السماح للقادة الأكراد، الذين تعتبرهم تركيا جماعات إرهابية، بتولي مناصب أمنية وسياسية رفيعة. في هذه الحالة، هناك احتمال لعودة الصراع بين الجانبين في المستقبل، ولن يخضع قادة قوات سوريا الديمقراطية لنزع السلاح الكامل حتى يتم التأكد من تحقيق أهدافهم ومصالحهم.
من جهة أخرى، يُعدّ الكيان الصهيوني أحد الأطراف المعارضة للاتفاق بين الأكراد والحكومة المؤقتة. لذا، فليس من المستبعد أن تدعم تل أبيب الأكراد علنًا إذا ما انتشرت عناصر جولاني في شمال سوريا واندلعت جولة جديدة من الصراع هناك. لأن إسرائيل في أمس الحاجة إلى الأقليات مثل الدروز والأكراد في جنوب وشمال سوريا لتحقيق أهدافها الأمنية والسياسية، وإذا تدخل هذا الكيان ، فسيستمر عدم الاستقرار. كما يعتبر الصهاينة وصول الحكومة المؤقتة إلى السلطة، وسيطرتها على موارد النفط والغاز، وتعزيز نفوذ تركيا تهديداً خطيراً لهم، ولن يلتزموا الصمت بلا شك في مواجهة التطورات المستقبلية.
