الوقت - في مشهد بات يتكرر بوتيرة مقلقة، شهدت سوريا مساء الأربعاء الماضي عدوانًا إسرائيليًا هو الأعنف منذ سقوط نظام الأسد، استهدف فيه الطيران الحربي مطاري حماة وتيفور ومركز البحوث العلمية في دمشق، لم يكن التصعيد جوًا فحسب، بل ترافق مع توغل بري في ريف درعا الغربي، حيث خاضت قوات الاحتلال مواجهات مباشرة مع مجموعات محلية، سقط خلالها عشرة شهداء سوريين.
ورغم وحشية العدوان، فإن الدولة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، لم تصدر أي تهديد فعلي أو تحرك واضح للرد، مكتفية ببيانات شجب وتنديد، لقد بدا وكأن الفراغ الذي خلفه سقوط النظام السابق فتح المجال واسعًا أمام الاحتلال الإسرائيلي ليعيد رسم خرائط هيمنته في الجنوب السوري، في تجاهل صارخ لاتفاقية فك الاشتباك الموقعة عام 1974.
لكن في مقابل هذا الفراغ الرسمي، برز مشهد مغاير في الشارع السوري، ولا سيما جنوب البلاد، حيث لم تمر الاعتداءات دون مقاومة، فقد تصدى شباب حوران، وخصوصاً في بلدتي تسيل ونوى، لتوغل الدبابات الإسرائيلية، مسطرين ملحمة صمود تعيد للأذهان تاريخًا طويلاً من المقاومة الشعبية ضد الاحتلال.
انهيار السيادة وغياب الردع
من الواضح أن "إسرائيل"، في ظل ما تعتبره "هشاشة الدولة السورية الجديدة"، قررت استغلال اللحظة، ليس فقط لمهاجمة مواقع عسكرية، بل لتقويض أي أمل في استعادة سوريا لعافيتها، وتؤكد وزارة الخارجية السورية أن الغارات الأخيرة تسببت في تدمير مطار حماة العسكري بالكامل، إضافة إلى خسائر جسيمة في البنية التحتية بدمشق وحمص.
وفي الوقت الذي دعت فيه دمشق المجتمع الدولي إلى وقف الاعتداءات، جاءت ردود الفعل الدولية والعربية منددة، لكن دون فعل ملموس، فقد دانت كل من مصر، الأردن، السعودية، قطر، والعراق الهجمات، مؤكدين على أن ما تقوم به "إسرائيل" هو انتهاك صارخ للقانون الدولي، وتهديد مباشر لاستقرار المنطقة، إلا أن هذه الإدانة، على أهميتها السياسية، لم تُترجم حتى الآن إلى ضغوط فعالة.
صوت الجنوب... صوت المقاومة
في درعا، مهد الثورة الأولى ضد الاستبداد، عاد صوت الشعب ليرتفع مجددًا، هذه المرة في مواجهة الاحتلال، الآلاف خرجوا في جنازات الشهداء الذين سقطوا في القصف، رافعين شعارات تطالب بالثأر وترفض الصمت الرسمي، مشاهد الجنازات تحولت إلى تظاهرات حاشدة، رفعت رايات الثورة والمقاومة، في رسالة مفادها بأن الجنوب لم يستسلم ولن يكون ساحة مفتوحة أمام المحتل.
وبينما تكتفي الحكومة السورية الحالية بالمطالبة بتدخل المجتمع الدولي، يرى مراقبون أن غياب الردع الرسمي وفشل الدولة في حماية أراضيها هو ما شجع "إسرائيل" على مواصلة غاراتها شبه اليومية، واستباحة الأجواء السورية من دون أي رادع.
أصوات من الداخل والخارج: "المواجهة أو الاستسلام"
وفي تصريحاتهم لـ"قدس برس"، اعتبر محللون سياسيون أن العدوان الإسرائيلي يهدف إلى منع سوريا من استعادة دورها الإقليمي، وقال الباحث السوري عبيدة غضبان إن الاحتلال يمارس "مغامرة عسكرية عمياء" قد تؤدي في النهاية إلى نتيجة معاكسة، عبر دفع السوريين نحو مزيد من التسليح والتدريب والمقاومة.
أما الكاتب الفلسطيني نزار السهلي، فرأى أن العدوان على درعا هو امتداد طبيعي للمشروع الصهيوني الاستعماري، الذي يسعى إلى وأد أي تجربة شعبية ديمقراطية في المنطقة، بدءًا من غزة ووصولًا إلى جنوب سوريا.
بدوره، شدد المحلل أحمد الحيلة على أن "الشعب السوري لم يتخل عن خيار المقاومة"، مشيرًا إلى العمليات الأخيرة في بلدات درعا، والتي أكدت أن السوريين قادرون على الدفاع عن أرضهم في غياب الدولة.
المعادلة الجديدة: الشعوب بدل الأنظمة
حزب الله وحركة حماس بدورهما أدانا العدوان، وأشادا بالموقف البطولي لأهالي درعا، معتبرين أن المواجهة مع الاحتلال باتت مسؤولية الشعوب أكثر من الأنظمة، وأكدا أن التصعيد الأخير يضع المنطقة أمام مفترق طرق: إما المواجهة أو الاستسلام.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن سوريا تدخل مرحلة جديدة من صراع مفتوح، لا تحكمه قواعد الاشتباك التقليدية، بل تحدده إرادة الشعوب وقدرتها على الصمود، فبينما تغيب الدولة، يظهر الشعب مرة أخرى في الواجهة، متصدرًا مشهد الدفاع عن الأرض، ورافضًا الخضوع للاحتلال.