الوقت – إن أطماع "رجب طيب أردوغان" رئيس الجمهورية التركية تجاوزت كل منطق وتخطت كل حد، ففي أحدث خطاباته المثيرة للجدل، اقتحم الحرمات وتجاوز المحرمات حين صدح في خطابه بمناسبة الاحتفال بالنوروز في إسطنبول قائلاً: "سيكون يوم الحادي والعشرين من مارس؛ النوروز، يوم احتفال مشترك للعالم التركي، وبهذه الطريقة سيغدو رافداً لوحدتنا وتضامننا وتلاحمنا".
وكشف اللثام عن مخططه الجسور لاختطاف هذا العيد العريق للأقوام الإيرانية، مؤكداً: "نعتزم أن نطرح في اجتماع القمة في المجر خلال شهر مايو، اقتراحاً للاحتفال بعيد النوروز باعتباره يوم ابتهاج مشترك للعالم التركي".
لماذا يروم أردوغان اختلاس النوروز؟
يأتي سعي أردوغان لاختلاس النوروز في خضم أجواء مضطربة تعيشها تركيا، حيث أفضى اعتقال ومحاكمة وسجن "أكرم إمام أوغلو" - المنافس الأبرز لأردوغان في المعترك الانتخابي القادم - إلى حالة من الاضطراب الشديد في ربوع البلاد، فعقب اعتقال عمدة إسطنبول بتهمة التواطؤ مع جماعة إرهابية والفساد المالي، اشتعلت مدن تركية عديدة بنيران الاحتجاجات ضد هذا الإجراء الحكومي والقضائي، ولا تزال جذوتها مستعرةً.
وقد تمخض عن ذلك توترات واشتباكات في أروقة البرلمان التركي، وهبوط حاد في بورصة إسطنبول بنسبة 16.5% في يوم واحد، مسجّلةً أشدّ انحدارٍ في قيمتها منذ سبعة عشر عاماً، وإنفاق البنك المركزي التركي اثني عشر مليار دولار لصون قيمة العملة التركية من الانهيار.
وقد كشفت التجارب السالفة أن أردوغان كلما حاصرته أزمات داخلية، هرع إلى التشبث بالمفاهيم القومية، وهذا النزوع نحو القومية في أتون الأزمات الداخلية، ليس سمةً خاصةً بأردوغان وحده، بل هو مسلك معهود للحكام المستبدين الذين يلوذون بالمفاهيم القومية حين تترنح شرعيتهم تحت وطأة التحديات الداخلية، وتندرج مزاعم أردوغان الأخيرة حول النوروز في هذا المضمار.
سرقات أردوغان الثقافية
ليست هذه المرة الفريدة التي تحاول فيها تركيا سلب الإرث الحضاري والتراث الوطني للإيرانيين، فبعد أن نسبت مولانا، عملاق الشعر الفارسي، إلى نفسها كشاعر ينتمي إلى أراضيها، أقدمت الحكومة التركية في ديسمبر 2024 خلال مراسم توزيع جوائز "توبيتاك" العلمية التي شهدها أردوغان، على تقديم أبي ريحان البيروني وابن سينا وابن خلدون وابن كثير الفرغاني وعلي بن محمد السمرقندي كأعلام علمية تركية، وهذا يناقض الحقائق التاريخية والوثائق والآثار القائمة، التي تؤكد أن جميع هذه القامات الشامخة إيرانية الأصل، وأنه في عصر حياتهم لم يكن ثمة كيانٍ يُدعى تركيا على وجه البسيطة.
النوروز… درة إيرانية تتلألأ لكل الشعوب
تأتي ادعاءات أردوغان لاختطاف النوروز، في وقتٍ تم فيه إدراج ملف النوروز باقتراح وريادة إيرانية قبل ستة عشر عاماً، أي في عام 2009، بعضوية سبع دول في أبو ظبي، وفي عام 2016 بانضمام خمس دول أخرى (بمجموع اثنتي عشرة دولة) بموافقة لجنة التراث الثقافي غير المادي في قائمة التراث العالمي غير المادي.
وكانت إيران وأذربيجان وأفغانستان وأوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان وباكستان وتركيا وكازاخستان وقيرغيزستان والهند والعراق، هي الدول الاثنتا عشرة التي سجلت النوروز في سجل التراث العالمي بشكل مشترك، وفي الخامس من ديسمبر 2024، انضمت منغوليا إلى قافلة تسجيل النوروز العالمي، ليصبح عدد الدول المحتفية بهذا العيد المجيد ثلاث عشرة دولة.
تم تسجيل النوروز عالمياً كطقس جامع بخمسة أصناف معتمدة، وثمة العديد من الدول الآسيوية والعربية والأفريقية التي تتطلع للانضمام إلى هذا الملف، ولهذا السبب سيغدو النوروز قريباً أضخم ملف للتراث غير المادي في أرجاء المعمورة.
النوروز هو أعظم احتفال وطني للإيرانيين، وعلى الرغم من أن لحظة ميلاده الأولى تغيب في ضباب التاريخ، إلا أن الشواهد والأدلة تشير إلى أن جذور هذا الاحتفال تضرب في أعماق آلاف السنين قبل ميلاد المسيح، في العصور الغابرة، لم يكن موعد النوروز ثابتاً، وما نطلق عليه اليوم اسم "النوروز"، هو ثمرة أمر الملك ملكشاه الأول الذي جمع نخبةً من فطاحل علماء الفلك الإيرانيين، وفي طليعتهم الحكيم عمر الخيام، لإعداد التقويم الإيراني، وبعد إجراء حسابات دقيقة، تم تثبيت موعد النوروز في غرة شهر "فروردين".
تشهد الاكتشافات الأثرية ونقوش "تخت جمشيد" الخالدة، أن النوروز احتفال يعود للعهد الأخميني، ولم يصف أي مصدر تاريخي موثوق النوروز بأنه احتفال تركي، بل إن السلاجقة والعثمانيين أنفسهم كانوا يحتفون بالنوروز كتقليد إيراني أصيل، ومن أبرز رموز عيد النوروز مائدة "الهفت سين" (السبعة سينات) التي تعدّ من أعرق الطقوس السائدة في شتى أنحاء إيران، ومن الشعائر المشتركة بين جميع الأقوام التي تحتفي بالنوروز وتبتهج بقدومه.