الوقت- الكساندرا واسيلوفسكي، وهي طالبة روسية الجنسية مواطنة في الکيان الصهيوني، كتبت مقالاً في قسم المدونة في صحيفة "تايمز إسرائيل"، تناولت فيها الوضع الاجتماعي لليهود الروس المقيمين في الأراضي المحتلة. وأشارت في هذا المقال إلى الضغوط الثقافية والنفسية المتزايدة على الروس، نتيجة الحرب في أوكرانيا، والتي أدت بطريقة ما إلى "الانفصال الذاتي" لدى جيل جديد من المهاجرين الروس في الکيان. وفيما يلي موجز من المقال: "كان سبتمبر 2023، أي بعد حوالي سنة ونصف من بدء الحرب الروسية ضد أوكرانيا، عندما وصلتُ إلى "إسرائيل" كطالبة دولية من أمريكا لبدء دراستي. عند وصولي إلى منزلي الجديد، أي شقة جدي وجدتي في بات يام - مركز المتحدثين الروس - سمعت همسات اللغة الروسية المألوفة. "بات يام" كانت تمامًا كما تذكّرتها من صيف طفولتي؛ متاجر روسية صغيرة على طول الشوارع، أطفال صغار يلعبون ويصرخون بالروسية، وجدات روسية کبيرات في السن يمشين في الحدائق لتوزيع الطعام على القطط الضالة.
في الظاهر، بدا أن بات يام لم تتغير كثيرًا عن تلك الصيفيات القديمة. لم يكن هناك شيء حولي يشير إلى أي تدهور — الثقافة الروسية في بات يام كانت نشطةً وغنيةً، وبدت في توسّع. بدا لي أن مجتمعنا، حتى بعد ثلاثين عامًا من الهجرة من الاتحاد السوفيتي المنهار، لا يزال يحتفظ بعلاقات قوية مع تراثه الأوروبي الشرقي والسوفيتي.
بدأت أشعر بالتوتر داخل المجتمع الناطق بالروسية فقط عندما بدأت التحدث مع أقران عمري، فهم أبناء مهاجرين من تسعينيات القرن الماضي، بينما والديّ، مثل الكثير من الآخرين، غادرا دول الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن العشرين ليجلبا معهم اللغة والثقافة الروسية إلى إسرائيل(الأراضي المحتلة). أنا ابنة هذه الموجة من الهجرة إلى إسرائيل، لكنني غادرت "إسرائيل" في سن مبكرة. لذلك، لم أفهم تمامًا تطورات المجتمع الروسي إلا بعد أن بدأت التحدث مع أقراني الناطقين بالروسية الذين نشأوا في "إسرائيل".
كلهم، من الأقارب البعيدين إلى أبناء أصدقاء والديّ، كانوا يروون لي أنهم تعرضوا للإهانة والتمييز بسبب تراثهم الروسي، حتى أنهم تظاهروا أمام المدرسة بأنهم لا يتحدثون الروسية. كثيرون منهم تجنبوا التحدث بالروسية تمامًا، مما أدى إلى تراجع عام في مهاراتهم اللغوية. كان هؤلاء الأطفال المهاجرين من تسعينيات القرن الماضي تحت ضغط للانفصال عن تراثهم ليتماشوا مع المجتمع الإسرائيلي العام، وهو ضغط واجهته العديد من الجنسيات الأخرى في مراحل الهجرة السابقة. إذن، لماذا يبدو لي أن الثقافة الروسية ما زالت نشيطةً في "إسرائيل"؟
كما تعلمت بسرعة عند بدئي الدراسة في جامعة تل أبيب، فإن المجتمع الروسي الناطق بالروسية في "إسرائيل"، شهد تجديدًا سكانيًا بفضل وصول المهاجرين الجدد من أوكرانيا ومن روسيا. والعديد من الطلاب المسجلين في برنامج اللغة الإنجليزية الذي كنت أشارك فيه، هم لاجئون من الحرب في روسيا.
عندما التقيت بهؤلاء الطلاب لأول مرة، شعرت بروابط مشتركة مع كثير منهم بسبب تراثنا الأوروبي الشرقي المشترك. كنا نتحدث لغةً مشتركةً، ونرث مجموعات متشابهة من العادات والتقاليد السوفيتية. لكن مع مرور الوقت، شعرت بفجوة متزايدة بيني وبين هؤلاء المهاجرين الجدد الناطقين بالروسية، وتفهمت أن تجارب حياتنا مختلفة تمامًا.
بدت لي الأمور وكأن الجيل الروسي من مهاجري تسعينيات القرن الماضي واجه "دمًا جديدًا" من الأصل الأم، مما زاد من التوتر الداخلي الذي لاحظته في الجيل الشاب من المجتمع. أنا وكثير من الناطقين بالروسية من الجيل الثاني، لم نتمكن من مواكبة مستوى اللغة الروسية لدى المهاجرين الجدد، وحاولنا بفارغ الصبر أن نواكب المعايير الثقافية والمرجعيات المعروفة لديهم.
بالإضافة إلى ذلك، أشار العديد من الناطقين الجدد بالروسية إلى ارتباطاتهم الوطنية الخاصة، سواء مع أوكرانيا أو روسيا، كجزء مهم من هويتهم. بينما أنا وكثير من أبناء مهاجري تسعينيات القرن الماضي، نشعر غالبًا بارتباط أوسع بالثقافة الروسية بشكل عام، نظرًا لتربية والدينا السوفيتية، وعدم مواجهتنا لهويات وطنية تشكلت من جديد بعد تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي.
هذا الاختلاف الهوياتي أظهر نفسه في وجهات النظر المختلفة بين المجموعتين، وخلق فجوةً رقيقةً، لكن حقيقيةً. ومع كل هذه الاختلافات، شعرت أحيانًا أنني أشعر بالراحة أكثر مع الإسرائيليين، الذين لا أتحدث لغتهم، مقارنةً بالمهاجرين الجدد من روسيا وأوكرانيا.
من الخارج، يبدو المجتمع الناطق بالروسية في إسرائيل(الأراضي المحتلة) نشيطًا وحيويًا. تستمر الأعمال التجارية الروسية في الازدهار، وتحدّث الأجيال الجديدة الأطفال بالروسية، ويظهر التأثير الثقافي الروسي بوضوح في مراكز الثقافة. لكن المشكلات الداخلية في مجتمعنا، مثل شعور جيلي بالانفصال عن الثقافة الروسية، والفجوة الثقافية بين فئات المهاجرين المختلفة، تهدّد حياة المجتمع الروسي. فعلى الرغم من أن الثقافة الناطقة بالروسية تمرّ بمرحلة الإحياء في "إسرائيل" بسبب وصول المهاجرين الجدد، إلا أن الفجوة المتزايدة بين المهاجرين الجدد والقدامى تهدّد استمرارية المجتمع.
إذا لم تختر المجموعتان -الناطقون بالروسية من تسعينيات القرن الماضي والمهاجرين الجدد الناطقين بالروسية - بوعي تعزيز علاقاتهما وبناء هوية أكثر وحدةً، فإن الفجوة في المجتمع الناطق بالروسية ستستمر في التوسع. کما أن الانقسام بين فئات المهاجرين المختلفة، إلى جانب الشعور المتزايد بالانفصال عن الثقافة الروسية في المجتمع الإسرائيلي، يهدّد حياة الثقافة الروسية في الأجيال القادمة. فالفرصة الوحيدة لبقاء المجتمع الروسي قويًا أمام التحديات المستقبلية، هي في تعزيز الروابط بين المهاجرين الجدد والقدامى، وظهور جهود نشطة من قِبل المهاجرين القدامى للاحتفاظ بالارتباط مع تراث الأوروبي الشرقي.
